سياسة
Comment 1

جريمة شارلي إبدو، المسؤوليات والنتائج والمحرّضات والحقوق

لنبدأ من أولى النتائج المباشرة للجريمة المرتكبة في مكاتب «شارلي إبدو». الجريدة الساخرة كانت قبل السابع من يناير تطبع ستين ألف نسخة أسبوعياً، أما عددها الأخير الذي صدر الأربعاء الماضي، وهو عددها الأوّل بعد الجريمة، وسيكون عددها الأوّل في مرحلة جديدة ستعيشها الجريدة، مرحلة من الانتشار والربح والشهرة لم تكن تحلم بها جريدة من الدرجة الثانية تعتمد الاستفزاز والمغالاة في «المساس» بالآخرين، دينياً وسياسياً، لفتاً للأنظار. هذه الجريدة طبعت خمس ملايين نسخة من عددها الأخير الذي تمت ترجمته إلى ست عشرة لغة موزّعة حول العالم تساعد في نشرها صحف عدّة خارج فرنسا.

الأزمة الأساسية للجريدة كانت في المبيعات، كانت بالتالي أزمة مالية. اليوم، مع دعوات الصحف الفرنسية الأساسية الأخرى على صفحاتها الأولى ليوم الأربعاء، دعوتها الناس للذهاب إلى الأكشاك لشراء «شارلي إبدو»، إضافة إلى الاشتراكات الحكومية والشعبية بالجريدة، فرنسياً وحتى عالمياً، ستُخرج الجريدة مكلّلة بالغار من أزمتها التي لازمتها. وستتموضع، مادياً، في مكانة أعلى من زميلاتها، هذا عدا عن المكانة الرمزيّة التي احتلّتها الجريدة، مكانة يكفي الاطلاع على وسائل الإعلام من صحف وتلفزيونات إضافة إلى مواقع التواصل، لإدراكها، مكانة قد تلخّصها حصول الجريدة على المواطنة الشرفيّة من قبل الدولة الفرنسية.

الحديث عمّا جنته الجريدة من الجريمة المريعة المرتكبة بحقّ صحافييها لا ينتهي، لكن كذلك الحديث عن الارتدادات المريعة على الإسلام كدين، وعلى المسلمين والعرب كفئات اجتماعية في أوروبا وعموم الغرب، وعلى القضايا التي تعيشها هذه الشعوب كالقضية الفلسطينية والثورات العربية، لا ينتهي. يكفي منها الاستغلال الإسرائيلي والصهيوني الفرنسي واليميني المتطرف في أوروبا، استغلالها جميعها للجريمة لتجيير الرأي العام العالمي ضد العرب كمجتمعات وقضايا. النتيجة، تفاقم الهوّة الثقافية بين مكوّنات المجتمع الفرنسي، وهو ما يصبّ في صالح التطرّفات، والحديث هنا عن عدّة جهات متطرّفة تسعى لتوسيع الهوّة، كلّ لدوافعه، أوّلها التطرّف الإسلامي في أوروبا والعالم، ثانيهما التطرّف اليميني المتصاعد حالياً في فرنسا كحزب «الجبهة الوطنية»، وثالثهما الصهيونية بطرفيْها، إسرائيل ولوبياتها في أوروبا.

هذه بعض النتائج الأوّلية للجريمة المذكورة، لكن هل يتوقّع أحدنا غير ذلك من التطرّف الإسلامي وجرائمه التي قد يجدها بعضنا غبيّة؟ أصرّ أولاً على أنّها ليست غبيّة، فنتائج ما حصل هو فعلاً ما تريده هذه الجماعات، على اعتبار تبنّي تنظيم «القاعدة في الجزيرة العربية» للجريمة. قلت قد يجدها أحدنا غبيّة لارتداداتها السلبية على المسلمين وقضاياهم وعلى أنّ ذلك، مثلاً، سيزيد من انتشار الرسوم التي يرونها مسيئة للنبي محمد. لكن من قال أن هؤلاء فعلاً مكترثون بقضايا العرب والمسلمين؟ متى فعلوا؟ ومن قال أنهم مكترثون حقيقةً برسومات عن النبي هنا وهناك؟ وأفعالهم أينما تواجدوا تحكي عنهم، عن إساءتهم الدائمة للمسلمين ولدينهم ولنبيّهم. والحديث هذا يشمل جميع أصحاب العقليات المتطرّفة إسلامياً، من «القاعدة» لـ «داعش» لأفراد وجماعات أخرى. الجريمة فعل ذكي لهذه التنظيمات، يخدمها بقدر ما يخدم التطرّفات المقابلة لها، بقدر ما يسيئ لقضايا الشعوب والمجتمعات التي خرج هؤلاء المجرمون من بينهم. فعلٌ يغذّى الاستقطابات التي تتغذى هذه التطرّفات عليها.

بالنسبة للشعوب، فالحديث هنا عن العرب حيث ينتمي الغالبية العظمى من المتطرّفين هؤلاء، أمّا عن المجتمعات، فقصدتها للحديث عن مرتكبي مجزرة «شارلي إبدو» تحديداً. هما مواطنان فرنسيان من أصول جزائرية، ولدا وكبرا في فرنسا، أي أنّهما «صناعة فرنسية» أكثر مما يمكن أن يكونا «صناعة إسلامية/عربيّة»، بمعنى أنّ الدولة الفرنسية التي ولد وكبر هؤلاء على أرضها، هي المسؤولة قبل أن يكون الدين الإسلامي الذي تطرّف الأخوان كواشي فيه حديثاً وتصرّفا على هذا الأساس حيث تدرّب أحدهما في معسكرات القاعدة في اليمن وكان الآخر معتقلاً في فرنسا لارتباطات متعلّقة بالإرهاب.

هل يبرئ ذلك الإسلام أو المجتمعات المسلمة من تصرّف هؤلاء المتطرّفين؟ أبداً، لأن أمثال هؤلاء كثر ممن نبتوا في المجتمعات العربية ومارسوا الإرهاب بحقّها، بالسلاح وحتى بالكلمة، ولأن النصوص الإسلامية المقدّسة منها وغير المقدّسة تحوي ما يمكن بسهولة تأويله لصالح سلوكيات هؤلاء. إنّما بالحديث تحديداً عن مجزرة باريس، فالمُلام أوّلاً هي الدولة الفرنسية لعلاقاتها القلقة والفوقية مع عموم المسلمين في بلدها، وإن حضرت استثناءات. فالإسلام عالميّ، والتطرّف عالميّ، ولا يمكن إرجاع أي سلوك للتطرّف الإسلامي، مهما وأينما كان، إلى سبب يكون أوّلياً دائماً، وهو المجتمعات المسلمة وما يخرج منها.

لكن، إضافة لمتلازمة الاستعمار التي تحكم كثيراً من السياسات والسلوكيّات الرسمية والمجتمعية في فرنسا تجاه من هم من أصول عربية ويعيشون في الضواحي، وهم مواطنون فرنسيون بالمناسبة، هنالك السياسات الفرنسية وعموم الغربية، حيث يتم الخلط كثيراً وإدخالها جميعها ببعضها، في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي سياسات علاقة القوي المستعمِر السابق بالضعيف المستَعمر السابق، هذه مسائل ما تزال مرتبطة في ذهنيّة كل من الفرنسي الرسميّ، والمواطن الفرنسي من أصول عربية، مواطن يشهد كذلك الظلم الواقع على إخوانه، في الدين أو القومية أو كليهما، في فلسطين وسوريا والعراق وغيرها.

ليست هذه إلا إشارات لتفاعل أسباب عدّة، خارجيّة وداخليهة، لجريمة باريس، جريمة تتحمّل أسبابها الدولة الفرنسية قبل غيرها، دولة تتسبّب بنفور مواطنين لها من الولاء لها ومن الاعتقاد بأسس الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء.

لذلك لا يصحّ ما ذهب إليه البعض في إرجاع الجريمة لسياسات الدولة الفرنسية تجاه قضايا العرب (وهي أفضل بكثير من غيرها) وماضيها الاستعماري وحسب، فهذه نظرة قاصرة وخارجية، كما لا يصحّ ما ذهب إليه البعض الآخر في إرجاع الجريمة للتطرف الإسلامي مبتدئاً بداعش ومنتهياً بالأخوان كواشي وحسب، هذه كذلك نظرة قاصرة وداخلية.

لكن، هل يبرّر ذلك الجريمة المرتكبة أو يتفهّمها؟ أبداً، فقط يعرض أسباباً تحتاج، هذه الأسباب، للفهم، للمراجعة، للنقد، كي لا يتكرّر عمل كارثي كهذا، كارثي أولاً على قضايا العرب والمسلمين، وثانياً على قيم الجمهورية الفرنسية، وهي قيم حق المواطنين على الدولة حمايتها، وكذلك على علمانيّة الدولة وعلى حريّة الرأي والكلمة والرسم التي تكفلها الدولة لمواطنيها.

لـ «شارلي إبدو» الحق والحرية في نشر ورسم ما تريد، ومن لم تعجبه ما تنشر الجريدة يمكن أن يعبّر عن ذلك رسماً وكتابة، أو بدعوى قضائية في أسوأ الأحوال. هذا ما لن يفهمه الإسلاميون المتطرّفون، وحتى الكثير من المسلمين المعتدلين ممن يبرّرون الجريمة. والنتيجة، الجريدة أول الكاسبين والمتطرّفون على أنواعهم ثانيهما. عموم العرب والمسلمين أول الخاسرين، أما القضايا العربية، فهذه نكسة أخرى لحقت بها.

في فصل المقال

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

1 Comment

  1. mhamad says

    عم مع الاحترام لك, اراكَ محامٍ بصالة les ami du la france,ala palaise du justice pinale deriere la port du neuf”المقصله” a paris عن الحق والحريه والقيم والعداله الفرنسيه, لكنك نسيت الاخوه الابديه بينهم. الفرنسيون شعب يحب كل ما يأتي بمزيدا من السعاده والضحك على الآخرين وحكوماتها تعشق جز رقاب الملونين خاصة العرب والسود والفلسطينيين, شارلي هي جريده صهيونيه بحته بتسوى فرنكين او شلنين, صارت ضحيه “كهاالاسرائيل الياحرام?” عدالاتهم/مساواتهم/حريتهم هي على الورق فقط لانها في الواقع العكس تماما عندما يتعلق الامر بنا وربما نحن اجل من يعلم

    Liked by 1 person

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s