سياسة
اكتب تعليقُا

اللغة الجديدة التي أكسبتنا إياها غزّة هذا الصيف.. عن ثنائية الضحية/المقاومة، والتضامن الأممي

كانت اللغة من بين ما غيّرته الحرب في غزّة هذا الصيّف. اللغة التي يَفهم العالمُ بها القضية الفلسطينية ويبني تضامنه على أساسها، واللغة هذه بوجهَين يُكملان الصورة إنما يختلف حضور كل منهما إذ لطالما طغى توصيف «الضحية» على شعبنا، على توصيف «المقاوم».

أن تكون ضحية لقوة احتلال فهذا، بما تحمله الكلمة من استضعاف، توصيف آلي دائم لأي شعب محتل، ولذلك تبقى الصورة المسيطرة له في أذهان العالم أنه المستضعَف والمستحق، لذلك، تضامنَ أصحاب الضمائر في العالم، وهذا الغالب على اللغة التي يتعامل العالم بها معنا، كفلسطينيين، فنحن إما لاجئون في المخيمات والشتات وإما قابعون تحت الاحتلال وفي سجونه في الضفة وغزة وإما خاضعون لقوانين ومؤسسات عنصرية في أراضي الـ ٤٨. هذه هي اللغة الغالبة في التعامل مع الفلسطيني، وهذا المبرّر الأساسي لتضامن الآخرين معنا، معظمهم على الأقل، وهذه الصورة المسيطرة للفلسطيني في العالم: المستَضعف الذي، لذلك، نتضامن معه.

لكن إن كنّا أقوياء في مرحلة تاريخية ما، هل نفقد مبررات التضامن، تضامن لعدالة قضيّتنا ولحقّنا في مقاومة محتلّنا دون أن يحمل هذا التضامن رواسب الشفقة الممتدة للآن منذ النكبة؟

منذ الخمسينيات بدأ الفلسطينيون بتنظيم حركات مقاومة بدأت تتخذ شكلها الأكثر تنظيماً مع جورج حبش وياسر عرفات، لتتأسس لاحقاً الفصائل الفلسطينية، وبدأت تحفل اللغة الفلسطينية بمفردات كـ «الفدائي» و«الثورة» و«التحرير» معلنة لغة جديدة في التعامل مع القضية، غير تلك المثيرة للشفقة. لم تنقطع هذه اللغة عن تاريخ قضيتنا حتى يومنا هذا، تراوحت بين هبّات وانتفاضات وعمليات فدائية واشتباكات مسلّحة لنصل اليوم إلى صواريخ المقاومة في غزّة، والتي مالت فيها الكفّة، للمرّة الأولى إن لم أكن مخطئاً، لصالح هذه اللغة، على حساب لغة «الضحية»، لتصير «المقاومة» هي الكلمة الأكثر حضوراً وألقاً في الحرب الحالية، فالتضامن مع غزّة اليوم لا يجب أن يكون لما قدّمته من ضحايا خلال هذه الحرب وحسب، بل لمقاومتها التي فاجأت مؤيديها قبل أعدائها.

المقاومة اليوم في غزّة لا تنفي كل حالات الصمود والمقاومة التي شهدها الشعب الفلسطيني، بل تستكملها، تتراكم عليها، هي نقلة نوعية فيها، مرحلة جديدة من هذه المقاومة التي صارت، بنسختها الغزّية في ٢٠١٤، تفرض شروطها على المحتل وتقاتله كندّ.

فلسطينياً وعربياً، سيطرت «المقاومة» على لغتنا في تناول الحرب الحالية على غزّة، وقد انعكس ذلك على الإعلام الذي وزّع لغته بين «ضحاها القصف الإسرائيلي» وبين «مقاومة الكتائب المقاتلة» في غزّة.

لكن ماذا عن الآخرين؟ شهد العالم أجمع مظاهرات لفّت مدناً وعواصم معبّرة عن تضامنها مع غزّة الخاضعة لقصف إسرائيلي شهدت الأرقام والقصص والصور والفيديوهات على وحشيته. وهذا ما لمسته شخصياً في تعاطف أصدقاء فرنسيين كان ما رأوه في غزّة هو القصف الإسرائيلي والضحايا الأطفال. وحين أخبرتهم أنه في المقابل هنالك مقاومة وهذا أمر جدير بالتوقف عنده وتأييده، تلعثموا.

المقاومة في غزّة فرضت نفسها على المحتل بالشكل الأكثر إثارة للإعجاب، وفرضت نفسها فلسطينياً حيث ظهرت جليّة اللغة الأخرى في التعامل مع القضية الفلسطينية، بين الفلسطينيين: أنّنا وإن كنّا ضحايا، إلا أننا نقاوم. وهذه لا بدّ من التوقّف عندها.

يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن للآخرين أن يتضامنوا مع الفلسطينيين كمقاومين، دون الرواسب المتجدّدة للشفقة تلك؟ لا أعتقد بأن أي تضامن مع شعب محتل لكونه الضحية، ستكتمل صدقيّته وديمومته (لا موسميّته «الإنسانية») إن لم يترافق ذلك بتضامن صريح مع حق هذا الشعب بالمقاومة، أما أسلوبها فهذا شأن الشعب المحتل/المقاوم، لا الآخرين. إن كان التضامن مبدئياً، فليكن مفتوحاً.

اللغة المرفقة بالتحرّكات التضامنية في العالم لا بدّ أن تتغيّر، لأن اللغة أساساً تغيّرت فيما يخص القضيّة الفلسطينية لدى أصحابها. أي أنّ التضامن بداعي الشفقة أو الوقوف مع الضعيف المحتل المعاني لن يكون مقنعاً تماماً لدى الفلسطينيين، سيظل قاصراً ما لم يتكيّف مع اللغة الجديدة التي أوجدتها المقاومة في غزّة. فمظاهرات تكتفي بمفردات كـ «مجزرة» و «احتلال» و «اجتياح» و «F16»، وغيرها، لن تتكيّف مع اللغة الفلسطينية كما هي الآن ما لم تدخل إلى معجمها مفردات كـ «مقاومة» و «صواريخ»، و «القسّام» وحتى «R160» الصاروخ الذي ضربت به «القسامُ» حيفا.

إن لم تدخل اللغة الجديدة بمفرداتها إلى حركات التضامن في العالم، سيبقى التضامن ضمن الحدود الإنسانية الشفوقة، في الوقت الذي يحتاج فيه الفلسطينيون تضامناً سياسياً واعياً، وتضامن كهذا مع الشعب المحتل يتعدّى الحدود الإنسانية، ما يجعله تضامناً كذلك مع حق هذا الشعب بالمقاومة، وبالشكل الذي يختاره، وبالتالي يتبنّى لغته ذاتها، فاللغة الأشد تعبيراً عن الشعب المحتل هي النابعة من بين أفراده، مقاتلين ومدنيين، والتضامن مع هذا الشعب لن يكتمل ما لم يتبنّ لغة هذا الشعب، والآن المفردة الأشد حضوراً لدى الفلسطينيين هي «المقاومة»، وأي تحرّك تضامني اليوم مع غزّة لا يولي اعتباراً أساسياً لهذه المفردة لن يكون تضامناً سياسياً واعياً.

كما أن اللغة انعكاس للواقع، فإن للغة والواقع انعكاسهما على الثقافة الفلسطينية، تحديداً على إحدى مراحل التراكمات الثقافية للشعب الفلسطيني. وكما ذكرت فالمقاومة الحالية هي امتداد لأشكال أخرى منها كان لها انعكاسها ثقافياً، بيّن ذلك غسان كنفاني في كتابَيه «أدب المقاومة في فلسطين المتحلة» و«الأدب المقاوم تحت الاحتلال»، لكن شكل المقاومة في حينها كان بالصمود والتمسّك بالأرض والإجهار بالانتماء للشعب الفلسطيني واللغة العربية، ومنها وحتى يومنا توالت أشكال المقاومة، وتراكماتها الثقافية المساهمة في تأسيس صورة الفلسطيني لدى الآخرين. لكن اليوم، هنالك الجديد، فلم يعد يليق بالمقاومة استضعافها، صارت مؤذية ومحرجة لجيش الاحتلال ومؤسساته بالمعنى المباشر، ومن أراد اليوم التضامن مع القضية الفلسطينية بمعزل عن تأييد مقاومته، الشكل الجديد لسيرورة المقاومة الفلسطينية، سيجد نفسه متضامناً مع صورة المستضعَف للفلسطيني، متضامناً معه كـ «ضحيّة» لا كـ «مقاوم»، طالما يتلقّى الضربة ولا يردّ عليها، أي تحديداً متضامناً مع الصورة التي يريدها هو للفلسطيني أن يكون عليها، وهي الصورة الكلاسيكية للشعب المحتل، ولا يخلو ذلك بالمناسبة من نظرة استشراقية لا ترى في شعبنا غير ضعفه ودونيته بالمقارنة مع محتلّه، شعب لا تليق به القوّة وإيذاء المحتل.

مفردة المقاومة نفسها اكتسبت معنى جديداً في غزّة هذا الصيف، اللغة الفلسطينية اختلفت. ثقة الفلسطينيين بلغتهم الجديدة وبصانعيها، المقاومين، اكتسبت حضورها بين الناس. سينعكس ذلك على ثقافتنا التي بُنيت لزمن طويل على أشكال من المقاومة غير التي تصنعها غزّة على الأرض الآن، وانعكست على لغتنا ولا بد أن تنعكس على الآخرين. أي تضامن مع أساس القضية ومع حق الفلسطينيين في المقاومة وبالأشكال التي يختارونها، لا بدّ أن يكتسب لغة الفلسطينيين الجديدة نفسها، وأساسها: «المقاومة».

في «الدوحة» الثقافية

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s