سينما
اكتب تعليقُا

«إنهرينت فايس» لأندرسون. هويّة بصريّة وحكائية

★★★★★

الفيلم من المشهد الأوّل فيه يهيّئ لمدى التداخل في الحبكات التي يتوجّب على المُشاهد متابعتها كلّ على حدة، وربطها ببعضها في الوقت نفسه، وكلّها مرتبطة بالتحقيقات التي يقوم بها «دوك» سبورتيللو، الطبيب والمحقّق الخاص الذي لا نرى زوّاراً لعيادته إلا بوصفه محقّقاً، لا طبيباً. من المشهد الأوّل تدخل على دوك (دكتور) سبورتيللو (جواكين فونكس) في بيته الساحلي في كاليفورنيا حبيبته السابقة شاستا فاي هيبوورث (كاثرين ووترستون) بعد انقطاع بينهما دام لسنين. دوك مستلقياً على كنبته يراها فجأة واقفة على باب بيته، لا يستوعب الأمر للوهلة الأولى وتطمئنه هي بأنه لا يهلوس، بفعل سيجارة الحشيش على الأغلب والتي لا تكاد تفارقه طوال الفيلم، تقصده شاستا كمحقّق خاص، طالبة منه الحؤول دون ما تخطّط له زوجة حبيبها الحالي، وحبيب هذه الزوجة، للخلاص من زوجها، أي حبيب شاستا، مليونير عقارات شهير اسمه ميكي وولفمان، وهو «تقنياً يهودي إنّما يريد أن يكون نازياً».

ليس التعقيد الذي يكتنف الفيلم من أوّله إلى آخره محدوداً بهذه اللّفة من العلاقات فحسب، بل تحديداً بما سيتفرّع عنها ويجانبها من حبكات مرتبطة بقدر ما ومنفصلة كذلك بقدر ما عن الحبكة الرئيسية التي يبدأ الفيلم بها.

في اليوم التالي من زيارة شاستا، يختفي كل من شاستا ووولفمان، حبيبها، غموض تام يلفّ اختفاءهما، وهذا حرفٌ لما كان سيشرع دوك في التحقيق به، ستكون غايته من اللحظة هي إيجاد شاستا التي ما يزال يحتفظ ببعض الأثر من حبّها، مجانباً ذلك بالبحث عن حبيبها وعن آخرين.

لا يتوقّف الفيلم على ذلك، ونحن هنا لا نشاهد فيلماً بحبكة واحدة تتطوّر بتقدّم الفيلم، بل حبكة رئيسية طرأت من دون مقدّمات، وهي إيجاد شاستا التي اختفت فجأة، تجانبها حبكات فرعية يرتبط حل كل منها بالأخرى، لكنّ شاستا ذاتها، بعدما قلب دوك الدنيا بحثاً عنها ظاناً بأنها مخطوفة، ظهرت مجدّداً له في بيته، وفجأة مرّة أخرى، مخبرة أياه بأنها كانت في زيارة عائلية. ولأن الفيلم مبني على تجانب لعدّة حبكات (أو قضايا يتطلّب من دوك حلّها) فلا ينتهي الفيلم هنا، فالمحقّ الخاص دوك وحينما يبدأ بالتحقيق في اختفاء شاستا ووولفمان، يزوره في عيادته عضو من أحد تنظيمات السود المقاتلة ليطلب تحقيقات تخص أحد حرّاس وولفمان، وذلك في قضية مختلفة، وهذا الحارس يُقتل في اليوم التالي، ثم تتصل به مدمنة سابقة على المخدّرات وقد تحوّلت لمرشدة في الوعي لمخاطر الإدمان، تطلب منه التحقيق في الاختفاء الغامض لزوجها عازف الساكسفون، وهذه كذلك غير منفصلة عن باقي القضايا، يتخلّل كل ذلك العلاقة المتواترة بين البغض الشخصي والتنافس المهني بين دوك كمحقّق خاص وبين محقّق في شرطة لوس أنجلس هو بيغفوت (جوش برولين) الكاره «للهيبيز»، والمعروف عنه كأحد أبرز منتهكي الحقوق المدنيّة في سلك الشرطة.

دوك نفسه من «الهيبيز»، الكل يعرفه، كمحقّق غريب الأطوار، و«كهيبي» بمظهره الغريب، شعره ولحيته وملابسه، يمشي في عيادته حافياً، ردود فعله وسلوكه تكاد تكون متأثّرة طوال الوقت بفعل سيجارة الحشيش، وهذا ما يجعل من الفيلم كوميدياً بالدرجة الأولى، لكنه بالدرجة الأولى كذلك يُصنّف كفيلم «نْوار» (Film Noir)، وهي نوعيّة من الأفلام التي برزت في هوليوود في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي والمعنيّة بجرائم فردية يدور الفيلم حول التحقيق فيها. وبالحديث عن ذلك، فـ «إنهرينت فايس» فيلم «نْوار» إنّما بنسخة هوليوودية حديثة. في أفلام «النْوار» الكلاسيكية هنالك كذلك غموض وتشابك في التحقيق تتطلّب متابعة متأنّية من قبل المُشاهد، وقد صُوّرت بالأبيض والأسود، ما كان متاحاً في حينه، واعتمدت على العتمة والظل كمعادل بصري للغموض الذي يكتنف الحبكة. هنا في «إنهرينت فايس»، والذي يصوّر عمليّة تحقيق في عام ١٩٧٠، نجد احتفاءاً بالألوان والضوء، بأضواء النيون الملوّنة، بالديكورات، بملابس «الهيبيز» التي تميّز دوك، وكل ذلك يجعل للفيلم هويّة تميّزه عن غيره ويصعّب على المشاهد نسيانه لاحقاً، تتضّح من ملصق الفيلم قبل المشاهدة، حتى الفيلم ونهاياته.

وبالمناسبة، فحتّى هذه النهايات، لا يتيح الفيلم للمُشاهد توقّع ما سيحصل لاحقاً، ثم في المرحلة الأخيرة منه سيتضمّن الفيلم عدّة مَشاهد سيبدو كل منها بأنه الأخير إلى أن نصل فعلاً إلى المشهد الأخير.

إن حاولنا ترجمة «Inherent Vice»، أو المقصود منها، فيمكن اقتراح «عيب خلقي» أو « مَأْثَم متأصّل» أو ربّما «تآكل ذاتي»، لكن أحياناً يُفضّل التعامل مع عنوان الفيلم دون ترجمة. في فرنسا مثلاً، في صالات السينما والملصقات وفي الصحافة، هنالك توجّه عام لترجمة عناوين الأفلام، لكن في بعضها يُترك العنوان الإنكليزي على حاله، وهو كذلك في «إنهرينت فايس». ربّما، إضافة لصعوبة حصر العنوان بترجمة وافية وكافية دون شرح، فلأنّ للفيلم هويّة بصريّة واضحة كما سبق وذكرت من الملصق حتى المشهد الأخير، لعلّ فرادة العنوان يصبّ في هذا السياق.

الفيلم من كتابة وإخراج الأميركي بول توماس أندرسون (نقلاً عن رواية للأميركي توماس بينتشون نشرت ٢٠٠٩ وحافظت الترجمة الفرنسية منها على العنوان الإنكليزي مع ترجمة صغيرة لها)، وأندرسون صاحب أفلام سابقة منها ما يوازي فيلمه الأخير في جودتها، كفيلمه السابق (The Master)، والذي قام ببطولته كذلك جواكين فونيكس، وهو الفيلم الأقرب لـ «إنهرينت فايس» من حيث الأسلوب (لقطات أكثر ثابتة وتحرّك بطيء نسبياً للكامرا في بعضها) إذا ما قارنّاه بأفلام سابقة وممتازة كذلك كـ (Magnolia) التي اعتمدت على لقطات بحركات أسرع. وفونيكس نفسه شاهدناه العام الماضي في بطولة فيلم (Her)، في شخصيّة هي النقيض تماماً من دوك، بأداء متميّز له في كليْهما ما يزيد من تباعدهما.

العرض الأول للفيلم كان في مهرجان نيويورك السينمائي العام الماضي، وحالياً يُعرض في الصالات الفرنسية، ونافس فونيكس فيه على جائزة أفضل ممثل في كل من «الأوسكار» و«الغولدن غلوب». والفيلم بالمناسبة من تلك التي، للوصول إلى قدر أكبر من المتعة أولاً والإلمام بحبكاته المتفرّعة ثانياً، يتطلّب حضورها أكثر من مرّة، دون أن يعني ذلك، مع قراءة هذه الأسطر وتقديمها للفيلم، أن مشاهدة واحدة لن تكون وافية.

في القدس العربي

inherent459854

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s