سينما
اكتب تعليقُا

تيم بيرتن منتقلاً من الفانتازيا إلى السيرة في «عيون كبيرة»

★★★★★

في فيلمه الجديد، حمل المخرج الأميركي تيم بيرتن عدّته الفنيّة وانتقل من أفلام الفانتازيا والخيال والرسوم إلى فيلم في صلب الواقعيّة، وليس الفيلم واقعياً للشخصيات والأحداث فيها فحسب، بل أساساً لتصويره سيرة فنانة أميركية، وقصّتها الحقيقية مع لوحاتها ومع استيلاء زوجها على هذه اللوحات. الهويّة البصريّة لبيرتن واضحة في الفيلم، الألوان متباينة ومتنوّعة في مشاهده، الديكورات تكاد تكون كرتونيّة، نضيف إلى ذلك اللوحات الأكليريكية والزيتة التي تملأ المَشاهد، وهي هويّة حملها معه من أفلام سابقة له كـ «أليس في بلاد العجائب» و «شارلي ومصنع الشوكولاته» وغيرها حيث للألوان دور أساسي في تشكيل هويّة صانع هذه الأفلام، ولا عجب في ذلك إن عرفنا أن بيرتن قدم إلى الإخراج من الرسم حيث بدأ مع شركة ديزني، وأنّه مستمر في مهنة الرسم إلى جانب الإخراج، حيث تخرج رسوماته وشخصياته في أفلام كما في كتب مطبوعة.

يقدّم «عيون كبيرة» للمُشاهد سيرة الرسامة الأميركية مارغاريت كين (آمي آدامز) منذ بداياتها الفنيّة حتى نيلها شهرة واسعة في أميركا، نيلها هي وليس لوحاتها، لأن اللوحات كانت قد اجتاحت الوسط الفني في أميركا إنّما باسم زوجها والتر كين (كريستوف والتز)، وهذا أساس الفيلم ومبرّر تصويره.
يبدأ الفيلم بهرب مارغاريت ومعها ابنتها، من زوجها، تبحث عن عمل، كل ما تستطيعه هو الرسم، شخصيّتها سلبية وساذجة ومنطوية على نفسها ولا أصدقاء لها، وذلك ينسحب على معظم زمن الفيلم. تحاول أن تعمل كرسّامة على الرصيف حيث ترسم بورتريهات مقابل دولار واحد، تلتقي بفنان آخر، أو مدّع، هو والتر. لاحقاً تصلها ورقة من زوجها يطالب فيها بحضانة ابنتهما كونها غير قادرة على ذلك مادياً، فيطلب منها والتر أن تقبل الزواج به فتضمن بذلك حضانة ابنتها، يتزوجان وتستمر هي بالرسم. يحاول هو التسويق وبيع لوحاتها ولوحاته، سنعرف لاحقاً أنه لم يرسمها بنفسه، تجذب لوحاتها العديد من المشترين، مع بيع المزيد من اللوحات بدأ والتر الإعلان بأنه من رسمها، قائلاً لزوجته مارغاريت بأن الناس ستقلّل من قيمة لوحات ترسمها امرأة، وأن القول بأنه راسمها سيزيد من مردودها المادي عليهم وأنه سيحسن بيعها، تخضع هي لأسباب تخص شخصيتها كما تخص حاجتهم للمال، أو للمزيد من المال، وعلى ذلك يتطوّر سير الفيلم إلى أن تستعيد مارغاريت اسمها ولوحاتها، وذلك بعد عشر سنين من النجاح الجماهيري الباهر للوحات ومن النجومية التي رافقت زوجها والتر، مجرياً مئات المقابلات الصحافية والتلفزيونية.
يطرح الفيلم عدّة مسائل أوّلها هو ما عانته المرأة من السيطرة الذكورية وطمس إنسانيّتها، والذكورية هنا لا تقتصر على زوج الفنّانة الذي انتهك حقوق ملكيّتها الإبداعية للوحاتها بل تمتد إلى المؤسسات الفنيّة والمجتمع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
المسألة الثانية التي يطرحها هي العلاقة بين الجماهيرية التي قد تنالها أعمال فنيّة، وبين جودة هذه الأعمال، أي بين الانتشار الواسع والنجاح التجاري وبين القيمة الفنيّة للأعمال، وظهر ذلك جلياً من خلال الرأي النقدي الذي طُرح في الفيلم من خلال أحد نقّاد صحيفة «نيويورك تايمز» الذي لم ير في اللوحات أي قيمة فنيّة. والمبيعات السريعة والواسعة للوحات تعود أساساً لمهارة التسويق والبيع لدى زوجها، مهارة سهّلت عليه الإقناع بأنّه فعلاً رسّامها، وهو أصلاً موظّف في شركة عقارات، فلم تكن اللوحات بالنسبة له غير سلعة تُباع مقابل أفضل سعر ممكن ولم تكن زوجته بنظره فنانة، بل منتجة وحسب.
ومن هنا يمكن طرح سؤال آخر عن مدى جديّة هذه الأعمال، كونها تم إنتاجها تحت ضغط الوقت ولغاية البيع والربح، وهذا ربّما ما يبرّر الحفاظ على أسلوب واحد، فتاة بملامح حزينة وملاس رثّة وعيون كبيرة، وأي تغيير في ذلك قد يمسّ من استقرار الربح الذي تسببه هذه الفتيات الحزينات. لكن ذلك لا يمنع أن مارغاريت رسمت لوحاتها بحميمية الفنّان وشغفه، وهذه علاقة بين الفنانة وعملها، استطاعت آمي آدامز آداءها برهافة، شاهدناها قبل عاميْن في (American hustle) حيث نالت عنه في حينها كما عن دورها الآن في (Big Eyes) جائزة الغولدن غلوب عن أفضل ممثلة.
وفي مسألة التقييم النقدي لأعمال فنيّة على أنّها لا ترقى لحدود أدنى من المعايير اللازمة، يمكن هنا استعادة فيلم ممتاز لتيم بيرتن هو (Ed Wood)، حيث نشاهد مخرجاً سينمائياً (جوني ديب) يحكم عليه النقّاد بالفشل، فيلم أُنتج عام ١٩٩٤ وكتب السيناريو له سكوت ألكساندر ولاري كارازوسكي، كاتبيْ السيناريو كذلك للفيلم موضوع المقالة.
لا يطرح الفيلم المسائل المذكورة بشكلها المباشر، إنّما يروي مأساة مارغاريت مع زوجها وتواطئها معه لانتهاك حقّها في ملكيّة اللوحات كونه من يعرف كيف تُسوّق وتُباع، تواطؤ يعود للشخصية الخاضعة التي كانت لمارغاريت، وهو ما يُلام عليه أساساً المجتمع ومؤسساته الذكورية في حينها.
قد لا يجد بعض معجبي تيم بيرتن ضالتهم في هذا الفيلم، كونه لا يقوم على رسومات المخرج وخياله أو خيال الكتّاب، بل على سيرة حقيقية ما تزال بطلتها تعيش في عالمنا بعمر ٨٨ عاماً، لكنه جديد هذا المخرج، وهو أفضل من العديد من أفلامه السابقة.
في القدس العربي

big384569347

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s