استعادة, سينما
اكتب تعليقُا

«بيردمان» لإيناريتو. فضيلة التجاهل هوليوود وبرودواي

★★★★★

للفيلم عنوان فرعي قد يعبّر عنه أفضل من عنوانه الأساسي والمتداول، وهو «فضيلة التجاهل غير المتوقَّعة»، يُضاف إلى العنوان الذي بات يدلّ على إنجاز سينمائي هو «بيردمان»، بخلاف ما يمكن أن يوحي به، أي أفلام «السوبر هيرو» (باتمان وسبايدرمان ورفاقهما) المأخوذة عن كتب «الكومكس» والتي تسعى للترفيه بقدر ما تعتمد على الإبهار البصري بالمعنى التقني للكلمة. هنا، في «بيردمان»، نرى إبهاراً بصرياً إنّما بالمعنى الجمالي، وبالمعنى الفنّي فيما يتعلّق بالتصوير، «السينماتوغراف»، الذي جعل الفيلم يبدو كمشهد واحد وطويل.

نال الفيلم الذي أخرجه وشارك في كتابة السيناريو له وفي إنتاجه المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إيناريتو، جوائز حفل الأوسكار عن أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل نص كُتب للسينما وأفضل تصوير، وقد نال مدير التصوير، «السينماتوغرافر»، الجائزة ذاتها عن فيلم «جاذبيّة» العام الماضي. وهذه الجوائز الأربعة تُعد من بين الأفضل التي تمنحها الأكاديمية. أمّا ما يمكن أن يكون جديداً في منح الأكاديمية للفيلم جوائزَها الأهم فهو الاستقلالية النسبيّة للفيلم والتجريبيّة النسبيّة والحذرة فيه، وكذلك «أجنبيّة» مخرجه، وإن كان الفيلم أميركياً تماماً فيما عداه.

إذن بخلاف الشخصيّات الخارقة وأفلامها، يحكي «بيردمان» عن رجل يحوّطه البؤس من كافة الجهات، ريغان (مايكل كيتن)، الممثل الذي تعالى على أفلام «السوبر هيرو» الهوليوودية والتي اشتهر بفضل أحدها، «بيردمان» (الفيلم ضمن الفيلم موضوع المقالة)، وقرّر التوقّف عن تمثيل جزء جديد منه، فمرّ في مرحلة تصل لعشرين عاماً من تجاهل صنّاع الأفلام له، ثم أراد أن يستعيد بعض ما فقده من شهرة إنّما ليثبت لنفسه قبل الآخرين أنّه ممثل وأنّه دائماً فنان، وليس في أفلام «السوبر هيروز» التجارية، فكتب نصّ مسرحيّة وأخرجها واتّخذ دور البطولة فيها وهو الآن يحضّر لليلة الافتتاح على مسارح برودواي الشهيرة في نيويورك. لكن بؤسه الطاغي في الفيلم، الكوميدي بالقدر الذي هو فيه تراجيدي، يرافقه في مشروعه المسرحي المتواضع، ابنته (إيما ستون) التي هجرها وهي طفلة لانشغاله بأدوار «بيردمان» اتّخذها مساعدة شخصيّة له، ومحاميه منتجاً وحبيبته ممثلة. ممثلة غيرها في المسرحية (ناومي ووتس) تستدعي حبيبها السابق (إيدوارد نورتن) كممثل طارئ وبديل عن البطل الذي مات بحادثة. وخلال سير الفيلم تجتمع خيبات ريغان كحبيب مع شريكته وكأب مع ابنته وكمُخرج مع العاملين في مسرحيّته وكفنّان مع سيرته (تقول في وجهه ناقدة من «نيويورك تايمز» بأّنه، وحسب، أحد المشاهير وليس الممثلين، ثم بأنّها ستقتل مسرحيّته من دون أن تشاهدها)، تجتمع مع حوادث متفرّقة استدعاها النحس والبؤس المرافقين له.

في شيء منه، يذكّر «بيردمان»، بفيلم «ليلة الافتتاح» (١٩٧٧) الذي أخرجه وكتبه ومثّل فيه أحد أبرز روّاد السينما المستقلّة الأميركية جون كاسافيت، ففيلم الأخير يحكي كذلك عن ممثلة (جينا رولاندز) في أحد مسارح برودواي تهجس بفكرة ابتعادها عن الشهرة التي كانت لها واقترابها من العمر المتقدّم المرجّح لأن يكون عائقاً في عملها كممثلة مسرحيّة، وهي الأزمة الداخليّة ذاتها التي يعاني منها ريغان في «بيردمان» بعدما كهل وفقد مكانته الفنّية، محدّثاً نفسه بأنّه لم عد لائقاً لدور رجل خارق وأنّه صار أشبه بديك حبش مصاب باللوكيما.

الفيلم مليئ بالتقاطعات التي تزيد من تفرّده، منها أنّ ممثل دور ريغان، مايكل كيتن، قد مثّل دور «باتمان» في فيلميْن من إخراج معلّم الفانتازيا تيم بيرتن في ١٩٨٩ و ١٩٩٢، وأنّه مرّ بعدهما في مرحلة من التجاهل، لم يشارك في فيلم لاقى نجاحاً ملفتاً حتى «بيردمان»، فاختيار كيتن هنا (أي الكاستينغ) بدا كأنّه من صلب عمليّة التحضير للفيلم، أو كتابته في مرحلة باكرة. وفي لقطة أقرب لخلط بين كيتن الممثل في واقعه وبين ريغان الذي يمثّل دوره، يشير الأخير في الفيلم إلى شهرة جورج كلوني الواسعة مقابل تجاهل متفشٍّ له هو، وكلوني مثله (مثل كيتن في الواقع كما مثل ريغان في الفيلم) مثّل دور «باتمان» (أو «بيردمان»، بالحديث عن ريغان) في مرحلة سابقة. وهذه من مخاوف ريغان التي يهجس بها، كفاقد للشهرة التي كانت، وكذلك للقدرة على أن يكون ممثلاً يُرغب به، أو على الأقل لا يتم تجاهله.

وبالحديث عن «الكاستينغ»، فإضافة لكيتن الذي أدى دوره ببراعة، نذكر إيما ستون التي ألقت في وجه أبيها ريغان خطاباً تأنيبياً كان يثقل صدرها كما يبدو، في أحد مشاهد الفيلم الأكثر تأثيراً، ستون التي أجادت كذلك في فيلم وودي ألن الأخير «سحر في ضوء القمر». وكذلك إيدوارد نورتون الذي نراه اليوم في أحد أفضل أدواره، كممثل مسرحي معتد بنفسه ومحترف ومستفز، يتسبّب بتوقف أحد العروض بسبب خلل في عنصر الواقعيّة فيها، كأن يكون في كأسه ماء بدل الكحول في وقت يفترض أنه يشرب فيه الكحول على خشبة المسرح.

والتداخل بين العمل الفنّي والواقع لا يقتصر على السيناريو والكاستينغ في الفيلم، بل كذلك على المسرحيّة ذاتها التي يتم تمثيلها ضمن الفيلم، ففي مشهد يدخل ريغان إلى المسرح من باب الجمهور حيث المقاعد، بعدما علق في الخارج وكانت الطريقة الوحيدة للدخول، واضطرّ لذلك مرتدياً سرواله الداخلي فحسب. ثمّ في لقطة من النهايات يستخدم ريغان مسدّساً حقيقياً محاولاً الانتحار على الخشبة، ليفلت من الأزمة متعدّدة الجوانب التي يعيشها، أما ما ينتهي عليه الأمر، فهو ما أظنّه نقل سينمائي ممتاز للعنوان الفرعي للفيلم، «فضيلة التجاهل غير المتوقّعة»، فما لم يكن يتوقّعه ريغان، وهو المخالف تماماً لما خطّط له، (لبؤس حظّه أم لحسنه!) جعل من التجاهل فضيلة وصنعت منه مسرحياً استثنائياً مقحِماً الواقع في المسرح، بأقصى صوره، حسب إحدى المقالات النقديّة التي تناولت ليلة الافتتاح.

أما طريقة إيصال كل ذلك للمُشاهد، فكان بتصوير أقرب للواقعي، بدا الفيلم كأنّه لقطة واحدة وطويلة، دون قطع بين المَشاهد، الكاميرا تجول أمام ريغان وخلفه، إلى جانبه، تطير معه، ترى ما يراه، في جميعها، في ممرات كواليس المسرح وغرفه، وعلى رصيف برودواي المزدحم بأضواء النيون والمارّة، تدخل من باب وتخرج من آخر، بدا التصوير كوصلة واحدة، التُقطت بنفَس واحد، منزاحاً عن المفهوم التقليدي للتصوير السينمائي المعتمد على القطع بين المَشاهد.

أفلام سابقة للمخرج إيناريتو كـ «جميل» (٢٠١٠) و «بابل» (٢٠٠٦) و «٢١ غرام» (٢٠٠٣) لم تكن بعيدة عن التمهيد إلى نجاح يمكن القول بأنه شامل تحقّق في «بيردمان». بالحديث عن الإمتاع والجماليات، يمكن القول بأنه من أفضل أفلام العام، عدا عن كونه اخترق «البروتوكول الضمني» لشيوخ الأكاديمية المانحة لجوائز الأوسكار.

في القدس العربي

bir345234534

Advertisements
This entry was posted in: استعادة،سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s