سينما
اكتب تعليقُا

فيلم «خرائط إلى النجوم»، مكاشفة لأسلوب الحياة في هوليوود.. عن جذرية النقد في الفيلم للمجتمع

قد لا نستغرب إن عرفنا أن المخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ بدأ بعرض مشروع فيلمه على أكثر من منتج لما يقارب العشر سنوات إلى أن استطاع أن يجد شركة إنتاج كندية تمّول الفكرة والسيناريو الذي كتبه بروس واغنر، ليصيرا فيلماً. أحد المنتجين في هوليود قال لكروننبيرغ: لن أفعل ذلك بصناعة أحبّها، يقصد السينما.

قد لا نستغرب ذلك إن عرفنا لا موضوع الفيلم فحسب، وهو هجاء لأسلوب الحياة في هوليود، بل شدّة النقد لحياة نجوم هذه المدينة، ولعلّ الأشدّ «فداحة» في الفيلم هي شدّة المكاشفة التي يصوّرها كوننبيرغ في فيلمه الذي وُصف في الصحافة كهجاء ساخر وكوميديا سوداء لحياة النجوم هناك، إلا أن المخرج الكندي نفسه أصرّ على أن ما فعله إنما هو نقل واقعي لأسلوب حياتهم قائلاً بأنه لم يأت بمبالغات، وأن كل هذه الأمور قد حصلت فعلاً. ولأنه كذلك على الأغلب، يمكن إضافة تصنيفات عدة للفيلم لكل منها مبرّرها: كالدراما، للحبكة المعقّدة والمأساوية فيه. الرعب، للظهور المتكرّر لأرواح أموات يتخيّلها بعض أبطال الفيلم. إضافة لما يعرف بأفلام «psycho killer» المبنية على جرائم قتل يقوم بها مضطربون نفسياً، وذلك لما في الفيلم من جرائم قتل يقوم بها، فعلاً، مضطربون نفسياً.
فيلم «خرئط إلى لنجوم» (MAPS TO THE STARS) الذي بدأت عروضه الأوروبية بالتزامن مع مهرجان «كان» لهذا العام (تسبق العروض الأميركية) يصوّر حياة المشاهير العاملين في مجال السينما، في هذه المدينة الأميركية، وقد يشير العنوان إلى بعض المصائر في الفيلم من خلال لعب على كلمة «نجوم»، قد نفهم منه الطريق إلى النجومية في هوليود وهو هاجس معظم الشخصيات في الفيلم، أو الطريق إلى النجوم في السماء (الموت) كما هو أيضاً مصائر بعض الشخصيات التي أودى بهم الطريق إلى «النجومية الدنيوية»، إلى «النجوم السماوية» المتكرّر ظهورها، وهي استعارة مجازية ظهرت جليّة في الفيلم الممتد لـ 111 دقيقة.
ينقل الفيلم من خلال شخصيتين نسائيتين عالمين متوازيين في هوليود، الأولى هي هافانا سيغراند، بأداء ممتاز لجوليان مور التي نالت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان» الحالي، والثانية هي أغاثا ويس، وقامت بدورها ميا واسيكوسكا.
إستناداً إلى الشخصيتين الرئيسيتين يصوّر الفيلم حياة عائلة ويس الساعية بجنون خلف الشهرة والمال، هافانا هي إحدى مريضات رب الأسرة، المعالج الفيزيائي «الرورحاني» المتقمّس لدور الدلايلاما إنما بنسخة حديثة تلائم الزبائن النجوم في هوليود. أما أغاثا فهي ابنته التي هجراها هو وزوجته. ومن هذه العائلة وشبكت العلاقات بها ينقل لنا الفيلم بعض أساليب الحياة هناك.
التناقضات في الشخصيات التي ينقلها الفيلم تعطي فكرة عن مدى الهشاشة في هذا المجتمع، وعن مدى تفشّي كل ما يخطر على البال من انحلال أخلاقي، إضافة إلى الرياء والتملّق، وكل ذلك كحالة متفشّية وعامة بين نجوم هوليود، ما أصرّ «نجوم الفيلم» على أنه لا يحوي مبالغات في ذلك.
يقوم الممثل جون كوزاك بدور رب العائلة، المعالج الفيزيائي والروحاني ستافورد، الذي لا يتوانى عن استخدام العنف الجسدي مع ابنته، والمتزوّج من كريستينا (تقوم بدورها أوليفيا ويليامز) له منها ابنتهما أغاثا المضطربة نفسياً والتي تأتي إلى هوليود في لقطات الفيلم الأولى باحثة عن أهلها وعن عمل هناك، لتعمل مساعدة شخصية عند هافانا، النجمة السينمائية وإحدى مريضات أبيها.
أما السؤال عن مكان أغاثا الذي أتت منه فهو مستشفى لأمراض نفسية وضعاها فيها أبواها بعد محاولتها لحرق بيتهم، تركاها هناك وهجراها إلى هوليود، وقد حاولا بالإقناع وبالعنف و«بالمال» إثر عودتها إليهم لإجبارها على أن تتركهم بسلام، أما لماذا أحرقت أغاثا البيت ولماذا رموها في مستشفى وهجراها وجهدا لتتركهما وابنهما بسلام، فهو اكتشافها أن أبيها وأمها أخوة، أن أبيها متزوّج من أخته وأنها ابنتهما.
نرجع للأب، ستافورد، الروحاني صاحب النصائح المثالية لنجوم هوليود، وما في حياته من تناقضات. فزوجته/أخته لا تخفي اضطرابها الدائم في الفيلم، معبّراً عن ذلك توتّرها أثناء الكلام وبكاؤها الهستيري، إضافة إلى تقبّلها لإهانات ابنها، الممثل المراهق، الذي تدير أعماله.
أما بينجي ويس (يقوم بدوره إيفان بيرد) ابنهما المتعجرف، فهو ممثل نجم غارق في نرجسيته التي تقوده إلى قتل طفل يشاركه أحد الأدوار في فيلم بسبب «غيرة مهنية»، هذا المراهق خرج مؤخراً من مركز إعادة تأهيل، متورّط في المخدّرات، علبة البيرة لا تفارقه أينما ذهب، يعامل أمه مديرة أعماله باحتقار، كذلك أخته وأبيه، يتردّد إلى ملاهي ليلية، يقتل كلب صديقه بمسدّس، ويترافق ذلك كلّه باحتقاره لجميع من حوله. هذه هي عائلة المعالج الفيزيائي والروحاني ومؤلّف كتب من تلك التي تدلّ الناس على كيفية تخطّي مشاكلهم والنجاح في مجتمعاتهم.
لا ينتقد الفيلم من خلال نقل واقعي أجواء صناعة السينما فحسب في هوليود، بل سيكولوجيا صنّاع الأفلام هناك، إضافة إلى المجتمع برمّته، أو ما يُعرف بـ «السيكولوجيا الاجتماعية». تلعب جوليان مور دور هافانا، النجمة الهوليودية الآفلة الساعية بشتّى الوسائل لنيل الدور الرئيسي لفيلم قيد «التصنيع» يتناول حياة والدتها، النجمة السينمائية هي الأخرى، والتي ماتت بحادث حريق. لهافانا كذلك اضطرابها النفسي، تترقّب بتوتّر ويأس إمكانية أن تنال دور والدتها في الفيلم، يصير الأمر جاهسها، تلجأ لمعالج فيزيائي وروحاني يقنعها بأنه يُخرج التوتّر من فخذيها، بعلاجه تسترجع هافانا ذكريات اعتداءات جنسية «فتلفظها» لترتاح من عبئها. تلتقي بالممثلة التي تم اخياترها لأداء دور والدتها، بصحبة طفلها على مدخل مركز تجاري، تتملّقها. بعد ساعات يصلها خبر موت الممثلة المفترضة في حادث سير، هي وطفلها. تفرح وتشمت لاحتمال أن تُستبدل بها وتأخذ هي الدور، تغنّي وترقص لهذا الفرح دون أدنى حس أنساني ليردعها. هافانا هذه وكي ترفع التوقّعات باختيارها لتمثيل الدور، تدخل في ممارسة جنسية ثلاثية على سرير واحد يشترك فيها أحد المنتجين، كما أنها لمجرد معرفتها أن سائق الليموزين (يقوم بدوره روبرت باتينسون) على علاقة مع مساعدتها الشخصية أغاثا، طلبت منه أن يمارسا الجنس على المقعد الخلفي من السيارة سائلة إياه أيهما أجمل وأكثر إثارة، كبوح عن الصورة الدونية والمتشكّكة التي ترى نفسها فيها، لوحدتها أولاً ولتجاهلها من صنّاع الأفلام ثانياً كونها لم تعد تلك الممثلة الشابة. تراهما أغاثا من خلال نافذة قصر هافانا. النتيجة، جريمة بحق إحداهن ودماء تملأ المكان.
نالت جواليان مور عن دورها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان «كان» الذي جرى في شهر مايو/أيار لهذه السنة، وذلك على الأغلب للتناقض الداخلي والخارجي في الشخصية التي لعبتها بتميّز، الداخلي فيما يتعلق بأحلام يقظتها واضطرابها وانفعالاتها غير المبرّرة، وخارجياً في محاولاتها لأن توازي ذلك الاضطراب الداخلي مع تأنّق في الشكل والمسلك لا يفارقه تملّق الآخرين بما يمكن أن يصدر عن شخصيّة تبدو متّزنة، وليس ذلك بالأمر السهل لأدائه تمثيلاً.
الفيلم تجربة جريئة وفريدة في شدّة وواقعية النقد الذي تناول فيه حياة النجوم في هوليود، والذي تناول فيه الطريق إلى هذه النجومية حيث الحرائق هي أكثر ما يجمع بين النجوم. وإن كانت هذه الحرائق من خلال بعض المشاهد وكذلك ملصق الفيلم حاضرة بمعناها المادي والحرفي، هي أساساً حاضرة بمعناها المجازي في عموم الفيلم من خلال الخراب الذي يمكن أن تسبّبه الحرائق في كل البُنى، نحكي هنا عن حرائق نفسية واجتماعية كفيلة بتخريب حيوات الناس بين أنفسهم كخراب نفسي داخلي وبينهم وبين بعضهم كخراب اجتماعي خارجي، أما ما يميّز الخراب الذي تسبّبه الحرائق عن غيرها، فهو استحالة إعادة التعمير، هنا على الأغلب تكمن جذرية النقد في «خرائط إلى النجوم».

في الدوحة الثقافية 

maps4563

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s