سينما
اكتب تعليقُا

«مَي في الصيف» للفلسطينية شيرين دعيبس. الفيلم مادة استشراقية جاهزة ولا «اشتباك ثقافات» هنا

مع شركات الإنتاج العالمية، وتعدّد الجهات المنتجة، لم يعد سهلاً تصنيف البلد الذي ينتمي إليه فيلم ما ويمثّله في المهرجانات، وقد لا نكون دقيقين بتصنيف الفيلم دائماً بحسب جنسيّة المخرج أو المنتج. وهذه إشكالية حاضرة دوماً في السينما التي يمكن بشكل أو بآخر نسبها إلى فسطين لما يميز هذه السينما وهذه البلد من تعقيدات ثقافية واجتماعية وسياسية.

ليست هنالك جهة إنتاج وطنية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو ما يُسمى الآن دولة فلسطين، في السابق كانت المنظمة أو بعض فصائلها تنتج أفلاماً وثائقية كنوع من المقاومة أو التوثيق، أما فنّية العمل ومعاييره السينمائية فلم تكن أولوية. اليوم نجد معظم الأفلام الفلسطينية، الروائية تحديداً لما تتطلبه من تمويل، تعتمد على جهات إنتاج متعدّدة، أوروبية تحديداً، إضافة لجهات عربية وخليجية بدأت مؤخراً تشارك في الإنتاج، وأحياناً الإسرائيلية، وطبعاً هنالك المؤسسات الفلسطينية الخاصة. لكن عموماً يبقى الفيلم فلسطينياً تبعاً لمخرجه أولاً ثم لموضوعه.

بالنسبة للموضوع، هنالك ضمن تصنيفات الأفلام الفلسطينية ما تم إنتاجه وإخراجه دون انتماءات فلسطينية لجهات الإنتاج أو الإخراج، إلا أن موضوع الفيلم يحيله إلى تصنيف فلسطيني، وهو أحد تمظهرات التضامن الأممي مع القضية.

تُحال هويّة الفيلم إلى مخرجه إن تحدّثنا عن فيلم هو عملياً صناعة المخرج (سينما المؤلف)، قد يكون غالباً كاتب قصّته أو السيناريو له، وهو هنا فيلم مخرجه، وهذا حال معظم الأفلام غير التجارية. أما تلك التجارية فهي أفلام شركات الإنتاج والنجوم، المخرجون هنا مجرّد موظفين تختارهم الشركات كما تختار نجوم الفيلم.

من هنا يمكن الحديث عن فيلم May in the Summer للمخرجة شيرين دعيبس. ومسألة التصنيف هنا ملتبسة، لا يهم، إنّما الهام هو احتمال أن يُصنّف فيلم ما كفلسطيني، وهو الحال في الفيلم موضوع حديثنا.

الفيلم الذي بدأت عروضه قبل أسابيع في أميركا، يُعرّف في أماكن بأنه أميركي، وفي أماكن أخرى بأنه أميركي أردني قطري، تبعاً للجهات المنتجة. مخرجته فلسطينية أميركية، ويحكي قصّة عائلة فلسطينة مسيحية في مدينة عمّان.

مَي هي بطلة الفيلم، تقوم بدورها مخرجته شيرين دعيبس وهي كاتبة الفيلم كذلك، وهذا بحد ذاته كفيل بجعله فيلمها بامتياز، كاتبته ومخرجته وبطلته، وهو ما يسوّغ لنا للتعليق عليه كفيلم فلسطيني، لا غير ذلك. من اسم بطلته يأتي اسم الفيلم الذي اختير ليكون بالإنجليزية، أما ترجمته فتوحي إلى «أيّار في الصيف»، وهي معظم الترجمات الصحافية العربية له، في خطأ لا بدّ من مشاهدة الفيلم لتجاوزه. الترجمة المناسبة هي «مَي في الصيف»، فلا اشتباك أو تناقض بين شهر أيار والصيف إنما بين مَي والصيف الذي قضته في عمّان.

تعود مَي من نيويورك إلى عمّان في زيارة لأهلها وكي تحضّر لحفل زفافها من صديقها في نيويورك، زياد. يصوّر الفيلم الأيام القليلة التي تمضيها في عمّان وصراعاتها مع المجمتع وأخوتَيها وأمها وأبيها المطلّقَين، كل على حدة.

يعرّف الفيلم عن نفسه في صفحاته على فيسبوك وتويتر بإنه فيلم «اشتباك ثقافات»، وهو ما صوّره الفيلم بأسلوب لم يتخطّ من الموضوع سطحه، ذلك بجملة هنا أو لقطة هناك.

حالما تصل مَي إلى مطار عمّان، وفي طريقها إلى بيت أمّها، في السيارة مع إخوتَيها، الشعر المتطاير في الهواء والنظارات الشمسية والأغاني المبهجة، ثم لترى مَي في سيارة مجاورة نساء منقّبات يبحلقن بها وبإخوتَيها، فتعلّق: هل رأيتِ كل هذه النينجا من حولنا؟ لتردّ أختها: لو كانت أمي كذلك لارتعبت منها. وهذه في الدقائق الأولى للفيلم، وهو تقديم سطحي أولاً وعدائي ثانياً لفكرة الاشتباك بين الثقافات، ومَي هي ابنة هذا المجتمع حسب الفيلم، لا أجنبيّة تأتي سائحة. ما يزيد التسطيح خفّة أن نعرف في الدقائق ذاتها أن خطيبها محاضر جامعي في «الثقافة الإسلامية المعاصرة» في نيويورك، وأنه مؤلف كتب، لنفهم أنها وخطيبها كمثقفَين متحرّرَين يمثّلان نقيضاً للآخرين في عمّان، الذين هم متخلّفون محافظون وجهلة. يعرض المشهد «الإسلام العصري» ضمن كليشيهات كثر استخدامها: المقابل للشابة المثقفة المتحرر النيويوركية خطيبة الأكاديمي، يكون النساء المتقدمات في السن التقليديات المنقبات.

تكرار الفكرة لا يعمّقها، أي أن تتكرّر هذه «الاشتباكات» الشكلية بين «الثقافتَين» لا يجعل نقل الفيلم لها أقلّ سطحيّة، بل يعمّق ويشدّد على فكرة أن الفيلم يسطّح المسألة. سنعرف لاحقاً أنها أيضاً مؤلفة كتب، وأن جميع الصحف كتبت عنها، الناس كلّها في بيت أمّها وفي الكنيسة تعرفها وقرأت كتابها الأخير وهو، للمفارقة، عن الأمثال الشعبية.

أشير هنا إلى أن عائلة مَي المسيحية وأصدقاءها خارج نطاق هذا «الاشتباك» المريع الذي شاهدناه بين مَي وبين المجتمع الفلسطيني والأردني هناك، رغم خلافات مَي مع أمها الممتد على طول الفيلم. يحضرني مشهد تكرّر أكثر من مرّة تظهر فيه مَي تمارس رياضة الركض في شوارع المدينة، والناس، هم دائما عمّال بملابس رثّة أو نساء بدينات محجّبات، علّقت أعينها عليها مدهوشين، مع تبطيئ للصورة وخلفية موسيقية، لوازم التنميط.

حتى الطريقة التي حاول بها الفيلم إظهار مدى محافظة وتديّن أمّها (هيام عبّاس) لم تتخطَ الشكل، في إظهار متقصّد ومتكرّر للصليب على صدرها، في نغمة دينية لتلفونها، «هاليلويا»، في محاولة اللجوء للخرافات لتفرقة ابنتها عن خطيبها المسلم عبر فكّ عقد حبل، وغيرها.

لا يبدو أن الفيلم فعلاً ينقل فكرة «اشتباك الثقافات»، لا بشكلها المناسب ولا حتى غير المناسب، فلا ثقافات تتشابك هنا، بل سيّدة ترجع إلى مدينتها وعائلتها التي ترفض زواجها من خطيبها المسلم، وهذه مشكلة مجتمعية حاضرة في الثقافة الواحدة، بين أهالي عمّان وغيرها من المدن، دون الحاجة للذهاب إلى نيويورك وتأليف الكتب، لتسويغها.

الفيلم يبالغ في تصوير المجتمعات العربية لا لأن مشاكل كهذه غير حاضرة، بل في مجتمعاتنا كل هذه المشاكل وأسوأ منها، تكمن المبالغة في تصويرها كالنقيض الاجتماعي والثقافي لمجتمع آخر، في نيويورك، فيه مؤلفو الكتب وأساتذة الجامعات والزواج العابر للديانات والأعراق، وفيه النساء يمارسن الرياضة في الشوارع دون أن يتعرّضن للتحرّش، النقيض لهذه المظاهر الحضارية هو بالضرورة مجتمع بربري ومكبوت وجاهل ومتديّن ومتصحّر. ولا يمكن علمياً وضع الصورة بهذا الشكل، أي عمّان كما رأيناها في الفيلم مقابل نيويورك كما رأيناها في الفيلم عبر مَي، لا يمكن رؤيتها إلا ضمن سياق استشراقي لا يريد أن يرى في كل من عمّان ونيويرك إلا ذلك. والفيلم مادة ممتازة وجاهزة لأي نزعات استشراقية وكولونيالية تبحث عن أمثلة.

هل يكتفي الفيلم بذلك؟ لا، إضافة لكل ما سبق، هنالك ما يحشر الفيلم في السياق الاستشراقي وحسب، فهو يخاطب أساساً المشاهد الغربي، الأميركي تحديداً، والتطبيقات السياسية والثقافية الأسوأ للاستشراق تأتي من أميركا، الامبريالية الثقافية العظمى. الفيلم ناطق بالإنجليزية، بلكنة أميركية متصنّعة، ليس اللكنة فحسب بل لغة الجسد من إشارات وتعبيرات للوجه وغيرها، كأنها منسوخة عن أفلام هوليوود الأشد تسطيحية لمواضيعها.

لمَ تكون لغة فيلم بتنميطاته هذه ومبالغاته ومقارباته لمجتمع عربي مع نيويورك، لمَ تكون الانجليزية؟ سيصعب فهم ذلك بغير الخطاب المباشر للمشاهد هناك، للرجل الأميركي الأبيض، لنيل رضاه وسماحه للفيلم بدخول نادي هوليوود من باب تصوّراته عن مجتمعنا.

كنت أفضّل ألا يأتي ذلك من فيلم فلسطيني، وجيّد أن تصنيفات الفيلم في المهرجانات كانت غير «فلسطيني». هنالك حاجة فلسطينية لأفلام تتناول مسائل اجتماعية كهذه، مسائل لا يكون للاحتلال وجود مباشر فيها، ومن غير الجيّد للقضية الفلسطينية أن تنحصر أفلام الفلسطينيين بمواضيع متعلّقة بالقضية، وهذا يُحسب لمخرجته. لكن طرح مساوئ مجتمعاتنا، وما أكثرها، لا يعني بالضرورة أن يأتي في سياق نظرة دونيّة ثقافياً واجتماعياً أمام الأميركي الذي ستُدَغدَغ مشاعره الكولونيالية واستشراقيته بفيلم كهذا.

في «الدوحة الثقافية»

mayinthesummer

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s