أدب, استعادة
اكتب تعليقُا

سليم البيك، في البحث عن نص فلسطيني حميم

مقالة راسم المدهون في الحياة، ١١\٤\٢٠١٥

كأن نصوص سليم البيك في كتابه الجديد «ليس عليكِ سوى الماء» تعثر على حريتها وطلاقة تعبيريتها في خلاصها الكامل من أسر تجنيسها في أي من أجناس الكتابة الأدبية وتعريفاتها التقليدية المعروفة. هي نصوص تذهب منذ سطورها الأولى نحو فضاء مزدحم بالأفكار والأخيلة، بالرغبات المكتومة والمنفلتة، وأيضاً بجموح الكتابة في بحثها عن قلق وجودي ترى أنه يتخايل في الجسد كما في الروح. في حالات النصوص الجديدة كلها تبدو الرَغبة معادلاً فنياً وجمالياً جامعاً، ولكن أيضاً معادلاً صاخباً بكل ما في العلاقة بين الرجل والمرأة من لواعج باطنية تشبه الحسرات مرّة والاندفاعات الناعمة ولكن المجنونة مرات كثيرة.

عثر سليم البيك قبل أعوام قليلة على بعض شخصيته ككاتب في نصوصه القصصية التي منحته جائزة القطان التي تمنحها للكاتب الفلسطيني الشاب التي قدم من خلالها أفقاً إبداعياً مغايراً للكتابة الفلسطينية الشائعة بما في أغلبها من انضباط شبه صارم لتقاليد ليست دائماً من صلب الكتابة بقدر ما هي من عوالم وأفكار خارجية تنتمي للمجموع العام أكثر من انتمائها للفردي وتشكلاته ووعيه بل الأهم وعيه الخاص ومشاعره الشخصية. مجموعته القصصية «كرز» كانت في أحد وجوهها كتابة من قلب العيش الفلسطيني في العصر الراهن بكل ما فيه من صخب وجنون ولكن أيضاً بكل ما فيه من معاصرة وحداثة تحتفظ بالحس الإنساني جنباً إلى جنب مع أدوات التواصل الاجتماعي الجديدة أو بالأصح مع ما تبثه في الحياة المعاصرة من قلق خاص لا يشبه ذلك القلق القديم، الشائع والتقليدي، وهو بسبب هذه الخصوصية بالذات كان لزاماً أن يعثر لنفسه على أدوات فنية مغايرة تضع الكتابة في متون أخرى.

في كتاب «ليس عليكِ سوى الماء» (منشورات دار راية – حيفا – فلسطين – 2015)، يختار سليم البيك مشهديات العلاقة الحميمة في تجليات تفاصيلها وجزئياتها: الكتابة هنا بوح فيه الكثير من صوفية مادية تعيد لما في تلك العلاقة من مغامرة في الحسي، أي تماماً في تلك المساحة التي تفترض نوعاً من «التورية». أعني هنا أن كتابة كهذه إذ تغامر بالخروج إلى «العلنية» إنما تغامر باجتراح فنيات أسلوبية بالغة الخصوصية. هي في هذه الحالة تحتاج أن تكون أكثر من جسارة وأعلى من جرأة إذ هي بانحيازها لـ «موضوعها» بالذات تضع سطورها تحت مجهر فحص علاقتها بفنياتها وما إذا كانت قد نجحت في رسم تلك المشهديات الأدبية بجاذبية فنية تستحق تلك المغامرة. هي معادلة بالغة الدقة والصعوبة، وأعتقد أن سليم البيك قد نجح في ذلك من خلال اختياره الأساسي لشكل الكتابة. أعني بالذات خيار الكتابة الشعرية وإن حرص أن تكون تلك الكتابة الشعرية خارجة هي أيضاً عن تجنيس نفسها في صف الشعر رغم كل ما أخذته من ملامح الشعر بل وحتى شروطه. أختار في حالة «ليس عليكِ سوى الماء» وصف «الكتابة الطليقة» أكثر من الشعر، فنحن أمام استرسال يطلق خلاله الكاتب العنان لخياله لـ «يقص» علينا موزاييك الرغبات الإنسانية بقليل من الصوفية التقليدية المعتادة في كتابات كهذه، ولكن بالكثير من الحرص على إحاطة ذلك «الرسم» بمناخات إنسانية تتوغل عميقاً في الفردي بما هو حميم أولاً، وبما هو انفتاح شائك على جوهر البوح، أي على الممنوع والمحرَم. هنا بالذات تبتغي الكتابة أن تكون ذاتها وأن لا تشبه كتابة أخرى، فالعودة لمناوشة موضوع يراه كثر سهلاً و «مرغوباً» فيها الكثير من المغامرة حيث فنية الكتابة تقف في بؤرة الفعل الإبداعي.

«ليس عليكِ سوى الماء» كتابة في اصطخاب النوازع الإنسانية في شأن هو مزيج من الروحي والحسي وقد نجح سليم البيك في تقديم نصوصه بجماليات رأيناها في سلاسة السطور وجذابية المشهديات.

Advertisements
This entry was posted in: أدب،استعادة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s