سياسة
اكتب تعليقُا

«داعش» الجديدة لغوياً، ليست كذلك ثقافياً.. عن مسوّغات التطرف لدى التنظيم في المجتمعات الإسلامية

أذكر أني كتبت مرّة  أنه لم يعد هنالك حاجة لوضع كلمة «داعش» بين قوسين في المقالات، فالكلمة دخلت معجمنا اليومي بسرعة مريعة، صار لـ «داعش» مدلولاً واحداً واضحاً محدّداً وصارت من أكثر الكلماتأ تداولاً في الصحافة والإعلام، وتحديداً مواقع الإعلام الاجتماعي. هذه مصيبة بحدّ ذاتها، لأن اقتحام الكلمة للغتنا اليومية كان سلساً، ولأنّه أتى من اقتحام التنظيم، الذي تدلّ عليه، لحياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بما يحمله ذلك من مصائب سياسية واجتماعية وثقافية، كذلك.

وحين أكتب الكلمة بين قوسين هنا فأقصد الكلمة ذاتها، كـ «دال»، وحين أكتبها دون قوسين أقصد «المدلول» وهو التنظيم. وهنالك من وضع جذراً للكلمة كـ دَعَشَ وهنالك من استرسل في ذلك لنصل إلى: دَعَشَ يدعش فهو داعش والمفعول مدعوش، وهنالك دعشٌ واستدعاش وربّما مداعشة. يتراوح ذلك بين الجد والهزل، إلا أنها كلّها حاضرة في اللغة الصحافية، ولا تنتظر غير إدراج في معاجمنا اللغوية، خاصة وأنه يمكن تعريفها بسهولة لما يتميّز به هذا التنظيم من سلوكيات وأذهان ذهبت في تميّزها المَرَضي والهوسي بالقتل والترهيب ما لم تصله أي جماعة في تراثنا العربي والإسلامي المثخن بأمثلة مشابهة.

لكن ما مدى علاقة هذا التنظيم بمجتمعاتنا ما قبل داعش، أو «ما قبل الزمن الداعشي»؟ داعش هو ابن هذه المجتمعات التي أنجبت (ولا يجب أن ننسى) نماذج أخرى من الجماعات الإسلامية تتفق مع داعش ذهنياً وثقافياً بما أختلف أنا وكثيرون به مع داعش، أذكر منها كل الجماعات الجهادية سنّية وشيعية، من حزب الله إلى تنظيم القاعدة بفروعه، أذكر منها السلفية الجهادية والدعوية، الوهابية، الأزهر وسلاطينه، الإخوان المسلمون، دعاة الفتنة… وغيرها من ظواهر وجماعات تَميّز عنها داعش بشدّة التطرّف ذهنياً وسلوكياً مرفقاً إياه بالسلاح والثروة وبما نجهله. وتلك الجماعات حاضرة في تراثنا وفي مجتمعاتنا ومؤثرة على الحال الثقافية والإبداعية لهذه المجتمعات، من الترهيب الفكري إلى الاغتيال الجسدي مروراً بارتكاب جرائم حرب، وليست الحسبة في السعودية (جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إلا شكل كاريكاتوري من ذلك.

لا يهوّن هذا من وطأة داعش على مجتمعاتنا، إنّما يفتّح الأعين أكثر على وطأة كنّا نعيشها في مرحلة «ما قبل الزمن الداعشي» دون أن نشعر بفداحتها لأن لا صور لرقاب منحورة كانت تنتشر، ولأن الجماعات المذكورة كانت محسوبة على نظام دولة هنا أو هناك يحدّد من سلوكياتها دون أن يمسّ التطرّف الذهني فيها، ولأسباب غيرها، إلا أن ما يتوجّب عدم إغفاله هو أن ما يميّز داعش أساساً عن باقي المجموعات هي الشدّة، مدى التطرّف، بل مرضيّته، فثقافة هذه الجماعات وداعش، ومرجعياتها الغيبية في الأحكام واحدة، يكفي مبدأ «الحاكمية» الذي تتبعه، وهو أن الحكم والحاكمية لله وحده وأنهم يمثّلون هذه الحاكمية على الأرض وبالتالي يمثّلون حكم الله وأمره ونهيه، وأي نقاش في ذلك يعني التشكيك فيكفّر صاحبه وأي تكفير يودي إلى الإعدام، أكان بقطع الرأس وتصويره، أم بالحقنة المميتة. الذهنية واحدة، والمرجعيات واحدة، وليس الاختلاف سوى بالشدة، والانفلات.

الاقتحام السريع لـ «داعش» في لغتنا اليومية واستساغتها لم يكن ليأتي لولا الجماعات المقرّبة من داعش ذهنياً وثقافياً، المثخنة بها مجتمعاتنا، أي أننا بشكل أو بآخر مهيّؤون نفسياً لاستقبال «داعش» في لغتنا، لأن الثقافة الداعشية (بشكلها المخفّف) أليفة لدينا، حاضرة بيننا بمسمّيات مختلفة وأساليب «ملطّفة جداً» بالمقارنة مع داعش. وهذا الأخير لم يأتِ مباغتاً من خارج هذه المجتمعات وبثقافة غريبة عنّا فينغّص علينا عصر أنوارنا، فالملحدون (مثلاً) غير قادرين على الإجهار بإلحادهم في مجتمعاتنا التي (حتّى) ما تزال تنظر للعلمانية كجاهليّة وللإسلام كمنظونة شاملة كل ما عداها جاهلي، وهو وليس أي شيء دونه، الرحمة والخلاص للعالمين، بـ «أل» التعريف.

بعد كل ذلك يأتي من يدرج على فيسبوك صورة لامرأة ممدّدة على الرمل بقطعتَي بيكيني معلّقاً «قبل الزمن الداعشي»، وآخر لوحةً لامرأة عارية مع شطب غليظ بالأسود على معظمها معلّقاً «قبل الزمن الداعشي». إن أخذنا هذه التعليقات مأخذ الجد (وهو كذلك) سنقول أننا لم نعرف غير زمن داعشي، والشطب الأسود الغليظ مألوف لدينا كما الثقافة الداعشية بتنويعاتها مألوفة، وأنّ ما تغيّر هو جرعة زائدة استطاب صاحبها القتلَ نحراً، ووضْع الرأس على ظهر صاحبه.

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s