فنون
اكتب تعليقُا

الإسلام بين تطرّفيْن، ديني وليبرالي. جدال بِين أفليك مثالاً.. عن رفضه التنميط والتعميم

قد لا يختلف اثنان على أن للتطرف الديني ارتدادات مخرّبة أو تدميرية على مجتمعاتنا التي عانت وما تزال منه، وليس تنظيم داعش إلا صورة مستجدّة لهذا التطرّف، وهي الصورة الأشد قبحاً له، لكن ما لا بدّ من الانتباه إليه هو التطرّف المقابل لذلك، أي التطرّف الليبرالي عربياً وعالمياً بما يمكن أن يحمله، كذلك، من تخريب وتدمير للمجتمعات، ومن بين أكثر ما يمتهنه هذا التطرّف هو التنميط والتعميم للمجتمعات المسلمة، فيساوي بين التطرّف المقابل له (الديني) وبين هذه المجتمعات، أو بينه وبين ما يُعرف بالإسلام الاجتماعي، أو الإسلام الذي كنّا نعرفه قبل أن يفد لبلاد الشام تطرّف صحراوي آمر بالمعروف وناه عن المنكر، وقبل أن تصير هذه البلاد محجّة «جهاديّي» داعش.

آخر تمظهرات التطرف الليبرالي الذي لم تبدأ إحدى مراحله بالمستشرقين ولم تنته بالمحافظين الجدد مروراً بالماكارثيين، كانت الأسبوع الماضي في برنامج «وقت جدّي مع بيل ماهر» النقاشي على شبكة قنوات HBO الأميركية، بحضور الممثل الأميركي بِين أفليك، وهو ضيف متكرّر على البرنامج وبرامج نقاشية غيره. انتشر مقطع من الحلقة في الأيام الأخيرة وتناولته الصحافة العالمية بأخبار اعتنت بردود أفليك. يتنقد في المقطع ماهر وضيف آخر الإسلامَ في وقت يسخر منهما أفليك رافضاً تعميماتهم.

جاء حضور بِين أفليك في سياق جولة ترويجية لفيلم يقوم ببطولته هو «فتاة راحلة»، لكنه، وهو الناشط السياسي في قضايا أميركية داخلية، وخارجية، كان لا بدّ له من الدخول في هذا النقاش خاصة بعدما افتتحه ماهر بالطريقة التالية: على الليبراليين أن يدافعوا عن القيم الليبرالية، الحرية في (كذا وكذا) ثم حين تقول أن هذا ما ينقص في العالم الإسلامي ينزعج الناس. يعلّق ضيفه بأن الليبراليين ينتقدون المسيحية وباقي الأديان لكن حين نأتي للإسلام فسيخيّب الليبراليون ظنّنا بهم، بتجنّب انتقاده. يكمل في ذلك منتقدا فكرة أن يُمنع أحد من انتقاد الإسلام بحجّة الإسلاموفوبيا (رُهاب الإسلام). يرد عليه أفليك سائلاً: مهلاً، هل أنت الشخص الذي يعرف بشكل رسمي تعاليم الإسلام؟ يكمل أفليك: أنت تقول أن الإسلاموفوبيا أمر مفتعل، قاطعوع فقاطعهم قائلاً أن كلامهم مبالغ فيه وعنصري. ثم يقول الضيف ذاته بأن الإسلام هو «أم» الأفكار السيئة وأننا لا بد من انتقاده لذلك. يردّ أفليك بأن هذا كلام بشع، وأن هنالك أكثر من مليار من المسلمين ليسوا متطرفين ولا يضربون النساء ويريدون فقط الذهاب إلى المدرسة وتناول الساندويشات والصلاة خمس مرات في اليوم ولا يفعلون مما تقولونه عن المسلمين، هذا تنميط. بعد دقائق يقول ماهر بأن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتصرّف كأنه مافيا، وأنه سيقتلك إن قلت الكلمة الخطأ أو رسمت الرسمة الخطأ أو ألّفت الكتاب الخطأ. يعلّق أفليك سائلاً ما الحل، أن تدين الإسلام؟ نحن قتلنا من المسلمين أكثر مما قتلوا منّا، داعش بالكاد يملأ موقف سيارات في فيرجينيا وأنتم لا ترون غيره.

لبين أفليك الحائز على عدّة جوائز من بينها الأوسكار مواقف سابقة في الدفاع عن قضايا عربية رافضاً التنميط الذي يحاول الإعلام الأميركي تعميمه. ما شاهدناه من مقدّم البرنامج كان تعميماً لتنظيم داعش فكراً وممارسة على الإسلام كدين وتالياً على المسلمين جميعاً. وذلك باسم الليبرالية وحق الدفاع عن قيمها.

في مجتمعاتنا العديد من الأمور التي لا بد من نقدها، وهنالك ما يتوجّب النقض حتّى، ولا يدافع أفليك عن التطرّف الإسلامي أو عن تقييد للحريات باسم الدين، أي دين، لكنه ومن خلال ردوده كان رافضاً تماماً لمسألتيْ التنميط والتعميم، أي وضع الإسلام ضمن صياغة واحدة دون غيرها، هي التطرّف بأبرز أمثلته، داعش، أو بأمثلة أقلّ تطرّفاً كالإسلاميين غير الجهاديين، وتعميم هذا التنميط على باقي المسلمين، ملغين بذلك الإسلام الذي نعرفه من أهلنا وجيراننا، الإسلام الاجتماعي.

تحوي مجتمعاتنا من المساوئ ما يؤهّلها لسلسلة تطول من النقد، وهذا يدركه الكثير من مثقفين ينتمون لهذه المجتمعات وغيرها، لكنه يبقى في النهاية إدراكاً غير تدميري، أي لا يستوجب تدمير هذه المجتمعات بمن فيها، وذلك ما لم تكن عليه تفوّهات مقدّم البرنامج بيل ماهر ومن معه.

تفوّهات هؤلاء العنصرية والمبالغ «في كذبها» كما وصفها أفليك، تجاه الإسلام والمجتمعات المسلمة، وعقليّة تصدر عنها تفوّهات كهذه، هي المبرّر الرئيسي لفكرة الاحتلال التي تُبنى على شيطنة الآخرين وتنميطهم ضمن أفكار مسبقة وتعميم ذلك، ثم ندخل عليهم كمحرّرين فاتحين، مرفَقين بأسباب الحضارة والديمقراطية والتحرّر. فقبل أن تكون المشكلة في السياسة الخارجية للإدارات الأميركية، أو أي سياسة كولونيالية تاريخياً، تكمن المشكلة في عقليات كهذه هي أساس ومسوّغ الاحتلالات، في أيامنا هذه تبرز جليّة في توليفة التطرّف الليبرالي ومحافظيه الجدد، في السابق كان الاستشراق.

في «القدس العربي»

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s