سياسة
اكتب تعليقُا

الاعترافات البرلمانية الأوروبية بالدولة الفلسطينية وتأثيرها على المقاومة الشعبيّة

رمزيّة، هو التوصيف الأفضل لاعتراف برلمانات أوروبية بالدولة الفلسطينية، لكن ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الاعتراف الرّمزي بامتياز على مسيرة الكفاح الفلسطيني، كفاح شعب ضد احتلال هو الأطول في تاريخ الشعوب المعاصر؟

لحقَ البرلمان الفرنسي برلمانيْ كلاً من بريطانيا وإسبانيا في الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بعد اعتراف السويد بها، وغالباً ستلحقها جميعها برلمانات أوروبية أخرى، وفي مرحلة لاحقة قد تتبع حكومات هذه الدول قرارات برلماناتها وتعترف بالدولة الفلسطينية.

يعرف الغرب جيّداً أنّ الدولة الفلسطينية تأخّرت بقدر عمر دولة الاحتلال، فقرار التقسيم الذي تبنته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٧ نادى بدولتيْن، فلسطين وإسرائيل، يتم الاعتراف بكلتيْمها معاً، وهو التبرير المُعطى دولياً للاعتراف بدولة الاحتلال التي أعلنت «استقلالها/نكبتها» في حينه. فكانت دولة اسمها إسرائيل، وبقيت عالقة حتى يومنا الدولة الفلسطينية.

طوال تلك الفترة ترسّخت قوّة إسرائيل دولياً، وكذلك قوّة الفلسطينيين أممياً. الحكومات الغربية لأسباب مختلفة منها مصالحها ومنها جماعات الضغط اليهودية، كانت السند والمبرّر والحامي لإسرائيل في كل ما ارتكبته من فظاعات سياسياً وعسكرياً، في المقابل كانت الجماعات الناشطة من حقوقيين ويساريين ومدنيّين تؤيّد الكفاح الفلسطيني، من الثورة الفلسطينية في النصف الثاني من القرن الماضي إلى الانتفاضتيْن إلى الأساليب الأخيرة في المقاومة المدنيّة، وهذه الأخيرة فقط ما يمكن أن يأتي في سياقها أي ترجيح إيجابي لهذه الاعترافات.

لنترك جانباً محدودية الجدوى التنفيذية المباشرة المنتظرة من هذه البرلمانات، وهي جدوى ترتبط بالطبيعة الرمزيّة للاعترافات، بمداها الأخلاقي، لا السياسي، فالسياسة ملعب الأقوياء، ولطالما كانت إسرائيل الطرف القوي هنا، محميّاً بدول تبدأ بالولايات المتّحدة وتنتهي بجزر تظهر فجأة كدول بأسماء غريبة وتصوّت في الأمم المتحدة لما في صالح دولة الاحتلال.

الاستمرارية الطبيعية لكفاح الشعب الفلسطيني في ثورته وانتفاضتيْه هي المقاومة المدنيّة الشعبيّة، إلى جانب أساليب أخرى تُفرض على الفلسطينيين في الضفّة وغزّة تحديداً، كالمقاومة المسلّحة بشتّى أشكالها، حتّى بشكلها الذي كثر مؤخراً كالعمليات الفردية من الدهس إلى الطعن. لكن بالحديث عن حركات التضامن الدولية مع كفاح الفلسطينيين، سينحصر حديثنا في أساليب الكفاح المدنيّة، وذلك لاعتبارات تخصّ تلك الحركات، والاعتراف الأوروبي برلمانياً بالدولة الفلسطينية سيعزّز حتماً هذه الحركات وسينعكس ذلك على أساليب الكفاح التي سيركّز عليها الفلسطينيون في المرحلة المقبلة، ما لم تقف الدولة الفلسطينية ذاتها عقبة لذلك.

معروف أن للبرلمانات وظيفة تشريعيّة، وللحكومات وظيفة تنفيذية، لكن ليس كل ما تشرّع به البرلمانات يتنهي بتنفيذه حكومياً، وهذا يصبّ كذلك في توصيف الرمزيّة الراهنة لهذه الاعترافات، فالبرلمانات تعبّر في النهاية عن اتجاهات الشعوب، بخلاف الحكومات التي، يمينية كانت أم يسارية أم ائتلافية، لا تكنّ لها الشعوب أي ود إلا لاعتبارات حزبيّة إن تواجد، وهو الحال في كل من فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، وهي حكومات، بغض النظر عن الحزب المترئّس لها، تخضع لسياسة خارجية واحدة بهامش ضئيل لا يتّسع لمسألة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أي أن السياسة المؤيّدة لإسرائيل عموماً هي واحدة لدى حكومات هذه الدول على اختلافها، وهذا مجدّداً، يحصر اعترافات برلماناتها ضمن توصيف الرمزيّة إيّاه.

لكنها ليست اعترافات دون جدوى، إنّما تكمن جدواها في ما تحتاجه مقاومة الفلسطينيين الشعبية من تأييد أممي أكثر تنظيماً وأبعد مما هو عليه، أفقياً شاملاً المزيد من الجمعيّات والمؤسسات الحقوقية المتضامنة والأفراد، وعمودياً شاملاً أحزاباً وبرلمانيين وسياسيين يؤيدون الحق الفلسطيني أو على الأقل يبغضون تغطرس إسرائيل، هؤلاء وأولئك معاً سيجدون في اعترافات برلمانات بلادهم رافداً أساسياً لتحرّكاتهم ودعماً أخلاقياً لكفاح الفلسطينيين. وهو ما تحتاجه المقاومة الشعبية الفلسطينية اليوم.

باعتراف هذه البرلمانات، ولحاق برلمانات أخرى بها، سيزيد توسّع المقاطعة الثقافية والأكاديمية للمؤسسات الإسرائيلية ولدولة الاحتلال، وكذلك المقاطعة الاقتصادية بما فيها الفردية لمنتجات الاحتلال في الأسواق الغربية عموماً. سفن كسر الحصار ستكثر وقد تنجح في فتح معبر بحري يصل غزّة المُحاصرَة إسرائيلياً ومصرياً، بالعالم. المظاهرات التضامنيّة ستجد عناوين فلسطينية عدّة تخرج بها إلى الشوارع تُبارك، ومُباركة بـ، اعتراف البرلمان بحق الفلسطينيين بدولة مستقلّة، وعلى الجانب الآخر سيجد الفلسطينيون في هذا الدعم الأممي الشعبي والحقوقي والبرلماني محفّزاً للاستمرار في المقاومة الشعبية كالتي تجسّدت في القدس والأراضي المحتلّة عام ٤٨ في الفترة الأخيرة.

لكن في الفترة الأخيرة كذلك أظهرت المقاومة الفلسطينية بشكلها المسلّح تطوّراً نوعياً في أدوات هذا الشكل، وهنالك ترجيح بأن الاعتراف البرلماني بالدولة وما سيترتّب على ذلك من التزامات على هذه الدولة، أنّها ستقوّض هذا الشكل من المقاومة. هذا الأرجح، لكن الفلسطينيين لا يلجؤون للمقاومة المسلّحة إلا كمحاولات ردع، كرد على اعتداءات إسرائيلية تبادر في التصعيد، باغتيال وقصف وغيره من أساليب الاعتداءات الإسرائيلية التي ابتدأت بها حروبها على غزّة في السنوات الأخيرة. وبالنظر إلى الدمار البشري والعمراني الذي تسبّبه حروب الاحتلال وما يردّ به الفلسطينيون على ذلك من مقاومة مسلّحة، فالفلسطيني، إن قُيّض له أن يختار، سينحاز للأشكال الشعبية والمدنية للمقاومة، وهي ما تأتي الاعترافات بالدولة الفلسطينية في سياق تطوّرها.

ليست المقاومة الشعبية والمدنية بديلاً عن المسلّحة، ولا هذه عن تلك، إنما متكاملان، والشعب وحده من يختار أيّهما الأنجع، ومتى وكيف وأين. وإن تواجد أي دعم أممي لأي منهما، هو بشكله العام دعم لمجمل الكفاح الفلسطيني. وإن كانت المقاومة بشكلها الشعبي هي الأجدى، ستكون اعترافات برلمانات العالم داعماً تشريعياً وشعبياً أساسياً لها. تبقى هنالك مسألة واحدة عالقة، وهي فلسطينية بامتياز، تخصّ وظيفة الدولة الفلسطينية المُعترف بها في قمع متوقّع للمقاومة الشعبية للفلسطينيين.

في الدوحة الثقافية

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s