سياسة
اكتب تعليقُا

كراسات ماركسية: مشروع سلامة كيلة لفهم، لا تلقين، الماركسية

 أول ما قد يتبادر للذهن إن عرفنا أن هنالك مشروعاً باسم «كراسات ماركسية» سيعيد نشر نصوص كلاسيكية للماركسية، هو السؤال عن آنيّتها وربطها بحال الثورات التي تعيشها عدة بلاد عربية، بالإمعان أكثر في سؤالنا سنربطها بطبيعة استجابة مجمل الحركة اليسارية العربية لحال هذه الثورات، وهذا سؤال سياسي بمعناه المباشر.

إلا أننا ومن خلال مقابلة مع المشرف على المشروع الكاتب سلامة كيلة، سنعرف أنه مشروع قديم بدأه في 2007، ما يمكن أن يفي المشروع أساساً حقّه في التوصيف بأنه تلبية لحاجة ثقافية واجتماعية وفكرية قبل أن تكون سياسية، في وقت لم تكن المصداقية التاريخية لمجمل الحركة اليسارية العربية على المحك كما هي الآن ولأسباب سياسية، بعدما تبعت نظام الأسد في حربه الوحشية، وبعدما تبعت السيسي في الديكتاتورية الجديدة التي ينشئها، وذلك بما يناقض تماماً كل ما بُنيت عليه جماهيرياً ونخبوياً من «منطلقات» إنسانية ووطنية وطبقية و «نزعات» نقدية وثورية. من ذلك يمكن أن نفهم أن المشروع لم يأت أساساً ليرد على هذا اليسار الرسمي الشائخ، كونه أتى كتلبية لحاجات ثقافية واجتماعية في وقت كان أقل وطأة سياسياً، وأكثر ترفاً لنفكّر بالهم الثقافي. لكننا سنعرف أن المشروع توقّف وأنه أعيد بناؤه اليوم مع دار «روافد» للنشر (تفاصيل أكثر عن المشروع توجد في المقالة التالية). الحاجة الثقافية والاجتماعية لمشروع كهذا لم تفنَ، بل هي اليوم أكثر عمقاً، إلا أن حال الثورات العربية فرض على المشروع سؤالاً سياسياً بامتياز، كونها ثورات لتغيير النظام السياسي بالمعنى المباشر، فلا زال باكراً الحديث عن تغييرات جذرية في المجتمع تحملها الثورات. اليوم يستأنف سلامة كيلة المشروع الذي جعلته حال الثورات سياسياً أولاً، تفرضه حالة طارئة نعيشها كون التغيير الجذري سياسياً لن يكلّف من الزمان ما سيكلّفه التغيير الاجتماعي، ثم سيحمل المشروع بمستويات أقل إلحاحاً أبعاداً أخرى ستحتاج أزمنة طويلة لإحداث التغييرات الجذرية المأمولة. من ذلك يمكن أن نأتي إلى الموقف العام لليسار العربي من الثورات، موقف قد يبدو ملتبساً في حالات معينة كالثورة الليبية على نظام القذافي أحد أكبر ممولي اليسار العربي في الأزمنة الغابرة، وموقف مؤيد وإن باستحياء للثورة المصرية وقبلها التونسية، إلا أنه كان مؤيداً لأسباب السياسة الخارجية لأنظمة كنظامَي مبارك وبن علي، دون إبداء أي اكتراث لمنطلقات الثورتين المذكورتين وهي داخلية ومطلبية بل وطبقية، تتعلق بالكرامة والحرية ورغيف الخبز. يبقى كل ذلك في كفّة، والموقف المؤيد والمشارك للنظام السوري في كفّة، وهذا ما أراه المحرّض الرئيسي لإعادة العمل على مشروع «كراسات ماركسية»، لاعادة الاعتبار للانحيازات الأصلية لهذا المنهج من خلال نصوصه الكلاسيكية. إذن، بقدر ما كانت الحاجة الاجتماعية ضرورية لكراسات كهذه، كما كانت ظاهرة في زمن ما قبل الثورات، بقدر ما جعلتها لا الثورات فحسب، بل موقف اليسار العربي الرسمي منها، حاجة ملحّة تلبية لسؤال سياسي هو الأكثر إلحاحاً، إلى الاجتماع والثقافة وهو السؤال الأشد عمقاً. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن في حاجة أساسية لا أقول لإعادة قراءة الماركسية كأن ما نحتاجه تجديد روتيني، بل لقراءتها بشكلها الصحيح، بعيداً عن اعتبارات مجمل اليسار الرسمي المتنقل من تمويل ديكتاتور إلى آخر، وكذلك لإيلائها أهم اعتباراتها وهي المسألة الطبقية. لا تتوقف أهمية المشروع على الحاجة، الملحة أو/ و العميقة، لكراسات كهذه، بل إضافة لذلك أقول بأن المكتبة العربية لا تقدّم لقارئها تشكيلة عناوين واسعة تتناول الماركسية، إن كانت في الفلسفة أو الأدب أو النقد أو الاقتصاد أو أي من العلوم الإنسانية، عدا عن الابتعاد «الرّهابي» عن النصوص الكلاسيكية التأسيسية كالتي يطرحها المشروع، نصوص لماركس وانجلز ولينين ولوكسمبورغ وآخرين، فيأتي «كراسات ماركسية» لا ليلبي حاجات آنية ومتنوّعة فحسب، بل ليسد نقصاً في المكتبة العربية.

♦♦♦

سلامة كيلة المشرف على «كراسات ماركسية»: الهدف هو فهم الماركسية لا تلقينها

عن مشروع «كراسات ماركسية» الصادر عن دار «روافد» والذي يشرف عليه سلامة كيلة، أحد أهم الكتّاب الماركسيين العرب في أيامنا، أجرينا لقاءاً مع كيلة سألناه فيه بداية عن فكرة المشروع. أخبرنا بأنه ليس أول مشروع لإصدار كراسات ماركسية، فقد بدأ عام 2007 بإصدار سلسلة كراسات ماركسية، صدر منها 13 كراس، وتوقف بعد إبعاده عن دمشق، لكن ستُطبع طبعة جديدة قريباً، حيث أتفق كيلة مع دار نشر على ذلك كما أخبرنا. وحاول إصدار سلسلة أخرى هي سلسلة دفاتر ماركسية مع دار «الفارابي»، صدر منها كراسان وتعثر المشروع. ومن ثم صدرت السلسلة الجديدة عن دار «روافد» في القاهرة. الفكرة الأساسية التي دفعت كيلة إلى إصدار سلسلة كراسات قامت على أن انهيار النظم الاشتراكية قد أفضى إلى تراجع قراءة الماركسية، وحين تلمّس بأن الأمور تسير نحو تفاقم الصراعات الطبقية أواسط العقد الأول، مع انهيار الأحزاب التي كانت تعتبر ذاتها ماركسية، وتلاشيها، توصل إلى أن الشباب سيلعب دوراً في المرحلة القادمة، وسيكون هو الفاعل الجديد، لكنه لا يمتلك وعياً فكرياً نتيجة مجمل الأزمة العامة التي فُرضت في السابق، فبدأ كيلة العمل على تقديم كراسات صغيرة الحجم يمكن أن تشكل مدخلاً لإعادة القراءة ولفهم الماركسية معاً. لذلك بدأ عام 2007 بإصدار السلسلة الأولى. لاحقاً أتت الثورات في البلدان العربية وفرضت ما يمكن تسميته عودة الماركسية، لأن الشباب الذي بدأ يخوض الثورات توصل بتجربته إلى أن عليه أن يطوّر وعيه، وأن الصراع يفرض الاتجاه نحو اليسار، كون الأزمة الاجتماعية هي أساس هذه الثورات كما قال. لهذا أصبح من الضروري توسيع إصدار الكتب الماركسية. وبالتالي عمل على توسيع المشروع ليشمل سلسلة أخرى. وعن العناوين المطروحة أخبرنا كيلة أن السلسلة غير محددة، حيث جرى الاتفاق مع دار النشر على طباعة كراسين كل شهر، وبسعر زهيد وسيوزع جزء منها على أكشاك بيع الجرائد. صدر الكراسان الأولان على أمل صدور الكراسين الآخرين الشهر المقبل. مبدئياً، فقد تحددت الكراسات التي ستطبع في السنة الأولى كما قال. منها كتاب «المسألة اليهودية» لكارل ماركس، و «في التناقض» لماو تسي تونغ، وكتاب «الأجور والأسعار والأرباح» لكارل ماركس، وكتاب «إصلاح اجتماعي أم ثورة» لروزا لوكسمبرغ. و «خطتا الاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية» لإيليتش لينين. أما عن الجديد الذي ستقدمه هذه الكراسات في نشرها اليوم فأشار كيلة إلى أنها كراسات كلاسيكية، حاول في مقدمة كل منها أن يوضح أهميتها أو يشير إلى الزاوية التي يمكن تناول الكراس منها. فكتاب لينين «الدولة والثورة» الذي صدر هذا الشهر، والذي كان يجري تناوله للتأكيد على أن الماركسية تؤكد على حتمية «ديكتاتورية البروليتاريا»، حاول كيلة أن يشير إلى الهدف الذي دفع لينين إلى كتابته، فأهميته تكمن في أن لينين كان يحارب الاتجاه الإصلاحي الذي يرفض الثورة، ليؤكد على حتمية الثورة، في وضع كان الغليان الثوري يتصاعد، وبالتالي كان يؤكد على الانخراط في الثورة وليس الذهاب بعيداً في الميل الإصلاحي. وما تأكيد لينين على الطابع الطبقي للدولة وديكتاتوريتها إلا للقول بأن الطبقة المسيطرة لا تتغير بالإصلاح بل تسقط بالثورة. ولا شك في أن ذلك مهم لنا الآن، وظهر واضحاً أصلاً في سياق الثورات العربية، يقول. على الغلاف الخلفي للكراسات مطروح الهدف الجوهري الذي تُقدّم الكراسات من أجله، وهو فهم الماركسية وتملّك منهجيتها، حيث يعتقد كيلة أن ما كان رائجاً في السابق قام على التلقين وليس الفهم، ولم يُعرف من الماركسية أساسها، أي الجدل المادي، حيث ظل «الماركسيون» (في الغالب) أسرى المنطق التقليدي في التفكير (المنطق الصوري)، ولهذا يشير كيلة عادة إلى أنهم ليسوا ماركسيين، لأن أهمية ماركس تكمن في تأسيس منهج تفكير جديد، وكل القوانين التي توصل إليها، وكل الأفكار والتصورات التي طرحها، قامت على هذا المنهج. لهذا ليس من ماركسية خارجه، يؤكد رفيقنا.

المقالة الأولى في القدس العربي المقالة الثانية في العربي الجديد

85469573111

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s