فنون
اكتب تعليقُا

قراءة غير محدودة للكتب، الاشتراك الشهري بأمازون، وأخواتها

في أواخر العام الماضي طرحت شركة أمازون ما يمكن تعريفه بـ «نتفلكس الكتب»، وأسمت هذه النقلة «الدراماتيكيّة» في مفهوم القراءة والكتب بـ «Kindle Unlimited»، وهي باختصار عبارة عن مكتبة عامّة الكترونية يمكن للمستخدم عبر جهازه الوصول إلى كميّة ضخمة من الكتب، وهي متاحة بشكلها الحالي فقط في الولايات المتّحدة.

في فرنسا حيث الدولة تحمي الكتاب والمكتبات ودور النشر وحيث لا تزال القراءة الورقية أفضليّة غالبيّة الفرنسيين، ولا تزال المكتبات تزدحم بالناس كلّ ويك-إند وموظفوها مشغولون بالزبائن طوال أيام الأسبوع، بدأت الصحافة هنا تتناول هذه النقلة التي تسعى الشركة الأميركية لتعميمها عالمياً، تتناولها إنّما بعناوين كـ «خدمة أمازون غير المحدودة للكتب لا تتوافق والقانون الفرنسي»، كما نشرت مجلّة «لكسبرس».

نعرف أنّ شركات كـ «أمازون» و «نتفلكس» وغيرهما قد طرحت خدمة لمشاهدة عدد غير محدود من الأفلام والمسلسلات باشتراك شهري، ما سيؤثّر على طبيعة العلاقة بين المتلقّي وبين الفيلم وصالات السينما. الفكرة نفسها تمّ نقلها إلى الكتاب والمكتبات، ما قد يؤثّر كذلك على سلوك القراءة وطبيعة العلاقة بين القارئ وبين الكتاب والمكتبات، وذلك من خلال خدمات تقدّمها شركات رأسماليّة عملاقة تسعى أوّلاً وأخيراً للربح، شركات تفوق ميزانيّاتها ميزانيّات دول وأصحابها باتوا من الأكثر ثراءاً عالمياً.

وإن كانت خدمة «كندل» هذه مُقدّمة لقرّاء الانكليزية بشكل أساسي، وإن كان قرّاء العربية بعيدين عن هذا التهديد لسلوك وعادة القراءة لديهم (ربّما لأنّها عادة متواضعة وغير جديرة بالتهديد!) إلا أنّ الخطورة تكمن في تعميم الخدمة عالمياً، وهذا ما جعل تناول الصحافة الفرنسية للموضوع يأتي من ناحية حماية الكتاب الفرنسي، وصنّاعَه وقرّاءه.

خدمة «كندل غير المحدودة» (كندل هو اسم القارئ الالكتروني لأمازون) عبارة عن مكتبة عامّة، تتيح للمشترك وبقيمة ٩،٩٩ دولار شهرياً ٧٠٠،٠٠٠ كتاب الكتروني للقراءة وآلاف الكتب المسموعة من جميع الاختصاصات، وأكثر من ذلك، فالخدمة متاحة عبر حساب في موقع الشركة، متيحين أمكانية القراءة بجميع الأجهزة الممكنة، هواتف ذكيّة وأجهزة كمبيوتر وألواح رقمية إضافة إلى أجهزة القراءة الالكترونية، وبمنتجات جميع الشركات الكبرى وأنظمة التشغيل لديها.

في فرنسا، على «أمازون» أن تتوافق مع القانون الفرنسي فيما يتعلّق بهذه الخدمة، حسب وزير الثقافة في حوار له مع جريدة «لو فيغارو». ومسألة التوافق هذه ليست سهلة، ففي فرنسا قانون خاص لحماية الكتاب صدر عام ١٩٨٢ وينصّ على إلزام دور النشر بوضع سعر للكتاب على غلافه، وبالتالي التزام المكتبات ببيع الكتاب الجديد (غير المستعمل) بالسعر المطبوع عليه، ومسألة الاشتراك الشهري بمبلغ محدّد لإتاحة عدد ضخم من الكتب الفرنسية (٢٠،٠٠٠) لا يناسب هذا القانون. وقد لا يكون قانون حماية الكتاب متعارضاً تماماً مع صيغة الاشتراك، كون ما تتيحة أمازون لا يُعدّ شراء للكتاب الالكتروني بل استعارة له. هذه تعقيدات قانونية واقتصاديّة سيكون لدور النشر الحريصة على الربح دائماً كلمة أساسيّة فيها، فحسب المجلّة ستنال هذه الدور حصّة من الربح مع كل كتاب يتم تحميله تعادل سعر الكتاب.

لكن من هم المستهدفون من هذه الخدمة، من هم زبائنها؟ هم أساساً القرّاء، القرّاء اليوميّين لا الموسميّين أو قرّاء العطل الأسبوعيّة والصيفيّة، فلمَ يدفع هؤلاء الموسميّون ما يقارب ١٠ دولار شهرياً لقراءة صفحات أو فصول قصيرة من كتاب واحد، ثم ينتهي الكتاب بأشهر ومقابل عشرات الدولارات! بذلك يكون شراؤه ورقياً أو الكترونياً أفضل للقارئ.

أمّا بخصوص القارئ اليومي، فله علاقة قويّة مع الكتاب، الورقي أقصد، ومحبّ الكتب وقراءتها محبٌ كذلك (غالباً) للتجوال في المكتبات وشراء كتاب واقتنائه بعد تفحّص طويل بين الأرفف، ثم قراءته بالتصفّح، إمكانية رؤيته على طاولته ومسكه وتخصيص حيّز له، هذا ما أفهمه شخصياً من علاقة القارئ بالكتاب، لا كـ «فايل» رقميّ يمكن قراءته عبر تطبيق «كندل» من جهاز لوحي صباحاً ثم استكمال قراءته بهاتف ذكيّ مساءً.

وخدمة «كندل» تتيح عشرة كتب في المرّة الواحدة كحد أقصى، من أراد تحميل كتاب إضافي سيضطر لحذف آخر، وهي بالنهاية استئجار للكتاب، لا شراء، فلا يملك المشتركُ الكتابَ. بإلغاء الاشتراك ستُمحى كلّ الكتب من الجهاز، فلا يفكّر أحدنا بالاشتراك لشهر واحد وتمضيته بتحميل مئات الكتب، ثم يلغي الاشتراك ضامناً ما سيقرأه لسنين قادمة. الأمر أشبه بالاشتراك السنوي بالمكتبة العامة، لكن في فرنسا يكلّف الاشتراك السنوي ١٥ يورو إن لم يكن مجانياً لحالات معيّنة، وهو مبلغ سنويّ أقلّ من اشتراك شهرين في خدمة «كندل»، بل يتيح استعارة أكثر من عشرة كتب شهرياً، إضافة لأفلام وألبومات موسيقيّة، مع إمكانية التجديد. نضيف أنّ خدمة «كندل» التي تحرص على توفير كتب «البست سيلر»، لا توفّر بنسختها الفرنسية أي كتب لباتريك موديانو «نوبل للأدب ٢٠١٤» ولا لليدي سالفير «غونكور ٢٠١٤»، وإن توفّرت في متجر «أمازون».

أين نحن العرب من ذلك؟ ذكرت في البداية أن عادة القراءة لدينا متواضعة، وبالتالي لن تشكّل خدمة «كندل» الجديدة أي تهديد جدير بأن يتوقّف عنده وزير ثقافة عربي. إضافة لأسباب تتخطى القراءة كذلك إلى التكنولوجيا كندرة الكتب الالكترونية العربية واعتماد من يود من قرّاء العربيّة استخدامَ أجهزة لوحيّة، على كتب بصيغة «بي دي إف» متاحة بوفرة ومجانيّة على الإنترنت، وليس الكتاب الالكتروني (إي-بوك) المتاح لدى «أمازون». بذلك لا تشكّل خدمة «كندل غير المحدودة» تهديداً على كتبنا ودور نشرنا وعادات القراءة لدينا، وذلك لسوء حظّنا قبل أن يكون لحسنه.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s