سينما
اكتب تعليقُا

الفرنسي «ثلاثتنا، فلنمضِ». مقاربة حديثة للعلاقة الثلاثيّة

★★★★★

مالت السينما الفرنسيّة في عدّة أفلام مؤخراً إلى طرح مسألة الهويّة الجنسية في انعكاس متوقّع لواحد من هموم المجتمع الفرنسي في السنوات الأخيرة، معكوساً، كما هو في صالات السينما، على صفحات الجرائد والمجلات وفي قاعات المحاكم كما في الساحات العامة. الطرح الأخير هنا كان في فيلم «ثلاثتنا، فلنمضِ» (À trois on y va) للمخرج الفرنسي جيروم بونيل المعني من خلال أفلام سابقة له بالعلاقات بين الجنسيْن عبر مقاربات مختلفة، آخرها كان قبل عاميْن في فيلم «زمن العلاقات» (Le Temps de l’aventure) الذي طرح فيه فكرة العلاقة السريعة الطارئة بين رجل وامرأة كهليْن، علاقة تأتي مجانبةً لعلاقة كل منهما بشريك حياة غائب تماماً عن الفيلم.

هنا، في «ثلاثتنا، فلنمضِ»، نقف أمام علاقة متعدّدة، علاقة واحدة بثلاثة أطراف، وبالجمع بين الدراما والكوميديا يطرح الفيلم مسألة الهويّة الجنسيّة دون أن يعطي المسألة الجنسيّة مكانة أساسية ضمن العلاقة الثلاثية، نحن هنا أساساً أمام علاقة عاطفيّة بين فتاتيْن هما ميلودي (أناييس ديموستيير) وشارلوت، وشاب هو ميشا، في العشرينيات من أعمارهم. وهذا طرح حديث ليس غريب عن المجتمع الفرنسي في ٢٠١٥، مقدّماً العلاقة الثلاثيّة ضمن سياق الأومو/الإيتيرو، لتكون العلاقة المثليّة بين الفتاتيْن حاضرة في الفيلم، بل هي أساسه كونها أشدّ من ميول كل منهما لميشا.

الطرح الحديث هذا ليس جديداً على السينما الفرنسيّة من ناحية العلاقة المتعدّدة، الجديد هو إدخال «المثلية» إليها. ويعيدنا الفيلم إلى أفلام سابقة شكّلت علامات في السينما الفرنسية كفيلم «المرأة هي امرأة» (Une femme est une femme) (١٩٦١) لجان لوك غودار ويحكي فيه عن علاقة امرأة بزوجها من جهة وبصديقه من جهة ثانية، بشكل تظهر فيه العلاقتان كعلاقة واحدة ثلاثيّة أكثر مما تبدو كخيانة زوجيّة. في فيلم آخر هو «جول وجيم» (Jules and Jim) (١٩٦٢) لفرانسوا تروفو ظهرت العلاقة الواحدة ثلاثية الأطراف بشكل أكثر وضوحاً كونها أساس ما يريد الفيلم طرحه، إنّما في الحالتيْن لسنا أمام علاقة مثليّة بين اثنيْن من الأطراف الثلاثة، ففي فيلم تروفو نحن كذلك أمام علاقة امرأة واحدة بكل من جيم وجول.

في «ثلاثتنا، فلنمضِ» لكل من الفتاتيْن علاقة مع الأخرى ومع ميشا. فيبدأ الفيلم بوصول ميلودي إلى بيت شارلوت وميشا، وهما على علاقة، وقد اشتريا حديثاً البيت قرب مدينة ليل الفرنسية ليؤسسا فيه حياة مشتركة ومستقرة، لكن شارلوت كانت قد بدأت قل أشهر علاقة مثليّة مع الزائرة ميلودي، فحبيبة الشاب تخونه مع صديقتها، وليست، كما نراها في معظم وقت الفيلم، على توافق تام مع ميشا ولا تبدو متحمّسة للاستمرار معه علاقتهما، لطغيان مشاعرها المثليّة تجاه ميلودي. الشاب ميشا بدوره سيُعجب بميلودي وسيقيم علاقة معها، سيخون هو كذلك حبيبته شارلوت مع صديقتها/حبيبتها. في الوسط وضمن سياق لا يخلو من مفارقات كوميديّة خفيفة، تجد ميلودي نفسها عالقة بين الاثنين، في علاقة منفصلة مع كل منهما، وإن كان واضحاً ميولها للعلاقة المثليّة مع شارلوت، لكنّها هنا ستخون كلاً منهما مع الآخر.

لن يشكّ أحد بشيء، ميشا وحبيبته الأولى شارلوت يملآن حديثَهما مع بعضهما بالكذب ليحصل كل منهما على فرصة لقاء شارلوت، وشارلوت بدورها تحب الاثنين وتحتار بما تفعل ومع من تمضي الوقت. الحل الذي اقترحه المُخرج هنا، وقد شارك في كتابة السيناريو، يتمثّل في علاقة ثلاثية بينهم، وفي لقطة يصل فيها الفيلم إلى حلّ عقدته، تُقبّل ميلودي شارلوت أمام ميشا، فلا يجد أمامه غير مشاركتهما، هنا تحديداً تنفرد العلاقة بين ميشا وحبيبته الأولى شارلوت.

الفيلم لا يقدّم محاكمات، كما لا يقدّم تبريراً للكذب أو الخيانة بين طرفيْ علاقة حب، إنّما يحكي عن الحب كقيمة مطلقة يمكن أن تتخلّل ثلاثة أطراف ولا تنحصر بطرفيْن، هذا تحديداً غريب عن المجتمع الفرنسي كما غيره، إنّما الهويّة المثليّة لكل من الفتاتيْن هو الطرح الذي كثر مؤخراً في السينما لفرنسيّة، كما أشرت سابقاً.

العلاقة التي يطرحها الفيلم يُطلق عليها (ménage à trois)، ومن هنا غالباً أتى اسم الفيلم، وهو تعبير لقدر ما هو فرنسيّ يُحكى بالإنغليزية دون ترجمة، كما هو بالفرنسية، وقد أشار لها قبل عاميْن وودي ألن ضمن سياق كوميدي في دور د.باركر في فيلم (Fading Gigolo). ليس«ثلاثتنا، فلنمضِ» فيلم جوائز، وليس فيلماً تجارياً يتوسّل موضوعاً صار صرعة فرنسيّة لينال ربحاً مقبولاً عبر شبّاك التذاكر. الفيلم من تلك الخفيفة التي يختلط فيها الدراما بالكوميديا والتي تطرح بأسلوب أقرب للتلقائيّة ودون ادّعاء مقاربة لحلول ما، مسائلَ أكثر تعقيداً واشتباكاً.

في القدس العربي

atrois349576549

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s