سينما
اكتب تعليقُا

ديان في علاقة متأزمة مع ابنها كأم ومع نفسها كامرأة. «أمي»، جائزة لجنة التحكيم في كان

كان المخرج ملفتاً في الكلمة العفويّة والعاطفية التي ألقاها حين نال فيلمه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي هذا الصيف، وكذلك كان الفيلم، «Mommy» (أمي)، بموضوعه وأسلوبه. هو الفيلم الخامس للمخرج الكندي إكزافيير دولان (٢٥ عاماً)، الذي اختير كذلك كأفضل فيلم أجنبي ممثلاً كندا في حفل جوائز الأوسكار الأخير. شكّل فيلم «أمي» لدولان مرحلة جديدة ومبكّرة مهنياً، ستجعله مخرجاً أكثر منه ممثلاً، لتجاربه التمثيلية العديدة، وذلك بعد فيلمه الأول ( ٢٠٠٩) بموضوعه المناقض ظاهرياً لفيلم «أمي»، وهو «J’Ai Tué Ma Mère» (قتلت أمي).

يروي فيلم «أمي» (١٣٤ دقيقة) قصّة أم وابنها في إقليم الكيبيك في كندا، حيث يتكلّمون الفرنسية بلكنة ثقيلة ما استلزم إرفاقه بترجمة للفرنسية في الصالات السينمائية في فرنسا حيث بدأت عروض الفيلم قبل أيام.

تتجه الأم ديان (آن دورفال) بسيارتها إلى مركز لرعاية الحالات الخاصة حيث يمكث ابنها، وذلك لتسلّمه بعدما تسبّب في اندلاع حريق هناك. تتعرض لحادث خفيف أثناء ذلك، لا يصيبها بجروح إنما يكفي لتهيئتها لما ستكون عليه حياتها مع ابنها المصاب بـ ADHD، وهو اضطراب عقلي يصاب به الأطفال وقد يلازمهم لمرحلة المراهقة، فابنها ستيف (أنطوان أوليفيير بيلون) يفقد تركيزه والسيطرة على سلوكه بسرعة كما يتصرّف بعدوانية ومزاجية حادة تتردّد عليه كنوبات. تستلم الأم ابنها بمشاكل له مع الحرّاس، ثم معها، يعِدها مراراً بأن يحترمها ويتحكّم بتصرّفاته، سرعان ما يغضب ويحاول الاعتداء عليها فتحتمي خلف الباب في غرفة، تستمر الأيام التي يمضيانها معاً طوال الفيلم على هذا المنوال دون أن نلحظ تغيّراً إيجابياً في سلوكه. يتعرّفان على جارتهما كيلا (سوزان كليمان)، وهي مدرّسة تعاني من صعوبة في الكلام لحادثة تعرّصت لها، ستضطر كيلا بصعوبة للتعامل مع ستيف في وقت تطلب منها أمه ملازمته أثناء غيابها للعمل، حيث تضطر للعمل في تنظيف البيوت، ستتعرض كيلا لما يمكن اعتاره تحرّشاً جنسياً إن لم نأخذ الاضطراب العقلي لستيف بعين الاعتبار، ستصبح لاحقاً صديقة له ولأمه، صديقتهما الوحيدة، تستمر الأيام والعلاقة بتوتّراتها وعراكاتها وضحكاتها بين الأم وابنها، وبينهما وبين شريكتهم في ذلك، كيلا، إلى أن تتخذ الأم قراراً سيغيّر في بعض الأمور.

ومن اللقطات الأولى، من الحادث، سنكوّن فكرة عن شخصيّة الأم ديان، ستتطوّر الفكرة مع تقدّم الفيلم، امرأة في الخمسينيات من عمرها، توفّى زوجها حديثاً، عزباء، صريحة لدرجة تصل الوقاحة أحياناً، ساخرة، شخصيتها قوية بما يكفي لتصمد مع ابنها. لباسها ملفت، جينز عليه نقوش وألوان، وممزق، قمصان أقرب لما ترتديه المراهقات. جذّابة، عفوية، مستقلة، هي فوق كل ذلك (أو رغمه) أم، بالمعنى الذي يجعلها تناضل لتغيّر في ابنها، أو تعالجه مما هو فيه.

يعتمد المخرج على صورة مربّعة، الكادر مقطوش من طرفيه الجانبيين، يبدأ الفيلم وينتهي كذلك في حالة نادرة سينمائياً، باستثناء بضع دقائق في الربع الأخير من الفيلم، حيث نرى لقطات متلاحقة ميلودرامية لستيف وقد تخرّج من الجامعة، ثم تزوّج، يشاغب إنّما بلطف في عرسه، يمازح الجميع، يكون أكثر لطفاً وطبيعيّة مع أمه، تتكوّن عائلة سعيدة، توسعت الصورة أثناء ذلك إلى عرض الشاشة، ما قد يشير لانفراج في حياة الأم بعد ضيق يأتيها من عدّة جهات. نعرف حالما تنتهي اللقطات أنها حلم يقظة للأم ديان. ستضيق الشاشة لتصير مربعاً ثانية حالما تستيقظ الأم وتعود لواقعها بآلامه.

العلاقة بين ستيف وديان معقّدة من طرفَيهما، لستيف علاقة أقرب لعقدة أوديب، تظهر أثناء تسريحه لشعرها، ستظهر أكثر في محاولته تقبيلها من فمها، سلوك يحرّكه لاوعي ستيف غير المتحكّم أساساً في معظم سلوكه. الأم من ناحيتها ستضطر للتأقلم مع ابنها، الذي أتى ليضيف ضيقاً على ضيق في حياتها.

في لقطة تحوي تناقضات مؤلمة، لن نعرف فيها نصدّق من فيهما، نشفق على كليهما، يقدّم ستيف لأمه عقداً كهديّة، تعرف هي أنه لا يملك ما يشتري به هذا العقد، ستسأله مباشرة من أين سرقه، يصرّ على أنه اشتراه لها ليقدّمه كهديّة، تصر هي أنه سرقه، يصل العنف اللفظي والهستيري بينهما ما لن يصله في لقطة أخرى، ويثير الإثنان، كلٌّ لحالته، شفقة ستحثّ على رغبة لدى المُشاهد في تصديق كليهما.

السيناريو في الفيلم يتغلّب على الصورة، سيناريو ذكي ومضحك، ومبك أحياناً، يحفظ توازناً حساساً تتطلبه الكوميديا السوداء، الحالة المأساوية لشخصيتَي الفيلم وتناقضاتهما ستخرج بردود أفعال وتعليقات من كليهما تجعل للكوميديا وجهاً أساسياً في الفيلم.

أما أجمل ما قد يصل المشاهدَ من الفيلم، فهو القدرة العجيبة للأم، قدرتها على التحمل والحب والتضحية ونكران الذات، (لو استبدلنا دور الأم بأب هنا، لأُعيد ستيف إلى المركز بعد ساعات من خروجه منه). سنلمس من شخصية ديان، كامرأة، اهتماماً متزايداً بنفسها يصل حد الأنانية، يُظهر تأنّقها بعض ذلك. إلا أنها، في علاقتها مع ابنها، كأم، لن يبقى من أنانيتها غير الشكل، كجينزها وميكياجها، ستكرّس نفسها لابنها، إلى أن تتعب.

تكرار إهداء المخرج إكزافيير دولان جائزة الفيلم لأمه في كلمته أثناء تسلّم جائزته في مهرجان كان، سيستكمل حالة الامتنان الممتدة على طول الفيلم.

في القدس العربي

mommy poster

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s