سياسة
اكتب تعليقُا

أربعة أمثلة على عودة الفلسطيني لنشرات الأخبار: إضراب الأسرى والاجتياحات وحنين زعبي وأبو مازن

عودة الخبر الفلسطيني

عاد الموضوع الفلسطيني في الأيام الأخيرة إلى نشرات الأخبار وفي عناوين رئيسية وفي أكثر من تقرير في اليوم، موزّعة على موضوعَين أساسيين: أولهما إضراب الأسرى الإداريين عن الطعام الذي دخل شهره الثالث، وهم 189 أسيراً يرقد أكثر من 70 منهم في المستشفيات إثر تدهور حالتهم الصحية، وثانيهما هو اجتياحات الجنود الإسرائيليين للأحياء والبيوت والمؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية، وما نتج عن ذلك من مواجهات مع الفلسطينيين، إضافة إلى اعتقالها لما يقارب 600 فلسطينياً، الكثير منهم أسرى إداريون سابقون.

لا تشكّل عودة القضية الفلسطينية إلى النشرات الإخبارية أمراً حميداً بالضرورة. رغم ما في إضراب الأسرى البطولي من مأثرة تحمل بارقة أمل إلى الكثير من الفلسطينيين والعرب بأن مقاومة الاحتلال بصيغتها المباشرة ما تزال حاضرة بل وتأتينا من «عقر داره» في سجونه، إلا أنها لم تكن لتأتي لولا إحساس الأسرى بعجز الآخرين من الفلسطينيين والعرب خارج جدران سجونهم، فبادروا بإضرابهم كأحد أسمى أنواع المقاومة ضد الاحتلال، وكأن مجرّد اعتقالهم وأسر حريتهم ودون، محاكمة حتى، لا تكفيهم.
لذا، لا يجب أن يعمينا «احتفالنا» ببطولة إضراب الأسرى عن رؤية المسبب الرئيسي لهذا الإضراب وهذه المعاناة، وهو عجزنا نحن خارج السجون. وهي معاناة قد تودي بأحدهم إلى الموت في أية لحظة.
العودة الفلسطينية هذه إلى نشرات الأخبار أتت كذلك ضمن عملية اختطاف المستوطنين الثلاثة التي أزيحت جانباً سريعاً لتطغى عليها عمليات الاجتياح وإعادة الاعتقال التي قام بها جنود الاحتلال بحجّة البحث عنهم، وأين؟ في الطناجر وبين الرفوف.
أهالي المدن والمخيمات في نابلس والخليل ورام الله وغيرها واجهوا الاحتلال بالشجاعة التي عوّد الفلسطينيون العالم بها، وبالحجارة في صور ومشاهد تعيد إلى الذاكرة الانتفاضتين، وهذه، بالتالي، عودة حميدة للموضوع الفلسطيني إلى نشرات الأخبار.

الخطف لتسليط الضوء إعلامياً
الموضوعان مرتبطان بأكثر من فرضية واستنتاج، هنالك من افترض أن الخطف جاء دعماً لإضراب الأسرى وهنالك من افترض أنها للتشويش على إضرابهم.
شخصياً أميل إلى أنها داعمة للأسرى بقدر ما يمكن ربطها بقضيتهم، لا عزلها عنهم، أي أن يكون الخطف الذي لا يعرف أحد من قام به، وسيلة لتسليط الضوء إعلامياً عالمياً على جميع الأسرى المخطوفين في السجون الإسرائيلية، بعدما تجاهل العالم إضرابهم عن الطعام، ما يذكّرنا بالهدف «الإعلامي» من خطف الطائرات التي قامت بها «الجبهة الشعبية» في سبعينيات القرن الماضي، وأن يكون الخطف لأسباب بائنة وأهداف محدّدة فيكون الربط واضحاً، وإن صعب ذلك كونه لم يتبنّها أي طرف، إنما يمكن العمل على هذا الربط شعبياً، إعلامياً وصحافياً.
إن كانت الجهة الخاطفة أحد التنظيمات الفلسطينية، واستسحن التنظيم ألا يصرّح بذلك، يمكن للفلسطينيين تبنّيها شعبياً (وقد فعلوا حسبما أظهرت فرحتهم بالعملية) والعمل على إشاعة أسباب الخطف وأهدافه بربطه بإضراب الأسرى المخطوفين، بعيداً (قليلاً) عن حالة فرح عاطفية. في هذه الحالة يكون الشعب الناطق الرسمي باسم الخاطفين.

مثالان على القيادات الفلسطينية
أيضاً، مما أظهرته الأخبار الأخيرة، هو التناقض الكبير بين مثالين على القيادات الفلسطينية، المثال الأول هو محمود عباس الذي أدان عملية الخطف واصفاً إياها بالجريمة والإرهابية، والمستوطنين بالبشر مثلنا مستنكراً خطفهم، كما أنه كرّر تعهّده بأنه سيمنع أي انتفاضة ثالثة قد تلوح بالأفق.
ليس في ذلك أي جديد على عباس الذي لم يتردّد يوماً في التصريح بعدائه للمقاومة وبتنسيقه الأمني مع الإسرائيليين لوقف أي عمل مقاوم واعتقال الفلسطينيين على أساسه، أو «بتهمته»، هذا عهدنا به. لذلك لا أود أن أخصّص لعبّاس أسطراً أكثر هنا للعار الذي يصاحب ذكره أينما حل، إلا أني أسأل عن سبب تقاعس الفلسطينيين حتى اللحظة عن إزاحته وإسقاطه. فأي خبر أو حضور لعباس في نشرات الأخبار لن يكون حتماً أمراً حميداً.
إن كان ظهور أبو مازن إعلامياً وما يتفوّه به في خطابات ومؤتمرات أمراً مهيناً للفلسطينيين، وهو في سوأته أشبه بأخبارالاجتياحات والاعتقالات التي يقوم بها جنود الاحتلال هذه الأيام، فمازال هنالك مثال قيادي أشبه بالطرف الآخر من الأخبار الفلسطينية الأخيرة، أشبه بمواجهة الشبان في الضفة للجنود والاشتباك معهم، وأشبه بالنضال المضاعف الذي يقوم به الأسرى بإضرابهم عن الطعام، هؤلاء أولى بقيادات كحنين زعبي.
لا أعرف إلى أي درجة يمكن توصيف أبو مازن بالقيادي، هو رئيس سلطة تابعة للاحتلال أمنياً وسياسياً واقتصادياً، لكنه بالمعنى الحزبي هو كذلك قائد حركة «فتح» وله جمهوره ومسترزقيه وشبيحته بين الفلسطينيين، لذلك سأقبل بهذه المقارنة مع حنين زعبي وهي عضو حزب «التجمع الوطني الديمقراطي» في الداخل الفلسطيني، في الأرض المحتلة عام ٤٨ من هذه البلد.
زعبي واجهت وتواجه الإسرائيليين في مؤسساتهم رافضة تسمية الخطف بالعمل الإرهابي، وتحوّل موضوع الخطف إلى محاكمة للإسرائيليين بربطه أساساً بعمليات الخطف الجماعية التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي للفلسطينيين، وهي المواجهة التي لا بدّ من الرد بها على الإسرائيليين فيما يخصّ هذا الموضوع، بإعادة السؤال إلى أساسه وهو الاحتلال وأنه هو الإرهاب، وانطلاقاً منه إلى السؤال: أين المخطوفين من شعبنا في سجونكم؟
في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي تفتتح المذيعة المقابلة بالسؤال: هل تتأسفين على أقوالك أن الخاطفين ليسوا إرهابيين؟ لتردّ زعبي: أتأسف أنه لا يوجد نضال ومقاومة كما يجب ضد الاحتلال والاجتياح.
هذا بالضبط ما قصدتُه حين أشرت إلى أن ظهور زعبي إعلامياً كقيادية فلسطينية، أنه هو الأشبه بالظهور الإعلامي لعمليات مقاوِمة للاحتلال قامت بها تنظيمات معيّنة أم قام بها شبّان لا يملكون غير الحجارة للمواجهة مباشرة مع الاحتلال. وهو ما ينسجم مع رغبة زعبي في تكثيف عمليات المقاومة كما يجب، كما تضمّنت إجابتها.

العودة إلى النشرات
يمكن للفلسطيني أن يعود إلى عناوين نشرات الأخبار في أكثر من صيغة، اعتقالات يقوم بها أمن سلطة أبو مازن أو جنود الاحتلال معاً، وهي الصيغة ذاتها التي تظهر في تفوّهات أبو مازن وإعلاناته المتكرّرة لولائه الأساسي، أمن الاحتلال.
كما يمكن للفلسطيني أن يعود إلى النشرات الإخبارية في صيغة أشبه به كشعب صاحب تاريخ من المقاومة والنضال، هذه نراها اليوم في المواجهات مع الاحتلال داخل السجون وخارجا، وهي الصيغة ذاتها التي تظهر في الخطاب الوطني لحنين زعبي وباقي رفاقها.

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s