سينما
اكتب تعليقُا

فيلم «قاعة جيمي» للمخرج البريطاني كين لوتش. الصراعات الاجتماعية في إيرلندا الخارجة من حرب أهلية

جديدُ المخرج البريطاني النشط كين لوتش هذا العام هو فيلمٌ تناولَ موضوعته في أكثر من عمل سابق، وهو الذي تميّز بأفلامه التي تطرح قضايا سياسية واجتماعية، محليّة وعالمية. إلا أن الفيلم، «قاعة جيمي» (Jimmy’s Hall)، الذي عُرض في الصالات الأوروبية هذا الصيف، حمل مضموناً جديداً تماماً، بالمرحلة التاريخية وبالقصّة الواقعية التي يصوّرها.

تناول صاحب «تمطر حجارة» المسألة الإيرلندية في أكثر من فيلم، منذ حرب الاستقلال عن بريطانيا العظمى عام 1922 إلى الحرب الأهلية. في فيلمه الذي نافس على السعفة الذهبية لمهرجان كان لهذا العام، يصوّر مرحلة ما بعد الحرب الأهلية في ثلاثينيات القرن الماضي.

يروي الفيلم قصّة المناضل الإيرلندي جيمي جرالتون (باري وارد) الذي رُحّل إلى الولايات المتحّدة الأمريكية أثناء فترة الحرب الأهلية التي نشبت في إيرلندا إثر اتفاق بين بريطانيا والإيرلنديين عقب حرب التحرير، فانقسم الإيرلنديون بين مؤيد للاتفاق وبين معارض، المؤيدون دعمتهم بريطانيا وسيطروا على البلاد وشكّلوا حكومتهم، المعارضون لوحقوا وسُجنو ورُحّلوا، وكان جيمي من بين هؤلاء.

اللقطات الأولى من «قاعة جيمي» تبدأ بعد عشر سنوات أمضاها جيمي في نيويورك منفياً، حيث يعود ليعيش مع والدته الوحيدة بعد تعهّد الحكومة الجديدة بمستقبل أفضل وأكثر سلماً في البلاد المتوتّرة سياسياً. بعد تردّدٍ كي لا يألّب أعداءه القدامى، الكنيسة وحلفها، قرّر إعادة فتح القاعة، وهي بطلة الفيلم حيث تكون الأمكنة أبطالاً. كانت القاعة مركزاً ثقافياً ترفيهياً أنشأه وأداره جيمي إلى أن رُحّل أوّل مرة، والآن أعاد فتحها لتكون المركز ذاته، تُعقد فيه دورات تعليمية في الرسم والموسيقى والرقص والملاكمة وجلسات نقاشية في الأدب والسياسة والهموم المحلّية، وتُحيى فيه حفلات الرقص والغناء والسهر. وهو مركز قال عنه جيمي في جداله مع القسيس بأنه «يُخرج أفضل ما فينا».

لكن جيمي المُتّهم بالشيوعية، تعرّض لتحريض ومضايقات من قبل أعدائه السابقين أنفسهم، كان منها إطلاق النار على القاعة أثناء إحياء إحدى الحفلات، ولاحقاً إحراقها بما فيها، بعدما لم تنل منه ومن أصدقائه ابتزازهم ومحاصرتهم اقتصادياً وتشويه سمعتهم في المجتمع القروي.

بينما يصوّر الفيلم هذا الصراع بين جيمي القادم للقرية بموسيقى الجاز وبأفكاره التحرّرية التي لم يتنازل عنها، وبين تحالف الكنيسة والسلطة وملّاك الأراضي، يُفسح الفيلم مجالاً لتصوير قصّة حّب بين جيمي وأونا (سيمون كيربي) التي ودّعها قُبيل ترحيله الأوّل، والتي عاد بعد عشرة أعوام ليجدها متزوّجة وأم لولدَين، ففرّق أعوان الاحتلال بينه وبينها كما فرّق بينه وبين والدته عشر سنين.

يصوّر الفيلم كذلك العلاقة الحميمة بين جيمي ووالدته التي لم تسمح له الشرطة بتوديعها إثر اعتقاله الأخير وترحيله مجدّداً عن إيرلندا، ليفترق حتى مماته عن والدته كما عن حبيبته. ويصوّر الفيلم الولاء الذي جمع أصدقاءه ورفاقه حوله لإعادة بناء القاعة والوقوف إلى جانبه أثناء ملاحقاته من قبل الشرطة وصداماته مع أعدائه، ومساعدته في محاولة الهروب والاختباء.

الصراع الأساسي في الفيلم تمحوَر حول التناقض الثقافي والاجتماعي والسياسي بين ما يمثّله جيمي المتعاطف مع العمّال والمزارعين، كمثقّف خارج من هذه الطبقة، واعٍ لمصالحها ومدافع عنها، وبين ما تمثّله الكنيسة متزعّمة حلفاً مع السلطة وملّاك الأراضي.

الفيلم لا يخلو من معظم ما ميّز أعمال صاحب «إسمي جو»: النزعة الإنسانية والانحياز للفقراء، الانحياز للمقاومة بأشكالها المتنوّعة، بما فيها الرقص على موسيقى الجاز، وحب الحياة، وقد عبّر جيمي عن ذلك حين وقف على عربة ليلقي كلمة في مجموعة من الفلاحين الذين هبّوا لاستعادة بيت أسرة فقيرة من مالك الأرض، قال لهم بأننا نريد أن نعيش وأن نفرح وأن نرقص وأن نغنّي، لا أن نحيى وحسب كالكلاب، وهذا من حقّنا.

يذكّر «قاعة جيمي» بفيلم سابق لكين لوتش، كأن فيلمه الجديد أتى استكمالاً لفيلم أخرجه عام 2006 هو «الريح التي تهزّ الشعير»، والذي يحكي قصّة المقاومة الإيرلندية ضد الاحتلال البريطاني، وعن الاتفاق بين البلدين وعن الملاحقين الرافضين للاتفاق، وذلك في أوائل عشرينيات القرن الماضي، أي في الفترة التي رُحّل فيها جيمي (في «قاعة جيمي») للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة، وهي المرحلة التي شهدنا فيها إعدامات لمن تم القبض عليهم ممن استمروا في مقاومة البريطانيين وعملائهم المحليين من الإيرلنديين كما شاهدنا في «الريح التي تهزّ الشعير» الذي نال السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 2006. لكل من الفيلمَين قصّته المنفصلة، إلا أنهما يتكاملان بالمعنى التاريخي، وحتى الدرامي، فـ «قاعة جيمي» ينقل لنا قصّة حقيقية للمناضل جيمي جرالتون الذي كان أحد هؤلاء المقاومين ممن رأيناهم في «الريح التي تهزّ الشعير».

لم يتوانَ كين لوتش عن إظهار دور الكنيسة أثناء حرب الاستقلال وما بعدها، في الفيلمَين. ففي «الريح التي تهزّ الشعير» صفّت الكنيسة إلى جانب الفئة من الإيرلنديين التي اتفّقت مع البريطانيين وحكمت البلاد، وقد قالها صراحة بطل الفيلم الذي رفض الاتفاق مع المحتلين وخسر أصدقاء ورفاق سلاح ثم أُعدم، قال موجّهاً كلامه إلى القسّيس في الكنيسة أنهم لطالما صفّوا مع الأغنياء، وهي الفئة التي أيّدت بغالبيتها الاتفاق. إلا أن حضور الكنيسة ودورها في فيلم 2006 لم يكن أساسياً كما في فيلم 2014، فالصراع فيه كان بين من رفض الاتفاق مع المحتل البريطاني ومن وافق، وهو شأن سياسي. في فيلم «قاعة جيمي» كان الصراع بين جيمي وأصدقائه وبين حلف تقوده الكنيسة، وهو صراع اجتماعي وثقافي أساساً.

وإن أردنا تجسيد طرفَي الصراع بشخصيّتين سيطرتا على معظم مشاهد الفيلم فهما جيمي جرالتون والقسيس، ما أعطى لوتش مساحة واسعة يستطيع بها انتقاد الكنيسة وممارساتها وانحيازاتها آنذاك. فنرى القسيس بمشاهد أقرب للتهكّمية يقف فيها مع مساعدته أمام باب القاعة مدوّناً أسماء القادمين إليها للمشاركة في سهرة رقص وغناء، محاولاً منع بعضهم وابتزاز آخرين، في صباح اليوم التالي في عظة الأحد يذكر الأسماء علناً مخيّراً إياهم بين جيمي وبين المسيح. وفي لقطة أخرى يحاول خفية أن يستمع إلى إسطوانة لمغنة جاز أمريكية بعدما اقتنى مشغّل اسطوانات «غرامفون»، وذلك إثر إحضار جيمي لغرامفون وإسطوانات موسيقى الجاز إلى القاعة، ما حاول القسيس نفسه منعه قائلاً في عظة الأحد ذاتها أن هذه الموسيقى قادمة من مجاهل إفريقيا، محاولاً شيطنتها.

يبقى أن نذكر أن اللقطات الأشد إبهاراً كانت ما رأيناه من والدة جيمي التي لم تتكلّم إلا قليلاً طوال الفيلم، لكنها كلمات تعلق في ذهن المشاهد لعمق ما تصوّره من علاقة بين جيمي ووالدته، أو بين أي أم وابنها. فحين خرج جيمي من بيته هلعاً ينظر إلى القاعة تحترق، لحقته والدته معلّقة: من الجيّد أنك لم تكن فيها. في مشهد آخر يقترح عليها جيمي أن يتركا البلدة بعد كل المضايقات، تردّ بأن حذاءه مهترئ وقد نظّفته أمس وأنه بحاجة لشراء غيره. وحين أتت الشرطة لاعتقاله وترحيله مجدّداً فسحبوه خارجاً من البيت، لحقتهم طالبة منهم توديعه أو تبديل معطفه على الأقل. وحين عاد وصعد إلى غرفته لتبديل معطفه وهرب من خلال النافذة، أغلقت الباب بالمفتاح وخبأته وحبست عناصر الشرطة داخل بيتها متيحة لابنها الهرب.

في «القدس العربي»

Print

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s