سينما
اكتب تعليقُا

فيلم «فيلا توما» للفلسطينية سهى عرّاف. ثلاث عمّات معزولات طبقياً ومذهبياً، وابنة أخيهن المخلّصة

أثار الفيلم مسألتين خلال أيام قليلة، لكل منهما جدالاته، كانت الأولى حين رفضت مخرجته سهى عرّاف في مهرجان البندقية السينمائي تصنيفه كفيلم إسرائيلي مصرّة على فلسطينية الفيلم، وهي مسألة تخص «الهوية الفلسطينية» كما تخصّ «التمويل الإسرائيلي» للسينما الفلسطينية، وقد طرحتُ ذلك في مقالة سابقة على هذه الصفحات. المسألة الثانية هي رفض مهرجان الاسكندرية عرض الفيلم بحجّة أنّه إسرائيلي وأن عرضه يخالف أعراف مقاطعة الدولة العبرية. تطرح كل من المسألتين قضيّة جديرة بحد ذاتها بالتداول في مقالات مكرّسة لذلك، كونها تخصّ أولاً الهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل (أو فلسطينيي الـ 48)، وثانياً نتاجهم الإبداعي.

وليست المسألتان منصفلتين، ففي وقت قاتلت فيه سهى عرّاف لتأكيد الهوية الفلسطينية للفيلم في البندقية، هي وطاقم العمل الفلسطيني، في مواجهةٍ على جبهة المؤسسة الإسرائيلية، تقاتل في الاسكندرية على جبهة أخرى هي عقلية العزل البليدة التي يعاني منها أهلنا في الأرض المحتلة عام 48، من قبل عرب، حكومات ومؤسسات ومجتمعات. عرّاف وباقي الأدباء والفنانين من فلسطينيي الداخل يواجهون المؤسسة الإسرائيلية في سبيل الحفاظ على الهوية الوطنية لهم، كفلسطينيين، ولنتاجهم الإبداعي، ويواجهون تلك العقلية العربية البليدة والصدئة في سبيل تثبيت هذه الهويّة والإصرار، رغم ذلك، على ربطها بعمقها العربي. والعزل الداخلي الذي تفرضه إسرائيل على أهلنا هناك يُستكمل بعزل من الطرف الآخر، خارجي، يقوم به الكثير من العرب. فبعدما حاولت عرّاف تدبير تمويل لفيلمها من مؤسسات في أبوظبي ودبي والدوحة (وهي الآن أكثر الجهات العربية تمويلاً للأفلام) ومؤسسات أوروبية، دون أن تلقى جواباً، اتجهت إلى مؤسسات إسرائيلية لتدبّر تمويلاً للفيلم (مهما كان رأينا في ذلك)، على أنها أموال الفلسطينيين دافعي الضرائب تعود لهم على شكل تمويل لأفلامهم، كما قالت عرّاف في أكثر من مناسبة، وبأنها ليست مكرمة إسرائيلية، بل حق لها. ثم بعد الانتهاء من الفيلم سترفض جهات عربية كذلك عرضه بحجّه أنه إسرائيلي، في توافق تام مع ادّعاءات المؤسسة الإسرائيلية، وتكامل في عزل فلسطينيي الداخل.

هذه قضايا، كما أسلفت، تحتاج كل منها مساحة تخصّها، وغاية هذه الأسطر هو التنويه بأن قضايا الهوية التي أثارها الفيلم خلال أيام ضمن مهرجانين متتاليين، نالت صحافياً من حصّة الفيلم كنتاج فنّي، ومن تناوله كعمل سينمائي جدير بحصّته بمعزل عن قضاياه.

«فيلا توما» (80 دقيقة) فيلم فلسطيني كتبت السيناريو له وأخرجته وأنتجته سهى عرّاف، من بطولة نسرين فاعور (جولييت) وشيرين دعيبس (أنطوانيت) وعلا طبري (فولييت) وماريا زريق (بديعة)، وستبدأ عروضه في حيفا خلال أيام.

يروي قصّة عائلة فلسطينية مسيحية مكوّنة من النساء الثلاث وابنة أخيهم بديعة التي ستنضم إليهم في بداية الفيلم آتية من دير للرهبان حيث كبرت يتيمة. تعيش العمّات الثلاث منعزلات عن المجتمع الفلسطيني في رام الله حيث تقع فيلا عائلة توما، وهي عائلة أريستقراطية تعيش من تأجير أراضيها الزراعية. تستقبل العمّات المنعزلات بديعة ويبدأن في تربيتها بما يرونه مناسباً لمركز العائلة الاجتماعي، فيعلّمنها اللغة الفرنسية والعزف على البيانو. «الهيبوكريسي» الطاغي على كافة تصرّفات العمّات الثلاث، بنسب أقل عند أصغرهن سناً أنطوانيت، يتمظهر بشكل أوضح أمام عفويّة بديعة وطبيعيّتها. هذا التناقض يرسم خط سير الفيلم بين العمّات وبين بديعة، في وقت تقوم أنطوانيت بالتخفيف من وطأة هذا التناقض الذي يفلت من أيديهن أخيراً حين تصل التراجيديا إلى ذروتها، فيحسم أحد أسلوبي الحياة أمر العائلة النسائية الصغيرة.

نساء عائلة توما، وهنّ وحيدات هذه العائلة كما يبدو، منعزلات عن المجتمع الفلسطيني في رام الله مرّتين، مرّة طبقياً وأخرى مذهبياً. والفيلم الذي صُوّر في معظمه داخل الفيلا، في أجواء البيت وأثاثه ولباس النساء الثلاث، يوحي بأن أحداثه تجري في ستينات أو سبعينات القرن الماضي، لنعرف لاحقاً حين يخرجن إلى شوارع رام الله ذاهبات إلى الكنيسة بأن أحداث الفيلم تتزامن مع الانتفاضة الثانية، أي بعد ثلاثين أو أربعين عاماً مما توحي به هذه الفيلا والحياة بداخلها. وإن كانت النساء معزولات مكانياً عن المحيط، لا يخرجن إلا للكنيسة أو لأعراس أو مآتم، وبيتهن لم يدخله زوّار منذ سنين، فهنّ كذلك معزولات زمانياً عن المحيط، إشارة لذلك نسمعها من جولييت حين تستغرب من الأسعار المرتفعة للخضرة التي يجلبها لها أبو حسن، فيرد عليها بأن الأسعار التي تتكلّم عنها تعود للستينات. وبالحديث عن الانعزال الطبقي والمذهبي أذكر هنا مشهداً وبّخت فيه جولييت بديعة لأنها نادت أبو حسن الفلاح المسلم، بكلمة عمّي.

جولييت هي الأخت الكبرى، سيّدة البيت والحاكم المستبدّ فيه، علاقتها بأخوتيها علاقة أبويّة\بطريركية، لا تحكيهن إلا آمرة أو ناهرة. فولييت هي اللئيمة، هي أشبه بالوزير الخبيث إن قلنا أن جولييت هي الحاكم، أنطوانيت هي الأقل تشبّثاً بـ «هيبوكريسي» العائلة الأرستقراطية والأكثر رغبة في تغييرها دون أن تجد منفذاً لذلك، هي الوزير الإصلاحي الداعي للتغيير، لنقل. أما بديعة، ودلالة الأسماء هنا واضحة، فهي الناس والفقراء التي ستقلب حياة العائلة ما إن تدخل عليها، رغم كل محاولات القمع والقولبة التي تخضع لها.

تقول جولييت في حديث عن مرض والدتهم المتوفّاة مستكثرة على البسطاء حتى أن يمرضوا بالسّكري، على أنه مرض الأغنياء: يخرب بيتهم شو جلجؤوه لهالمرض، السوفاج صاروا يمرضوا فيه، بزماناتنا بس الناس الكلاس كانوا يمرضوا بالسكري. ما يثير ضحك كل من أنطوانيت وبديعة، أما فولييت فلا تجد غرابة في استنكار جولييت هذا.

في مشهد آخر تقول جولييت لبديعة وأنطوانيت قبل خروجهن: بتمشي وراسك مرفوعة لفوق، انشالله حدا انطخ حدكو، ما تتطلعوا عليه. كل ذلك يشير إلى الانعزال التي تعيشه النسوة عن المجتمع الفلسطيني في رام الله، لكن الفيلم يتطوّر في كل مشهد تظهر فيه بديعة، صاحبة الاسم الأقرب لهذا المجتمع من أسماء عمّاتها. هي التي تتأخر عن مواعيد الفطور والغداء، والتي تُعجب بمغنّي في عرس وتترك الطاولة التي جلست إليها عمّاتها الثلاث كتماثيل مزركشة، وترقص بعفويّة أمامه. تعرّفت عليه لاحقاً ولم تجد عائقاً في كونه مسلماً وابن مخيم (قلنديا) إلا أن عمّاتها لن يسمحن لها بالزواج منه. سيفتح هذا الحب باباً لفيلا توما على المجتمع الفلسطيني، حبّ كان أول هداياه قلادة معلّقة بها رصاصة قدّمها ابن المخيّم لبديعة، وهو الذي سنعرف لاحقاً أنه مقاتل في صفوف المقاومة. هذا في وقت نبّهت فيه جولييت أخوتيها بأن لا يلتفتن لأحد وإن قتله الاحتلال أمامهن.

لاحقاً ستحبل بديعة من حبيبها المقاتل، دون زواج، ستكون مصيبة تنزل على رؤوس عمّاتها، فولييت تقول: بتلاقيها عاملتها مع هدا اللاجئ، ابن قلنديا، من مستواها. ثم في ليلة اشتباكات مع الاحتلال، يدقّ الباب الخارجي للفيلا جريح هارب من الجنود، تخرج النساء لترى من يكون، جولييت (نسرين فاعور في أداء مميز دائماً) الآمرة الناهية ترفض أن تفتح له قبل أن تتأكد أنه مسيحي، تطلب منه ترديد صلوات لتتأكد، تعرف أنه «ابن مادلين»، وأنه «ابن عيلة»، فتدخله وتعالجه متأمّلة تزويجه من بديعة الحامل بأسابيعها الأولى. والفيلم في نصفه الأول يدور، بالمناسبة، حول محاولات العمّة الكبرى لتزويج بديعة، وهي غاية مشاركتهن الأعراس والمآتم، إضافة لمحاولات «ترويضها».

تتطوّر التناقضات بين العمّتين جولييت وفولييت من جهة، وبديعة من جهة ثانية، أما أنطوانيت فتزيح رويداً رويداً لجهة بديعة، إلى أن نصل اللقطات الأخيرة من الفيلم. في وقت كانت جولييت، «الأب» في هذه العائلة، تجلس على رأس الطاولة، في تمثيل لطبيعة الحياة المسيطرة في هذه الفيلا، نشاهد في اللقطة الأخيرة أنطوانيت وقد أخذت مكانها على رأس الطاولة، إلى جوارها طفل بديعة في عربته، وسنسمع دقّات ساعة البندول مستهلّة مرحلة جديدة في حياة هذه العائلة النسائية.

دخلت بديعة بيت عمّاتها وخرجت منه (في الفيلم سنعرف كيف) بعدما حرّرته من الانعزال الزماني والمكاني، طبقياً ومذهبياً، متيحة الفرصة لأنطوانيت بأن تبدأ فيه مرحلة أكثر فلسطينيةً، اجتماعياً ووطنياً. سنعرف أن أنطوانيت كذلك أحبّت من لم يكن «ابن عيلة»، ولا «غنياً»، ومُنعت من رؤيته بعدما طُرد من الفيلا. تقول لبديعة في المقهى الذي ذهبتا إليه سرّاً أنها لم تتوقف يوماً عن حبّه.

في ثنايا الموضوعات الاجتماعية في الفيلم، سنرى أن المحرّك الأساسي فيه هو الحب: بديعة التي عكّرت بحبّها لابن المخيم الطمأنينة الزائفة لهذه الفيلا، وأنطوانيت التي بحبّها الذي لم يتوقّف يوماً استكملت في اللقطة الأخيرة ما بدأته ابنة أخيها.

في «القدس العربي»

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s