سينما
اكتب تعليقُا

نسرين فاعور: لا بدّ من تحديد ما هو «التطبيع» فلا تطال «مكافحته» السينما الفلسطينية.. حوار

استطاعت الأفلام الفلسطينية أن توجِد لنفسها مكانة في السينما العربية، نستطيع القول أنها مكانة متقدّمة نسبياً من الناحية الفنيّة وكذلك الدرامية. يمكن إرجاع ذلك لعدّة عوامل سيكون من بينها حتماً الظرف السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الفلسطينيون، وللغنى الذي يمكن أن تقدّمه القضيّة بما تكتنفه من موضوعات، لأي عمل فنّي أدباً كان أم سينما.

وبالتخصيص أكثر فيما يخص هذه الموضوعات، يمكن الحديث عن التضييقات التي تتسبّب بمحاصرة الفلسطينيين في الأرض المحتلة عام ٤٨ من فلسطين، وهي أرض يمكن اعتبارها مركزاً سينمائياً وثقافياً بالمجمل فيما يخص مجمل النتاج الفلسطيني، لكميّة ونوعيّة ما ينتجه فلسطينيو الـ ٤٨ ولما «يتميّزون» به عن غيرهم من حصار مضاعف، إسرائيلي من جهة كونهم «أقليّة» صاحبة الأرض والتراث في دولة إسرائيل، وعربي من جهة كونهم يحملون جوازات سفر إسرائيلية. وهنالك، تاريخياً، دائما ما يربط بين الحصار والقمع وبين الإبداع.

المثال الأخير على التضييقات المذكورة خصّ فيلم «فيلا توما» ومهرجان الاسكندرية، الفيلم من إخراج سهى عرّاف وبطولة نسرين فاعور. تُعدّ فاعور من أبرز الممثلات الفلسطينيات، فإضافة للسينما، لها تجارب عدّة في المسرح والتلفزيون إلا أنها كانت بطابع محلّي حال التضييق المذكور بينها وبين انتشارها عربيّاً، أما فيلم «أمريكا» لشيرين دعيبس، الذي قامت فاعور بدور البطولة فيه ونالت عنه في مهرجان دبي السينمائي جائزة المهر العربي للأفلام الروائية عام ٢٠١٠ كأفضل ممثلة، فتخطى التضييقات لكونه فيلم مصنّف كأمريكي وليس فلسطينياً.

في حوار أجريناه مع نسرين فاعور، ابنة قرية ترشيحا في الجليل شمال فلسطين، سألناها عمّا حصل مع فيلم «فيلا توما» في مهرجان الاسكندرية مؤخّراً، أخبرتنا أنه تم الإعلان عن أنّ الفيلم سيُعرض في حفل الافتتاح لكن ذلك لم يتم لأسباب منها تقنية ومنها الهجمة الإعلامية التي سبقت المهرجان والتي حثّت إدارته على منع عرض الفيلم ضمن محاولة لأسرلة الفيلم وإدراجه كإسرائيلي وبالتالي منعه متذرّعين «بمكافحة التطبيع»، وكان لهم ذلك. فلم يعرض الفيلم لا في يوم الافتتاح ولا في باقي أيام المهرجان بحجّة أن نسخ الفيلم لم تصل من الجمارك المصرية وأن النسخة التي قدّمتها المخرجة لم تكن صالحة للعرض. تضيف فاعور أن الفيلم لاقى نوعاً آخر من الهجمة الإعلامية لكن مصدره هذه المرة كان إسرائيلياً، وذلك لإصرار المخرجة على الهوية الفلسطينية للفيلم وتصنيفه على هذا الأساس.

تعتقد فاعور أن ما حصل في الاسكندرية يعكس بالضبط واقع فلسطينيي الـ ٤٨، فنظرة العالم العربي لهم تقمع هويتهم وانتماءهم للغتهم ووطنيتهم وبالتالي تعيق قدرتهم على تحقيق ذاتهم كفلسطينيين داخل دولة الاحتلال، وهذا فهم خاطئ لكثير من العرب المنفصلين كلّياً من ناحية الوعي الثقافي والإنساني العام عمّا مرّ ويمرّ به فلسطينو الـ ٤٨، وهو ما يتطلّب مجهوداً من الجميع لفحصٍ عميق وأبعد من التسميات السطحية لمفاهيم وقوانين تقبع تحت خانة التطبيع، ولتحديد ما هو «التطبيع» فلا يتسبّب في تضييق مضاعف على الفلسطينيين هناك.

وعن التمويل الإسرائيلي لكثير من الأفلام الفلسطينية، وهي مسألة إشكالية، تقول فاعور أنها تتمنى لو يكون هنالك بديل عربي أو غربي فلا يضطر صنّاع الأفلام الفلسطينيون للاستفادة من حقهم كمواطنين في دولّة تحتل أرضهم، فكل القوانين تجري على الفلسطينيين هناك، وهم دافعو ضرائب كذلك، وهم في المقابل يريدون أن يحكوا قضاياهم، ليس الأمر عبثياً لكنه الواقع. وما هو أدهى من ذلك أن الفلسطيني داخل دولة إسرائيل، الذي لاقى ويلات الترحيل والتهجير والاحتلال والقمع سياسياً وثقافياً وحياتياً، أنه مجبر على تحمّل مسؤولية وجوده في هذه المنظومة وأن يتحمّل كل المزاودة على وطنيّته ويتلقى التسميات المختلفة، مُجبراً على الاستمرار في إثبات الولاء الدائم لوطنيته وعروبته.

عن نظرتها إلى السينما الفلسطينية في سياق مجمل السينما العربية، قالت أن الظروف التي مر بها المبدع الفلسطيني في كافة المجالات، كانت وما تزال خاضعة للمجريات والأحداث في الوطن ككل، والأحداث في فلسطين لم تلق الاستقرار المطلوب للإنتاج الأكبر والأوسع، لكنه في الوقت ذاته ميّز الأعمال الفلسطينية بمواضيعها الإنسانية والحياتية وهو ما ساعد على إبراز العديد من المبدعين، فالصراع يخلق الفن وقضيتنا كانت كافية لميلاد مبدعين متميزين عربياً وحتى عالمياً، وما نشهده اليوم هو عمق القضية الإنسانية المطروحة في السينما الفلسطينية. لكن في النهاية تبقى لمحدودية الإمكانيات والميزانيات تأثيراتها.

تقدّمَ المضمون السياسي على المقاربة الفنيّة سينمائياً في بعض الأفلام الفلسطينية، تؤكد فاعور على ذلك، لكنّها من ناحية ثانية تقول أن ما يُقدّم الآن من قبل العديد من العاملين في السينما الفلسطينية هو تسليط للضوء على الإنسان القابع في ظل هذه الظروف، كتعزيز من مكانة الإنسان في ظروف كهذه، وهذا ما يحاول الفنانون الفلسطينيون طرحه، خارج إطار النمطيّات المألوفة للفلسطيني الذي قُدّم ضمن شكل مقوْلَب في شخصية محدودة. فلا شك، تضيف فاعور، أن القضية الفلسطينية هي قضية العالم العربي أجمع، فما كان متوقّعاً من المبدع الفلسطيني هو فحسب طرح القضية تحت شعارات النضال والجهاد والاحتلال والجدار والشهيد والأسير، لكن القضية لا تفقد من قيمتها إن تحدّثنا عن كل ذلك بخلفية إنسانية وبأحداث بسيطة تحاكي أي إنسان في هذا العالم.

وفي السياق ذاته، سألناها إن كانت ترى أن الجوائز والالتفاتات العربية والعالمية لأفلام فلسطينية، أنها تُنال لأسباب سياسية تضامنيّة بعيداً عن فنيّة العمل، وأنه قد يكون تكريماً للقضية السياسية التي ينقلها الفيلم، وحسب. قالت بعد أن لفتت إلى ضرورة عدم التعميم بكل الأحوال، أن هنالك تعاطفاً واضحاً تجاه ما يمرّ به الفلسطينيون، لكن الخطورة تكمن في أن يتاجر أحدهم بقضيته على حساب المعايير الفنيّة، وحين تُكرّم أعمال كهذه يصبح التكريم بمثابة تهليل لما هو رديئ ولا يخدم إلا الشخص نفسه، صاحب العمل، فيتم الترويج هنا لأشخاص وليس لعدالة القضية وإنسانيتها.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s