فنون
اكتب تعليقُا

صَنعة اسمها ملصق الفيلم على غلاف الكتاب. وسطوة السينما

قد تنحصر لدى الكثيرين علاقة الفيلم بالكتاب ضمن الأفلام المأخوذة عن الأدب أو الكتب المتعلّقة بالسينما. في الأولى يأخذ الفيلم مادته من الكتاب وفي الثانية يأخذ الكتاب مادته من الفيلم. وهي علاقة تلقائية تنشأ لدى أي من الطرفين بشكل فردي، يخص كتاباً أو فيلماً بعينه، دون أن تصل هذه العلاقة لتكون صناعة تتخطى الاختيارات الفردية للمخرج أو المؤلف.

يصدر بداية الكتاب، عادة يكون رواية، بغلاف وتصميم خاص به، بعد سنة قد نجد فيلماً مأخوذاً عنه، بملصق يخصّ الفيلم مع وجوه نجومه. وفي وقت قد لا يشير ملصق الفيلم فيه إلى الرواية، سنجد الرواية ذاتها قد أُعيدت طباعتها لتصدر بغلاف هو ذاته ملصق الفيلم.

تحتلّ وجوه النجوم أغلفة الكتب وتبتلع اسم المؤلّف وحتى العنوان، والمارّ من أمام الكتاب على أرفف المكتبات سيعرف غالباً أنه الكتاب المأخوذ عنه فيلم ما، دون أن يتكلّف عناء قراءة اسم المؤلف أو عنوان الكتاب الذي قد لا يحمل اسم الفيلم. فإن شاهد هذا المارّ الفيلمَ مسبقاً فلا حاجة لاقتناء الكتاب، وإن لم يشاهده فسينطبع في ذهنه أن الكتاب الأدبيّ، ولأسباب تجارية، اختار الاتكاء على ملصق الفيلم وصور نجومه ليزيد من مبيعاته، ما يشير، ضمناً، إلى نقص في القيمة الأدبيّة، فيحول ذلك دون اقتنائه. وإن كان لا بدّ من أمر، فيشاهد الفيلم، لا يقرأ الكتاب، ذلك أن المشاهدة وما تحمله من ترفيه لا يضطر لتجاوز الساعتيْن، ستبقى أكثر قبولاً للكثيرين من قراءة كتاب يتطلّب جهداً يمتدّ لأيام وأسابيع.

والحال، ليس مرداتو المكتبات من النوع الذي تشدّه صورُ النجوم على أغلفة الكتب، أو ملصقات الأفلام، بل، غالباً، أسماءُ مخرجي الأفلام في اختياراتم السينمائية. وهؤلاء لن يقيموا اعتباراً لترويج الكتاب على أنه منقول إلى السينما. أما مرتادو السينما المرتادين للمكتبة، فلن يبحثوا عن وجوه النجوم بل عن أسماء مؤلّفين ومعايير أدبية للكتب، لا اتكاء لها على الأفلام.

تحوي المكتبة والسينما العديد من الأمثلة على أفلام أُخذت من كتب أو كتب نُقلت إلى أفلام، وفي وقت قد لا يشير ملصق الفيلم إلى الكتاب، فالكتاب، حالما يُنقل إلى السينما، سيُطبع على غلافه بشريط أحمر عريض وخط أبيض لمزيد من التباين في الألوان، أنه نُقل إلى السينما، أو أنه الذي استوحى الفيلم قصّته منه، يُضاف الشريط إلى ملصق الفيلم الذي صار غلافاً. مثال على ذلك هو الكتاب/الفيلم الفرنسي «سامبا».

حضرتُ الفيلم يوم بدأت عروضه. بعد يوم وضمن مروري المتكرّر على مكتبة في المدينة، لفت انتباهي ملصق الفيلم نفسه على كتاب بالعنوان ذاته. سأعرف لاحقاً أن تغييراً «فنّياً» لحق العنوان على الغلاف الجديد للكتاب، ففي طبعة سابقة كان «سامبا من أجل فرنسا»، ليتّخذ الكتاب اسم الفيلم «سامبا» على غلافه بالحجم ذاته على الملصق، أما «من أجل فرنسا» فتقلّصت إلى أسفل، ليتعدّل عنوان الكتاب موحياً باسم الفيلم، «سامبا»، وحسب.

تكمن الصناعة هنا في أن يُطرح في آن، في اليوم ذاته ربّما، الفيلم في الصالات والكتاب بملصق الفيلم على غلافه في المكتبات، وهذا يتطلّب تنسيقاً يفوق التجاري والدعائي إلى الصناعي، بين القائمين على الفيلم والقائمين على الكتاب، وبصورة أعمّ بين السينما والمكتبة. هي علاقة يكسب فيها الفيلم ويخسر الكتاب.

في وقت تستفيد فيه المكتبة من السينما في الترويج لكتبها، فإن الكتاب كنص أدبي هو الخاسر، لأن حاضنته، المكتبة، اختارت الترويج له كظلّ لفيلم استعار منه حبكته.

في العربي الجديد

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s