سياسة
Comment 1

المقاومة في مفهومَين: واحد لحماس والآخر لنظام الأسد.. عن ادعاءات «عودة حماس لحضن المقاومة»

مع كلّ حدث فلسطيني، يعود لنا مفهوم المقاومة أكثر انكشافاً. أساساً، فقد كشفت السنوات الثلاث والنصف من عمر الثورات العربية وتحديداً منها السورية، إدراكَ وتفسيرَ النظام السوري وحاشيته الإعلامية لهذا المفهوم، فتحوّل عندهم إلى مكتمل، ويعود بكليّته إلى النظام السوري، أي أن لـ «لمقاومة» تفسيراً واحداً لا ثاني له، ومكتملاً لا يحتمل تأويلات، وهو التفسير المعني بمدى قرب الخطاب والممارسة من النظام السوري أو بعدهما عنه، فيحوزان بقربهما شرعية هذه التسمية، ويفقدان ببعدهما أي توصيف مقاوِم.

كانت مصالح النظام السوري محورَ المواقف التي اتخذها مثقفون وصحافيون في كل ما يخص معنى المقاومة، وكان كل تفسير في أي تفصيل في المسألة الفلسطينية أو السورية خلال السنوات الأخيرة، خاضعاً لمنطق القرب من أو البعد عن مصالح النظام السوري. أي أن القضية الفلسطينية بشتى أشكال وتمثيلات المقاوَمة فيها، وتحديداً حماس، صارت تُقاس مقاومتُها بمدى قرب هذا التمثيل أو ذاك من النظام السوري، وهذه لم تكن في صالح حركة حماس أبداً. لذلك (ولحسن حظ الحركة في الحقيقة) انهالت عليها حاشية النظام الإعلامية خلال فترة طويلة من عمر الثورة السورية واصفة إياها بالخارجة عن حضن المقاومة، ولا يخفى السبب، وهو انحياز قواعد حماس بشكل حاسم للثورة السورية وتراوح قيادات الحركة بين الانحياز نفسه وإن بخجل، وبين الحذر من تبعات ذلك.

إذن فحركة المقاومة الإسلامية في فلسطين كانت قريبة من المقاومة التي يفهمها النظام السوري وحاشيته بقدر ما كانت قريبة من هذا النظام، وهذا ما جرّدها (لديهم) من توصيف «المقاوِمة» خلال السنوات الأخيرة، علماً أن الحركة ذاتها لم تغيّر لا في خطابها السياسي فيما يخص المقاومة، ولا في ترجمة هذا الخطاب لممارسات إن تطلّبت الحاجة، والخطاب والممارسة المذكورَين تنطبق عليهما كافة معايير المقاومة التي يقوم بها أي تنظيم تجاه أي قوة احتلال، وآخر هذه الترجمات وأكثرها ألقاً هي مقاومتها في غزّة أخيراً، والتي أثبتت بأن الحركة عملت جيّداً خلال الفترة الأخيرة على تمكين قوّتها الدفاعية، لتمتلك صواريخ محليّة، أكثر دقّة وتصل تل أبيب والقدس وحيفا وما بعدها.

فحماس هي هي، لم تغيّر لا في خطابها ولا ممارستها، بل على العكس ازداد الخطاب والممارسة المقاومَين شدّة وقوّة، واليوم تصنع حماس مع باقي مكوّنات المقاومة في غزّة مقاومة لم تشهدها إسرائيل في كافة حروبها مع العرب، بشهادتهم. أقول ذلك على خلافي معها فكرياً وسياسياً وثقافياً، وانتقدتُها وما أزال أنتقدها كحزب سياسي، ومازلتُ أريد لها أن تبقى في مكانها كحركة تحرّر، لا كحزب حاكم يحاول فرض أسلوب حياة معيّن على المجتمع الغزّي.

لن أضطرّ، لاستكمال فكرة هذه الأسطر، للتذكير بكل نقائض محور الممانعة (أو المقاومة) مع المفهوم المجرّد للمقاومة، وكذلك مع حركة حماس كأحد أبرز تمثيلات هذا المفهوم عربياً، بل أبرزها.

انكشف خلال السنوات الأخيرة معنى المقاومة لدى النظام السوري وحاشيته وحلفائه، أنه يَكمن في أفرع الأجهزة الأمنية في دمشق، فممارسة النظام بعيدة تماماً عن المقاومة (اكتفى بخطاب بروباغاندا زائف) إن كان بمعناها المجرّد أو كممارسة تجاه إسرائيل، وفي السنوات الأخيرة وصل الابتعاد درجةَ التناقض، ضف عليه تأييد حماس للثورة السورية وخروجها من دمشق واستعداء النظام لها ولمكاتبها وممثليها في سوريا. وهذا البعد المضاعَف، بل التناقض، جعل من النظام وحاشيته الإعلامية ينقلون مفهوم المقاومة بحدّ ذاته، من مكانه المجرّد أو الممثَّل في فلسطين، إلى ساحات الحرب التي يشنّها النظام على السوريين. أي بابتعادهم عن المفهوم الثابت للمقاومة، توهّموا وأوهموا الناس بأنه متحرّك وأن الثابت هنا هو النظام السوري، فصار المفهوم ملحقاً بالنظام، صار النظام هو المحور والمقاومة تلفّ حوله، فصارت المقاومة هي كل ما يصدر عن النظام وحلفائه، وتتحدّد بهم، وصار بالتالي بُعد هذا التنظيم أو ذاك عن النظام السوري هو بُعد عن خطاب وممارسة المقاومة، وهذا ما جعل حماس عند هؤلاء، بعيدة عن المقاومة، وهذا ما جعلهم يصرّحون بكل صلافة أن الحركة بمقاومتها إسرائيل الآن إنما تعود إلى محور المقاومة وحضنها.

الحقيقة أن حماس لم تتغيّر، وأنها لم تقصّر في الرد على الهجمات الإسرائيلية مؤخراً، بل وأدهشت إسرائيل قبل غيرها، بمقاومتها هي والكتائب المقاتلة الأخرى. إنما الحاصل هو ابتعاد النظام السوري وحزب الله كحليف رئيسي، عن «المقاومة» بقدر ما المفهوم مقترن بالمواجهة مع إسرائيل، واقتراب حماس من «المقاومة» بقدر ما المفهوم مقترن بالمواجهة مع إسرائيل كذلك.

لذلك سمعنا وقرأنا كثيراً خلال الحرب الأخيرة في تلفزيونات الممانعة وصحفها أن حماس «عادت لحضن المقاومة»، أي مارست فعلاً مقاوِماً وهي بذلك تعود لحضنٍ محورُه هو نظام الأسد النقيض التام لأي فعل مقاوم تجاه إسرائيل. أما الحقيقة فهي أنّ حماس بمقاومتها هذه ابتعدت أكثر عن النظام السوري، وذلك بقدر اقترابها من المفهوم الفعلي للمقاومة.

هم أنفسهم من أكثروا من «عادت لحضن المقاومة»، ما إن انتهت الحرب على غزّة حتى انهالوا على حماس بكل ما أوتوا من.. ممانعة.

في «فصل المقال»

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

1 Comment

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s