فنون
اكتب تعليقُا

نتفلكس وزميلاتها. تواطؤ شركات كبرى وتغيير نمط المشاهدة

خلال الأشهر الأخيرة لم تبق تقريباً صحيفة أميركية إلا وخصّصت مقالات تتناول ما سيحدثه «نتفلكس» في تغيير في أنماط المشاهدة، و«نتفلكس» هذه، بمبلغ شهري، تتيح للمشتركين التجوال عبر تلفزيوناتهم بين آلاف البرامج والمسلسلات والأفلام ومشاهدتها متى أرادوا، الخيارات والأوقات مفتوحة، مع ما يرافق ذلك من حقيقة أن المشتركين باتوا يمضون وقتاً في التجوال والتقليب بين المعروضات وتفحّصها، وقتاً قد لا يقلّ عمّا يمضونه في المشاهدة ذاتها.

أمّا في الأيام الأخيرة، فقد بدأت الصحف تطرح إمكانية المشاهدة عبر موقع «أمازون» التي صرّح قبل أيام المخرج الأميركي وودي ألِن بأنه سيخرج مسلسلاً تلفزيونياً يُعرض حصراً على هذا الموقع، أمّا مجلّة «ذا نيويوركر» فنشرت بأنّها ستعرض سلسلة وثائقيّات حصريّة كذلك عبر «أمازون». وأخيراً، يَنشر موقع مجلة «تايم» الأميركية عنواناً كالتالي: «أين يمكنك مشاهدة الأفلام المرشّحة للأوسكار، من عندك». وتعرض روابط لعدّة تطبيقات ومواقع، من بينها هذه الـ«أمازون»، يمكن من خلالها مشاهدة أفلام حديثة وبكميّات لا تنتهي.

قبل ذلك بقليل أتاحت «يوتيوب» إمكانية استئجار أفلام من خلال موقعها، وكذلك «آيتيون» التابعة لشركة «أبّل» التي كان لها شرف استحداث الفكرة عبر جهاز «أبّل تيفي». صار بإمكان أحدنا الآن، وببطاقة الفيزا، مشاهدة كميات لا منتهية من الأفلام والبرامج، في بيته، على سريره ربّما أو غارقاً في كنبته، لا يلزم لذلك إلا تشغيل التلفزيون الذكي الممطوط كالعلكة والمعلّق، كالعلكة كذلك، على الحائط.

إن كان يملك أحدنا جهاز «أبّل تيفي» أو قد اشترك بـ «نتفلكس» فيستطيع التجوال في أي منهما دون كلل، وإن لم يكن مشتركاً فيمكنه الدخول إلى تطبيقات «آيتيون» أو «أمازون» أو «يوتيوب»، وربّما غيرها مما فاتني ذكره أو لم أعرف به، ويتجوّل دون رادع، ثم وبعدما يختار ما سيشاهده، تكون عدّة اختيارات عادة يُجري تصفيات بينها ليَخرج بفيلم أخير يقرّر مشاهدته، يكتشف أن الوقت قد تسرّب وأن لا إمكانية للمشاهدة الآن، فقد علق في زمن لا يسمح له بمشاهدة كاملة، ولن يسعه فيما تبقّى من الوقت غير استكمال التجوال الفضولي الفارغ. أخيراً، يترك ما اختاره جانباً ويعود لاحقاً، إمّا لمشاهدته وإمّا للتجوال ثانية وثالثة وعاشرة. وهذا سيناريو شاع مؤخراً، مرافقاً النمط الجديد في المشاهدة.

هو منطق نقيض تماما للمشاهدة السينمائية، في صالة مظلمة مع آخرين، غرباء، وشاشة واسعة لا تلوّثها الأرقام الفلكيّة لـ «لبكسلز» وجودة الصورة العالية جداً مما يشوّش على الكادْر، على اللقطة ومحتوى الصورة التي أراد مخرج الفيلم إيصاله. وهي مشاهدة تتطلب التكلّف بالذهاب إلى الفيلم، ما يضفي قيمة لفعل المشاهدة وللفيلم ذاته.

لا أستطيع أن أرى الانتقال المتفشّي في العالم إلى المشاهدة التلفزيونية المنزلية للأفلام، واستسهال الوصول إليها، ثم إيقاف الفيلم متى أراه المشاهد، أو إكماله في اليوم التالي حيث لا يجد وقتاً لذلك فينتهي الفيلم لديه حيث أوقفه. هذا نمط جديد في المشاهدة لا أستطيع أن أراه خارج سياق التواطؤ بين كبرى الشركات الالكترونية غير ذات الصلة بالسينما كأحد أشكال الفنون، إنّما وثيقة الصلة بحسابات البيع والربح والسطو على كل ما يمكن السوط عليه لإدراجه ضمن ما يمكن أن يدرّ الربح، وفقط الربح. شركات كالتي ذكرتها آنفاً، «أمازون» وزميلاتها، متواطئة مع شركات تصنع أجهزة المسرح المنزلي بعشرة مكبّرات للصوت موزّعة كالعناكب على حيطان الغرفة وزواياها والتلفزيونات الممطوطة التي لا تتوقف عن النمو عرضاً سنة بعد سنة، كـ «سوني» و«هيتاشي» وزملاء لهم. تواطؤ على دُور السينما، المكان، دور السينما وحسب وليس صناعة الفيلم، لأن السينما كصناعة تحتاج لتوزيع المنتَج/الفيلم، والتواطؤ المذكور يقدّم توزيعاً متفرّعاً وإضافياً، وقد يكون أكثر ربحيّة مع الوقت وربّما أساسياً، لصانع الفيلم ولمنتِجه. والحديث دائماً، وهنا كذلك، عن شركات عملاقة تنتج أفلاماً ولا تجد ضيراً في تغيير نمط المشاهدة إن كانت «نتفلكس» وزميلاتها توفّر لها مخرجاً مربحاً لمنتوجها.

تبقى صالات السينما وحيدة هنا، أبرز ما يميّزها الآن هو أسبقيّتها في عرض الجديد من الأفلام بالمقارنة مع ما يمكن مشاهدته تلفزيونياً، لكني لا أستبعد أن يأتي يوماً، قريباً جداً، تكون فيه العروض الأولى للأفلام عبر «آيتيون» أو أي من زميلاتها، بعيداً عن صالة السينما بكراسيها المخمليّة الحمراء وشاشتها البيضاء بجودتها المتواضعة بالمقارنة مع جديد التلفزيونات المعلّقة.

ليس هذا سوى مجال جديد تتحكّم فيه الشركات الرأسمالية متعدّدة القوميّات على أنماط الحياة لدى البشر، تطمس فيها عادات ثقافية في تناول منتوج ثقافي، تستولي عليه، تنزع عنه السمة الثقافية، وتعيده للمتلقي الذي صار مستهلِكاً أكثر منه متلقّياً، تعيده كمنتَج ربحي، يستقبله المُشاهد كذلك كمنتَج يُستهلك، كفيلم يشاهده متى أراد وكيفما أراد، فيلم يأتيه إلى غرفته، فيلم مُستعبَد بالـ ٤،٩٩ دولاراً التي دفعها كزبون. الفيلم الذي كان منتَجاً ثقافياً صار بذلك سلعة يمكن شراؤها بكبسات على الريموت كنترول، وغالباً ما لا يتمّ استهلاكها كما يجب.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s