أدب
اكتب تعليقُا

بوعلام صنصال بين الصهاينة مجدداً، وكلمة شكر في حفل عشاء

يبدو أن زيارة الكاتب الجزائري المتفرنس بوعلام صنصال إلى إسرائيل في صيف ٢٠١٢ قد أثّرت به فعلاً، وأنه فعلاً رجع منها «غنياً وسعيداً» كما صرّح في حينه. فمنذ ذلك التاريخ، بل وقبله، حتى يومنا هذا يزداد الاحتلال قبحاً، في ممارساته المعهودة على أنواعها، في غزّة والضفّة والقدس والـ ٤٨، انفلت في تقبيحها تحديداً خلال السنة الأخيرة، لكن منذ ذلك التاريخ كذلك، بل وقبله، ازداد صنصال «غنى وسعادة» بفعل الاحتلال، بفعل قبح هذا الاحتلال.

اللبوبي الصهيوني في فرنسا يُعدّ من أشرس اللوبيات الصهيونية في العالم، وأكثرها تأثيراً حتى على الدولة الإسرائيلية، وحين يُقال اللوبي الصهيوني في فرنسا فيُقصد حصراً منظمة CRIF، وهي المجلس التمثيلي للجمعيات اليهودية في فرنسا. لهذه المنظمة موقعاً الكترونيا نشرت فيه يوم ١٦ من هذا الشهر كلمة بوعلام صنصال في حفل عشاء نظمته CRIF في الشهر ذاته في أورليان جنوب غرب باريس.

قبل المرور على هذه الكلمة، من الجيّد الإشارة إلى سير تطوّر «غنى وسعادة» صنصال بإسرائيل خلال السنوات الأخيرة. في ٢٠٠٨ شارك في معرض «باريس الدولي للكتاب» الذي شاركت فيه إسرائيل كضيف شرف لمرور ستين عاماً على ما تسميه هي «استقلالها»، أي نكبة الفلسطينيين، مبرراً ذلك بأنه يمارس الأدب لا الحرب، محوّلا أولاً مسألتيْ الاحتلال ومقاومته إلى حرب يتّخذ هو فيها الطرف المحايد (ستتضح لاحقاً انحيازاته)، ومجرِّداً ثانياً الأدبَ عن التزاماته الأخلاقية والإنسانية فيكون رديفاً للظلم، ثم يزيد قائلاً بأنه لا يرى سبباً في مقاطعتهم.

في أيار ٢٠١٢ شارك في «مهرجان الكتّاب العالمي» الذي نظمته مؤسسة «مشكانوت شأنانيم» في القدس، وقد أتت مجدّداً في ذكرى احتفال إسرائيل بيومها، وإحياء الفلسطينيين لذكرى نكبتهم، وذلك رغم بيانات أصدرها كل من «الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين» و«الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل» تدعوه فيها لعدم التوجّه إلى دولة الاحتلال، النتيجة أنه ذهب وعاد أكثر «غنى وسعادة» كما أصرّ، دون أن يفوّت عليه وقوفه أمام الحائط مرتدياً الكيبا اليهودية على رأسه كما ظهر في تقرير تلفزيوني فرنسي، ثم يصرّح: «لدى الإسرائيليين كل الأسباب في العالم ليفخروا بما أنجزوه في بلدهم في هذه المدّة القصيرة». ثم، في العام ذاته، تنشر صحيفة «يديعوت أحرنوت» أن وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، الأشد قبحاً في تطرّفه، طالب في اجتماع في مقر الاتحاد الأوروبي، وزيرَ الخارجية الفرنسي لوران فابيوس بأن تقوم الحكومة الفرنسية بدعم صنصال في فرنسا وإدانة المقاطعة العربية المفروضة عليه، ليعلّق صنصال بأنّه «تأثّر بدعم ليبرمان».

في يونيو ٢٠١٣ نال من CRIF ذاتها (في مارسيليا) ميدالية الشرف، وألقى كلمة شكر فيها ما فيها. وفي ديسمبر من العام ذاته نال جائزة «حقوق الإنسان» من منظمة «B’nai B’rith» الفرنسية الصهيونية كذلك.

كانت هذه إشارت لسير العلاقة بين صنصال والصهيونية ممثَّلة بدولة الاحتلال وبالمنظمات الصهيونية الفرنسية، مبعث الغنى والسعادة لديه. إشارات تساعد على فهم مضمون الكلمة التي ألقاها هذا الشهر أمام أصدقائه في اللوبي الصهيوني في فرنسا، وقد بدأت كالتالي: «السيد رئيس الكريف، المدعوون الكرام، سيداتي سادتي، أصدقائي الأعزاء، العزيزة إليان كلين (مندوبة الكريف في إقليم المركز في فرنسا). لا أعرف كيف أشكركم على تشريفكم لي بالدعوة لحفل العشاء، أقول لكم ببساطة، شكرا (بأحرف كبيرة)، لكن اعلموا أن الكلمة تزخر بكل معاني الصداقة والاحترام والإعجاب الذي أكنه لكم ولنضالكم». وانتقل فوراً لما يود هؤلاء سماعه: «الإسلامية (l’Islamisme) ربحت اللعبة، والكره تجاه الآخر مجسَّداً تماماً بالحقد على اليهود، ينفجر في العالم»، ثم يؤكّد بأن اللاساميّة تنتشر في أوروبا كما في السابق، وأنّها صارت «هذياناً» في فرنسا، وأنّها «تحلم بصوت عالٍ بهولوكوست جديدة، ولعلّ الإسلاميّة في أوروبا تتفرّع من اللاسامية هذه» مشيراً إلى «خطط كونيّة مروّعة» ضدّ باليهود.

بعدها يعرّج على الثورات العربية قائلاً بأنها أفضت «بشكل هزلي إلى حكم الإسلاميين، وأخيراً إلى المتسوّلين وإلى داعش»، لكن ما «يقلق» صنصال أكثر من «وحشيّة هذه الأمراض»، هو أنه «من ناحية، الإسلامية واللاساميّة يزدادان عدائيّة وإبداعاً في ذلك، ومن ناحية أخرى هنالك نحن، يشلّنا الخوف، ودولتنا (فرنسا) خجولة جداً، كي لا أقول جبانة أو ما هو أسوأ».

يتآلف أكثر مع أصدقائه الحضور معبّراً عن رغبته في «أن أشاركم بعض أسباب غضبي»، هنا يبدأ بالحديث عن انزعاجه من محاربة الغرب لداعش قائلاً أن هذه مهمّة العرب هناك، مستفيضاً أنّه في حربيْ «٦٧ و٧٣ كما أذكر، توحّدت الدول العربية لمحاصرة إسرائيل والهجوم عليها، وبأدوات هائلة، وبالشجاعة التي نعرفها، (أي هو والصهاينة معه)، فلماذا لا يقومون بذلك الآن طالما أن وجود هذه الدول مهدّد؟ ما الذي تفعله جيوشهم، لمَ لا يهجمون على داعش؟» ينهي صنصال كلمته بالقول أن «الإسلامية المحيطة بنا والتي تُسكننا في هذا الخوف، أنّها تزداد تطرّفاً» وأنّه علينا للخروج من «ابتزازها» «شنّ حرب شاملة ودقيقة ولا هوادة فيها».

بعد كلّ ذلك، يمكن القول أن صنصال وصل إلى مرحلة أن لا يُلام في شيء. أمّا الجدير باللوم الآن فهي أي جهة فلسطينية وعربية ستعتبره على الأقل محايداً وتدعوه لفعل أي شيء، للمقاطعة مثلاً. الأجدر أن تتم مقاطعته هو لا أن تتم دعوته للمقاطعة، مقاطعته كما تُقاطع أي مؤسسات وأفراد صهاينة أو أي مهرجانات ومناسبات تحتفي بمؤسسات وأفراد صهاينة.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: أدب

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s