سينما
اكتب تعليقُا

الفيلم الفلسطيني «جيرافادا» ومبالغاته التائهة.. عن تنميط الخير والشر واستباحة التهويل فلسطينياً

تعاني الأفلام الفلسطينية استسهال تنميطها من خلال اسقاطات سياسية قد يصعب تلافيها. ولا غرابة في ذلك إن كنّا نحكي عن بلد غارق في السياسة حتى أذنيه. العمل السياسي من يوميّات الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، والأعمال الفنية الجادة من أدب وسينما وغيره لا بدّ أن تصوّر هذه اليوميات (أو تتصوّر من خلالها) أو بعضاً منها. هذا بالمفهوم العام، فلا يعني ذلك أن هذه الأعمال، ولنحكِ عن السينما، لا يجب أن تنقل غير ذلك، فلا ضير بفيلم فلسطيني لا يضطر للإشارة للاحتلال الإسرائيلي ونضالات الفلسطينيين وينقل فكرة أو موضوعاً بمستوى فني جيّد.

بدأت هذه الأسطر بأن الأفلام الفلسطينية «تعاني» من استسهال تنميطها، وهو فعل غيرها، من مشاهدين ونقّاد وعموم المتلقّين، أي أن الإسقاط المسبق للسياسة والتوقّع المسبق لما يمكن أن يعرضه الفيلم كونه فلسطينياً، هو ما يجر الكثير من صانعي هذه الأفلام لمجاراة توقعات كهذه والتموضع ضمن تنميطات موضوعة مسبقاً وتسهّل على المتلقّى استساغة الفيلم، أو على الأقل يضمن عدم رفضه كونه يحكي قضية عادلة كالفلسطينية.
لكن بالنظر إلى كل ذلك، كيف يمكن تلقّي أفلاماً فلسطينية تنقل القضية بفيلم سياسي مباشر أو بآخر غير مباشر، تنقله من خلال حبكة تُبنى على مواضيع كالاحتلال ومقاومته وما يحوم حولهما، أو من خلال حبكة لا شيء يربطها بالإحتلال ومقاومته إلا المكان، أنّ الموضوع مرتبط بذلك بقدر ما يتطلّب المكان والزمان (Setting) المأطّرة بهما أحداث الفيلم. ضمن هذه الأخيرة يمكن تلقّي فيلم «جيرافادا» للمخرج راني مصالحة.
اتّخذ الفيلم اسمه (Giraffada) من دمج كلمتَي Giraffe و Intifada وهو دمج تزييني ولعبٌ ذكي على كلمتين. إن كانت الكلمتان فعلاً متقاربتان صوتيّاً، إلا أن لا سبب مقنع في إقحام كلمة إنتفاضة في عنوان الفيلم، غير التقارب الصوتي ولفت النظر.
يحكي الفيلم عن الطفل زياد (أحمد بياطرة) وأبيه الطبيب البيطري في حديقة الحيوانات الوحيدة في الضفة الغربية، ياسين (صالح بكري) الذي يجهد لإنقاذ زرافة اسمها ريتا تعاني من إحباط شديد بعد قصف الاحتلال الإسرائيلي لمدينة قلقيلية بما فيها حديقة الحيوانات، ومقتل زرافة أخرى اسمها براوني.
الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية حصلت أثناء اجتياح جيش الاحتلال لمدينة قلقيلية في العام ٢٠٠٢. الطفل زياد متعلّق بالزرافتين، ومحاولات أبيه لإنقاذ الزرافة المتبقية متعلّقة بابنه. تدخل إلى حياتهما صحافية شقراء فرنسية (لا بدّ أن تنشأ علاقة بينها وبين ياسين، لزوم التنميط) تساعد ياسين في محاولاته، فيسرقون جميعاً زرافة اسمها روميو من إحدى حدائق الحيوان قرب تل أبيب بمساعدة طبيب بيطري إسرائيلي زميل لياسين، ويحضرونها إلى حديقة الحيوان في قلقيلية كعلاج أخير للزرافة الناجية من القصف والمصابة بـ «تروما» ووحدة حادين.
هذه القصة، أما تصويرها ونقلها سينمائياً فهي مسألة أخرى، قد تجعل من القصة فيلماً ممتازاً أو آخر متواضعاً. بالنسبة للفيلم موضوع المقالة، يمكن تلقّيه من زاويتين: كفيلم جمهوره الأساسي هو الأطفال أو كفيلم جمهوره الأساسي هو روّاد السينما من فئة عمرية أكبر.

لا نحتاج الآن للمبالغة في تصوير الشر لدى الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، ففيهم من الشر ما يكفي لنقله والمبالغة في ذلك سينفّر المشاهد العارف بالسينما (لا الطفل) من القضية التي يحاول الفيلم طرحها أو تمثيلها.

نشاهد الفيلم لنعرف أنه، بقسم كبير منه، موجّه للأطفال واليافعين، والبروشور المرفق للفيلم والموزّع في الصالات الفرنسية يشير لهذا الانطباع (كما يشير إلى أن الجدار الذي تشاهدونه في الفيلم غايته حماية الإسرائيليين من الإرهاب الفلسطيني، الكلمتان الأخيرتان طُبعتا بأحرف ثخينة للتشديد!). وعلى ذلك، كفيلم موجّه للأطفال، لا يمكن الحكم عليه ضمن معايير تُبنى عليها مجمل السينما الفلسطينية (أو العربية أو العالمية) وتالياً يُبنى عليها ما نتوقّعه ونتطلّبه منها. كأن تكون أهم هذه التوقّعات، بنظري، الإفلات من الكليشيهات والتنميظات الجاهزة فيما يخص الشخصيات الفلسطينية والإسرائيلية على حد سواء. وعدالة القضية الفلسطينية وكثافة حضورها عربياً تنصب فخاخاً لصالح هذه التنميطات.
وإن استشفّ مشاهد الفيلم أنه مناسب (أكثر) للأطفال لما فيه من تبسيط أنسب لعقول الأطفال وقدراتهم الاستيعابية، إلا أن ليس هنالك ما يشير أو ينبّه لذلك قبل دخول الصالة، على هذا الأساس يمكن مُحاسبة الفيلم وفق معايير يخضع لها أي فيلم فلسطيني، وهذا باعتقادي ما يأمله صانعوه.
بالتالي، الفيلم متخم بالكليشيهات، ولا يشفع لراني مصالحة، مخرجه، أنه فيلمه الأول، لأن تجارب فلسطينية عديدة حاضرة أمامنا الآن وقد فلت العديد منها، وإن بنسب متفاوتة، من تنميطات جاهزة باتت تُنفّر المشاهد العربي والفلسطيني قبل غيره.
من المسائل التي لم أستطع هضمها في الفيلم هي المبالغة في إظهار الخير في الأخيار والشر في الأشرار. ذكّرني الفيلم بهيئة الإسرائيلي واليهودي بالمجمل في المخيال السينمائي العربي القديم، البشاعة المخيفة في هيئته الشبيهة بهيئة «كفّار قريش» في السينما العربية ذاتها، البشعين بشكل يضمن نفور المشاهد منهم قبل أن نعرف حقيقة شخصيّاتهم في الفيلم.
لا نحتاج الآن للمبالغة في تصوير الشر لدى الجنود الإسرائيليين والمستوطنين، ففيهم من الشر ما يكفي لنقله والمبالغة في ذلك سينفّر المشاهد العارف بالسينما (لا الطفل) من القضية التي يحاول الفيلم طرحها أو تمثيلها. لا أحكي عن بشاعة شكليّة فحسب، وهي ظاهرة في المستوطن الذي اقترب من السيارة التي نزل منها ياسين والشقراء الفرنسية تاركين ابنه فيها وحيداً، بل أحكي كذلك عن المبالغات المسرحية في التعابير الجسدية والصراخ لهذا المستوطن. في المستوطنين، وهم متطرّفون متديّنون بطبيعتهم الاجتماعية، شر يكفي لتصويره كما هو لنكون أقرب للواقع أولاً وأكثر مصداقية لدى المشاهد ثانياً، الغربي تحديداً، دون الحاجة إلى التهويل.
المسألة ذاتها ملحوظة عند الجنود الإسرائيليين، هم هذه المرة بلهاء جبناء لا يزيحون بنادقهم عن الزرافة المقتربة منهم لتتجاوزهم وتدخل حديقة الحيوانات. عيبنا كعرب أننا لا نتشاطر على عدوّنا إلا بتصويره كأبله وجبان وبشع ونهوّل ونبالغ في ذلك إلى حدٍّ نفقد فيه مصداقيتنا أمام الآخرين، والأسوأ، إلى حد يصبح تصويرنا له حقيقة في أذهاننا، مبتعدة عن واقع الحال الذي يحكي غير ذلك!
وماذا عن جيرافادا كفيلم للأطفال؟ ممتاز، تبسيطي، مدرسي، يسهل التمييز فيه بين الأشرار والأخيار والمبالغات المذكورة في الفيلم قد تكون ضرورية كمساعدة توضيحية للأطفال، تماماً كأي فيلم مُصنّف لهذه الفئة العمرية، لأن مشاهديه الآخرين، الأكبر عمرياً، سيتفهّمون الحاجة التوظيفية لهذه المبالغات دون أن يرتدّ ذلك على «الرواية الفلسطينية» بالمجمل لعموم نضالنا ضد الاحتلال، وهي رواية لا نحتاج للمبالغة فيها، لا بتضحياتنا كفلسطينيين ولا بكل ارتكابات الإسرائيليين، جنوداً ومستوطنين.
أخيراً، لو تم تحديد «الجمهور المُستهدف» للفيلم من البداية وتوضيحه عبر الأفيش (الملصق) مثلاً، لأمكن تخطّي تعقيدات يصعب حلّها بفيلم واحد موجّه لكافة الفئات العمرية، خاصة وأن الفيلم يطرح بعض جوانب القضية الفلسطينية فيها من التعقيد الكثير. لكل فئة عمرية مقارَبة تختلف عن الأخرى، بل وتعطي أحياناً نتائج عكسية. معروف في علم التواصل أن الرسالة (الفيلم في حالتنا) التي يتعيّن إلقاؤها، أنها تتكيّف وطبيعة الجهة المتلقّية لها. أما محاولة حمل بطيختين بيد واحدة، فله نتائج كارثية على مضمون الرسالة.

في الدوحة الثقافية

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s