سينما
اكتب تعليقُا

«أنطون تشيخوف ١٨٩٠» سيرته ورحلته إلى جزيرة ساخالين

★★★★★

لأفلام السيرة الذاتيّة طبيعة مزدوجة حسب الشخصيّة التي تُنقل سيرتها في فيلم، فيمكن للسيرة أن تساعد على نجاح نسبيّ للفيلم بتأثير إعجاب المُشاهد المسبق بهذه الشخصيّة على رأيه بالفيلم، وخروجه من الصالة راضياً بمشاهدة تصوير لسيرةٍ هو معجب بها وبصاحبها قبل دخوله الصالة، كما يمكن للفيلم الناقل لسيرة شخصيّة أن يكون بنقله هذا مقصّراً وغير مخلص بما فيه الكفاية بالنسبة للمشاهدين المعجبين مسبقاً بصاحب السيرة، فيخرجون من الصالة بشعور أنّ السيرة تستحق طرحاً سينمائياً أكثر جديّة. وذلك يختلف من مُشاهد لآخر، حسب المعايير والاعتبارات المتباينة بين المشاهدين.

في الفيلم الفرنسي «أنطون تشيخوف ١٨٩٠» المعروض حالياً في الصالات يمكن طرح تلك الأسئلة ويمكن أن تتجاور آراء تتراوح بين الإعجاب لما نقله الفيلم من مرحلة غير معروفة تماماً من حياة الكاتب الروسي، وبين اللوم لأنّ فيلماً بهذا الموضوع كان يمكن أن يخرج إلى الصالات بتنفيذ أفضل. لكن قد يُخفّف الحكم الأخير إن أخذنا بعين الاعتبار أنه يُصنّف ضمن الأفلام المستقلة، فلا شركات إنتاج ضخمة له كما أن الصالات التجارية لم تعرضه، بل وحسب ما تُعرف بصالات السينما المستقلة في فرنسا، والفيلم قد أخرجه وكتبه وأنتجه الفرنسي رينيه فيري.

يمكن تقسيم الفيلم إلى نصفيْن، الأول يصوّر بمراحل مختصرة تحوّلَ أنطون تشيخوف (نيكولا جيرو) إلى كاتب قصص ومسرحيات معروف، مكرّس، وقد بدأ بنشر قصصه في الصحافة للمساعدة في إعالة أسرته، والديه وأخوته، موقّعاً إياها باسم أنتوشا تشيخونتي، فيزوره لاحقاً محرّران مهمّان يتبنّيان موهبته، ويخرج معهما من حالة الفقر ويصير كاتباً محترفاً، من أهمّ كتّاب روسيا وصديقاً لتولستوي وحائزاً على جائزة بوشكين. وفي هذا القسم من الفيلم نتعرّف على شخصيّة تشيخوف الهادئة وعلى أسرته وعلاقته القويّة بها، وخاصة أخته القارئة والناقدة الأولى لقصصه. ويمكن القول أنّ لا جديد في هذا القسم، لا موضوع محدّد يمكن بناء فيلم عليه، بل سرد انتقائي لسيرة الكاتب الروسي، إلا إن اعتبرناه مقدّمة مطوّلة لما سيطرحه النصف الثاني من الفيلم، وهي رحلة تشيخوف إلى جزيرة ساخالين في أقصى شرق روسيا، شمال اليابان.

أهميّة الفيلم، أو الجديد فيه، هي هذه الرحلة، ولعلّه من الأفضل للفيلم لو أنّه اختَصر من نصفه الأوّل وأطال في تصوير رحلة تشيخوف ومكوثه في هذه الجزيرة وإنجاز كتابه الصحافي عنها، ويكون الفيلم بذلك أساساً عن تشيخوف وساخالين مقدّماً الجديد للكثير من قرّاء تشيخوف ومجمل الأدب الروسي.

في النصف الأوّل من الفيلم يموت أخوه بمرض سيعرف لاحقاً صاحب «الشقيقات الثلاث» أنّه مصاب به، وسيتذكّر بعد وفاة أخيه أنّه كان قد وعده وهو على فراش المرض بأن يذهب معه إلى جزيرة ساخالين البعيدة عشرة آلاف كيلومتر عن موسكو، يقرّر لاحقاً الإيفاء بوعده، ويبدأ رحلة من ثلاثة أشهر إلى هذه الجزيرة حيث يُنفى سجناء الامبراطورية الروسية.

في الجزيرة يبدأ تشيخوف بمقابلة السجناء في سجونهم بعدما حصل على موافقة من السلطات بذلك، سيلتقي بالأهالي هناك، الفقر والدعارة متفشّية ولا بنى تحتيّة في الجزيرة، لا منشآت فعليّة، ما نراه هي صخور ومنحدرات وغابات.

بزيارته إلى الجزيرة، حيث توفّي بعد فترة قصيرة من عودته دون تمّكنه من إكمال كتابه، أنجز تشيخوف تحقيقات صحافيّة عن الحالة البائسة للسجناء هناك، تُعدّ من أفضل ما كُتب في هذا المجال ويمكن تصنيفه كمرجع في العلوم الاجتماعية، جمّع تشيخوف تحقيقاته التسعة في كتاب أسماه «جزيرة ساخالين»، كما يحوي الكتاب رسائله إلى أخته وأهله، والتي تُعتبر بحدّ ذاتها نصوصاً أدبيّة رفيعة.

تكمن أهمّية الفيلم في الشخصيّة التي تصوّرها، وتحديداً مرحلة ساخالين التي تحتاج لوحدها فيلماً مخصّصاً، ما وقع به الفيلم هو محاولة الجمع بين نقل مراحل تطوّر تشيخوف ككاتب، وبين إلقاء الضوء على رحلته التي سيخرج منها بكتابه، وبهذا الجمع يُجرّ المخرج أولاً إلى تعميمات تعوزها الوضوح، وثانياً إلى إدخال تفاصيل من حياة تشيخوف قد لا تكون ذات صلة بمجمل موضوع الفيلم، اللقاء الوحيد والقصير مع تولستوي في الفيلم مثلاً، كان مختزلاً وخارجاً عن السياق، على أهميهة الإشارة إلى صاحب «أنا كارنينا». الرحلة الممتدة لأشهر إلى الجزيرة لم نعرف عنها شيئاً، لقاءات الكاتب بالسجناء كانت سريعة، عودته إلى موسكو والتحقيقات التي أنجزها وأصداؤها، لم نعرف عنها شيئاً كذلك.

لا يمكن شمل كل شيء في فيلم واحد يروي سيرة ذاتيّة لشخصيّة غنيّة وحيويّة أدبياً كتشيخوف. وهذه الرغبة، أي شمل كل شيء، كثيراً ما تؤثّر سلباً على أعمال السير الذاتيّة، والحديث دائماً عن الأفلام حيث بالكاد تصل مدّتها لساعتيْن، لا عن كتب السير التي قد تتخطى بعضها الألف صفحة.

في القدس العربي

tchekhov354654

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s