سياسة
اكتب تعليقُا

كتابات السجن، ترجمة عربية لرسائل نينو غرامشي إلى أمّه

بالحديث عن الترجمات في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، يمكن القول أن الأدب يطغى على الترجمات التي تسعى دور النشر العربية إلى طبعها لبيعها، والسبب غالباً في الربحيّة النسبية لـ «بيعها» هذه، وإن أردنا التفصيل أكثر في ذلك لأشرنا إلى طغيان الرواية على غيرها من الأجناس الأدبية.

أما فيما يخص النقد والفلسفة وعلم الاجتماع فتحاول دور النشر تجنّبها قدر الإمكان كونها علوماً اختصاصية و «ليست بيّيعة»، وترجمات علوم كهذه تختصّ بها بضع مؤسسات، لا دور نشر عامة، وإن أردنا التفصيل أكثر في ذلك لقلنا أن هذه المؤسسات (والدور) تتجنّب قدر الإمكان ترجمات لنصوص ماركسية في مجالات العلوم الإنسانية كافة. ومن أراد اليوم (من أبناء جيلي مثلاً) القراءة في نصوص ماركسية تأسيسية أو تجديدية مؤثرة في الفلسفة والنقد الإنساني لاستصعب إيجاد ترجمات جديدة، واستسهل تالياً القراءة في كتب مطبوعة قبل عقدين أو ثلاثة ومتاح بعضها على الإنترنت.

لكن رغم هذا الاستسهال تبقى الكتب القديمة المترجمة إلى العربية محدودة، والأهم أنها غالباً تعوزها المصداقية والأمانة لإمكانية خضوعها إلى تحرير وانتقاء مأدلج من قبل الجهة المترجمة لها، فرداً كان أم مؤسسة كحزب شيوعي. الاستسهال الآخر للوصول إلى هذه النصوص سيكون اللجوء إلى لغات وترجمات أخرى غير العربية.

هنالك انطباع عام وفادح بأن الماركسية، بكافة مجالات علومها، اختصاص أحزاب شيوعية وكتّاب يكونون ماركسيين بشكل أو بآخر، وأنها لا تندرج ضمن العلوم الإنسانية العامة كجزء من تراث إنساني يخص الجميع ولا يحتكره (أو يُحكَر على) مؤسسة (الحزب) دون غيرها.

هو الانطباع ذاته بأنها كتلة صلبة غير متداخلة بشكل معقّد يصعب تفكيكه مع مدارس أخرى كالبنيوية في النقد التي نجدها لدى جاك دريدا أو ما نجده لدى بيار بورديو في علم الاجتماع، أو أنها كتلة متماثلة لدى جميع أبناء هذه المدرسة «الأورثودكسية»، بخلاف ما نجده في تجديدات جورج لوكاش وأنطونيو غرامشي والأبعاد التي منحاها إياها، هم وآخرون، وأن المفكّرين إما أن يكونوا ماركسيين «جملة وتفصيلاً» (ويا حبّذا أعضاءَ في الحزب الشيوعي) أو لا يكونوا، في فصل مجحف بين التيارات والمدارس المختلفة.

مناسبة أسطري هذه هي صدور ترجمة عربية لبعض الرسائل التي كتبها أحد ألمع المفكرين الماركسيين وأحد مؤسسي الحزب الشيوعي الإيطالي وقائده لفترة، أنطونيو غرامشي. صدر الكتاب قبل أشهر عن دار طوى للنشر بعنوان «رسائل السجن، رسائل أنطونيو غرامشي إلى أمه 1934-1926».

على الغلاف الخلفي للكتاب نقرأ أنه «الجزء الأول» لنصوص غرامشي المعروفة بـ «دفاتر السجن». لكن وبغض النظر عن الترجمة المتواضعة، هي مبادرة جيدّة أن يُترجم تراث غرامشي أو بعضه إلى العربية، الذي لم يُترجم منه إليها غير مختارات من نصوصه الفلسفية والمعنية بتوضيح مقتضب لبعض مفاهيمه التي أدخلها إلى الماركسية (المثقف العضوي، المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الهيمنة الثقافية، حرب المواقع..) وهي من الترجمات المنشورة قبل عقود.

لكن لمَ صدر الكتاب «رسائله إلى أمه» في أقل من 100 صفحة ولم يتم تضمينها رسائله إلى زوجته وآخرين ليتم نشر نصوصه الفلسفية والشاملة في أجزاء أخرى (ستُترجم كما بشّرت المقدمة)؟ أقول ذلك ونصوص غرامشي التي كتبها في السجن تزيد على 30 دفتراً في 3000 صفحة. كم كتاباً سيتم ترجمته من هذه النصوص إن اكتفى أولّها بـ 97 صفحة؟

على كل حال، تبقى المبادرة جيدة وهي رسائل نُقلت إلى العربية للمرة الأولى كما ذكرت المقدّمة، وكما أعتقد، لكن مشروع غرامشي الثقافي الشامل يحتاج لمؤسسة تتبناه كاملاً، تترجم الـ 3000 صفحة كاملة مع هوامش عريضة (النسخة بين يدي متقشّفة بهوامشها). مشروع ترجمة كهذه هو حاجة عربية عامة جدير بمبادرة جادة ومؤسّساتية، لا فردية (وإن مشكورة) تطلع لنا بترجمة متواضعة جلّ ما يميّزها أنها «الأولى عربياً»!

رغم كل ذلك، هذه رسائل غرامشي إلى أمه، ليست من نصوصه الفكرية، ولا هي نصوصاً أدبية بطبيعة الحال، فلا تكون إذن جودة الترجمة بالأمر المصيري هنا، لذلك من الجيد قراءة الجزء الأول هذا (بانتظار ترجمة الـ 2900 صفحة الأخرى) لقارئي العربية. الجيد فيها أنها تكشف لقارئيها الحس الإنساني والعائلي لهذا الفيلسوف السياسي والقائد الشيوعي الذي ينهي رسائله لأمّه بعبارات كهذه «أقبّلكم جميعكم، أما أنت يا أمي العزيزة فأضمّك بين ذراعي وأبعث إليك قبلاتي اللانهائية. نينو».

في معظم رسائل نينو لأمه يكتب مطمئِناً إياها عن صحّته وأنه يأكل وينام ويكتب جيداً وأنه سيخرج قريباً وأن اعتقاله سياسي وحسب وأن لا سبب لها كي تقلق. لكنه يعرف، كما نعرف نحن الآن، أن ما كتبه لم يتعدّ حدود الطمأنة، فأنطونيو خرج من السجن حيث كان يكتب لأمه، بسبب تدهور حالته الصحّية، ومات بعد ذلك بأقل من سنتين. يكتب لها: «فكّري أنني مطمئن تماماً، ومتيقّن أن هذه القضية ستنتهي نهاية جيدة وسريعاً أو بعد سنتين»، «أرسلي إلي صورة جميلة لك، لكن التقطيها كما لو كنت في البيت ودون فخفخة، أليس كذلك، ودون تأنق زائد، أقبّلك بقوة. نينو».

ومن بين ما كتب لأمّه كان: «وفي العمق، هذا السجن وهذه المحاكمة أنا من أرادها، بطريقة أو أخرى بما أني لم أتراجع أبداً عن آرائي التي من أجلها أنا مستعد للتضحية بحياتي وليس فقط البقاء في السجن، ونتيجة لذلك لن أكون إلا فرحاً ومرتاحاً من نفسي».

في العربي الجديد

p12_20140425_pic2

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s