سياسة
اكتب تعليقُا

سيّدة «شت أب يور ماوس أوباما»، عن الخبث السياسي للإعلاميين وصناعة النجم والدعاية

شت أب يور ماوس أوباما

لا أعتقد بأن الكثير من قارئي هذه الأسطر قد فاتته إحدى لقطات الفيديو المنتشرة للسيدة المصرية منى البحيري التي ظهرت للمرة الأولى قبل أشهر تخاطب باراك أوباما بلغة يُفترض بأنها إنجليزية، مرتدية حجاباً لم ترتد غيره في جميع لقطات الفيديو المنتشرة على يوتيوب وفي جميع مقابلاتها التلفزيونية. السيدة اشتهرت بعبارات كـ «شت أب يور ماوس أوباما» و «سي سي يس سي سي يس مرسي نو مرسي نو» بتلحين واحد متكرّر لا في هذه الجمل فحسب، بل في جميع ما تقول، إضافة إلى أنها في جميع طلّاتها أمام الكاميرات، من الثقيلة في الاستديوهات إلى الخفيفة عبر الهواتف الذكية في الشوارع، تكرّر الجمل ذاتها، الكلمات ذاتها الأخطاء ذاتها. يبقى هنالك هامش من الهفوات والنسيان، إلا أن الخطاب بمحتواه وطريقة إلقائه هو ذاته.

هل أفترض أن السيدة البحيري بحجابها التي اتحفظت به كي تُميَّز جيّداً وبلونه التوركوازي (أو/و الأخضر) الملفت، بعباراتها وأسلوبها وفوق ذلك الأكسِنت التي سيصعب نسيانها قريباً، هل هي حالة تمّ أعدادها بشكل جيّد للقيام بهذه الوظيفة كنوع من إظهار الدعم الشعبي والمحافِظ والمسلِم اجتماعياً للمشير السيسي على السطح إعلامياً (في مقابل الإسلام المتطرّف الذي يمثله الإخوان)؟ وهل يفسّر ذلك التهافت الإعلامي عليها في شكل هو أقرب للاندفاع الجماعي المفضوح؟ لستُ بذلك أفترض أن السيّدة البحيري تمثل الواجهة لحملة إعلامية ظهرت منذ أشهر وتكاثف هذا الظهور في تزامن مع الحملة الدعائية للسيسي ضمن الإنتخابات الرئاسية الشكلية في مصر. أنا فقط أطرح أسئلة وأتشارك والقرّاء شكوكي.

ليست هي المُلامة
إن افترضنا صحّة هذه الفرضيات، لا ألوم هنا السيدة البحيري لما أراه فيها من نموذج للمواطن الفقير الساذج (بالمقارنة مع خبث أصحاب المال والسلطة السياسيين والمسترزقين المتحلّقين حولهم من الإعلاميين والصحافيين). هي المواطنة الضحية للنظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي الثقافي الذي أودى بمصر إلى حالة لم يعد الشعب بقادر على تحمّلها فأشعل ثورته في يناير، نظام هو ذاته تكرّر بنسخة إسلامية مع حكم الإخوان المسلمين ليعيد الشعب استكمال ثورته في يونيو، ليعود العسكر والدولة العميقة في مصر بقيادة السيسي لاسترجاع مكتسبات نظام مبارك بانياً عليه ديكتاتورية عسكرية ستفوق سالفيهما (مبارك ومرسي) طغياناً.
منى البحيري هي ضحيّة لهذه الأنظمة الثلاثة ومتزلّفيها من الإعلاميين المصريين الخبثاء (انظروا إلى الفروق الطبقية بينهم وهم ضمن الإعلاميين الأعلى أجراً في الدول العربية وبين البحيري القادمة من بين فقراء مصر) الذين رأوا في انتشارها الواسع فيسبوكياً ويوتيوبياً مادة جذب للعديد من المشاهدات واللايكات، وهو ما يُضاف إلى السبب الأساس في الاهتمام بها وهو ما ذكرته سابقاً كإظهار لحالة شعبية محافظة إسلامياً تعادي الإخوان وتقابل تطرّفهم الديني، مؤيّدة للسيسي الذي بدوره لم يتوان في أي من خطاباته عن إقحام الدين في السياسة. لا ألوم السيدة البحيري التي صارت نجمة إعلامية من حيث لا تدري (على الأغلب).

البحيري ضيفة منتدى الإعلام العربي
لهذه الأسباب، وتحديداً لتأييدها غير القابل للمهادنة للديكتاتور السيسي، كانت البحيري ضيفة على «منتدى الإعلام العربي» المنعقد في دبي قبل أيام، إلى جانب مؤسسات إعلامية ضخمة ورؤساء تحرير وكتّاب وخبراء وغيرهم (جيّد أنها لم تلقِ كلمة تكون بالإنجليزية على المنصّة!).
من الواضح أن أساس حضور السيدة هو تأييدها للسيسي، ولو كانت طلّاتها الإعلامية داعمة لغير السيسي لما دُعيت (ببساطة) وإن شكّلت ظاهرة إعلامية ما، ثم لانتشارها على نطاق واسع (وقد ساهم الإعلام الخليجي به إن لم يكن أساسه) بل فظيع لما فيه من خواء، هو انتشار غير مؤثر، بل قد يعود على السيسي بتأثيرات عكسية لسهولة وضعها مقابل مؤيدي حمدين صباحي وهم في غالبيتهم من الشباب المثقف المتعلّم المشارك في ثورة يناير منذ أيامها الأولى، إضافة إلى مثقفين وصحافيين. لا يعني ذلك أني من مؤيدي صباحي، أنا أصلاً ضد دخوله في هذه الانتخابات لأنه أولاً خاسر حتماً وثانياً يشرعن بدخوله وخسارته انقلاب السيسي ويصبح جزءاً من نظام «نيو-مبارك»، فقط أضعُ في هذه الأسطر الصورةَ كما أراها.

صناعة النجم الإعلامي
من الذي نظّم أجندة السيدة «شت أب يور ماوس أوباما» في دبي لتظهر في مقابلات عدّة ضمن زيارة يفترض أنها قصيرة لمنتدى الإعلام المذكور؟ ما الذي جعلها «نجمة» المنتدى، مجبِرة صحافيين «تاريخيين» على التنحي جانباً لإفساح المجال لهذه النجومية كي ترطُن الكلام المكرور ذاته أمام العديد من الكامرات؟
سآتي هنا على فكرة «النجم الإعلامي» وصناعته، أليس هنالك أي معايير تحدّد هذه النجومية؟ أو أليس هنالك من حد أدنى من الثقافة والنباهة تحدّد هذه النجومية؟ في الحقيقة قد لا تبدو هذه الأسئلة مشرّعة إن أخذنا بعين الاعتبار أن الإعلام (بقسمه الأعظم: الماين ستريم ميديا) ما فتئ يصنع من الحمقى مشاهير، وهنا أقصد «كيم كاردشيان» وليس السيدة البحيري.
ليست النجومية الإعلامية دائماً أمر حميد، لنبتعد عن الشعبوية (بمعنييها الإيجابي والسلبي) التي جرّتنا إليها السيدة البحيري ولنأت إلى المجال السياسي، إلى البرامج السياسية والمقابلات والمداخلات لسياسيين، وتحديداً لمثقفين معارضين للأنظمة العربية، حيث يمثّلون جزءاً من «الطبقة» الاجتماعية المثقفة و«الفهمانة» في بلادنا. هؤلاء بالمناسبة، المثقفون النجوم الإعلاميون، هم بغالبيتهم أميل إلى ثقافة الضحالة المتكيّفة مع ما يتطلّبه التلفزيون الذي يقدّم ما يمكن أن يتطلّبه الجمهور الذي يختلف في مستوياته الثقافية والمعرفية بتباينات لا تقع إجمالاً في صالح الثقافة الواسعة والعميقة المتطلِّبة للقراءة أكثر مما تتطلبه من جلوس كسول بل منوّم، أمام التلفزيون. نجوم إعلاميون يجيدون فن الخطابة يروّجون لثقافة الفكرة والعبارة السريعة المختصرة السطحية المسلوقة التي «لا يتّسع وقت البرنامج» للتعمّق أو التفصيل بها، بخلاف المقالة في صحيفة أو الفصل في كتاب. هذا ما يُفسّر إقلال بعض المثقّفين «الفعليين» من الظهور على التلفزيون أو مقاطعته في الوقت الذي يكتبون فيه أفكارهم ومواقفهم دون أن تحدّها حاجات التلفزيون التسويقية أو أن تقاطعها أسئلة مقدّم برنامج غير ذي صلة بموضوع الحديث. لنرجع إلى نجوم إعلاميين من نوع آخر يصنعهم التلفزيون، إلى السيدة «سيسي يس سيسي يس مرسي نو مرسي نو»، هل ندرك الآن أي دركٍ صرنا فيه حين تصير هذه السيدة نجمة إعلامية؟

البحيري مادة للسخرية
أصرّ على القول أن السيدة البحيري ضحية، هي ليست فقط واجهة جاذبة جماهيرياً استخدمها الإعلام كشكل من الأشكال الدعائية للسيسي في حملته الانتخابية المعتمدة أساساً على تزلّف الإعلاميين ودعمهم له كلٌّ بأسلوبه، بل هي ضحيّة السخرية التي استقبلها بها الإعلام الخليجي الداعم للسيسي، وفي ذلك إهانة لعموم المصريين. وليس غريباً أن كل ما صادفته من فيديوهات للسيدة في يوتيوب أو فيسبوك كان لغاية السخرية، وعلى ذلك تنسحب استضافاتها التلفزيونية.
أكثر المحتفين بالسيدة المصرية هي قناة «العربية» ضمن لقاءات عدّة أُجريت معها. قد لا ترى البحيري أنهم يسخرون منها، لبساطتها وسذاجتها أمام خبثهم، لكنهم، وهم العاملون في إعلام خليجي داعم للسيسي بالشكل الأكثر فجاجة، في المجازر الجماعية التي ارتكبها بحق مصريين وفي الاعتقالات الغرائبية والجماعية كذلك، هل سيضير هؤلاء السخرية من الشعب المصري نفسه من خلال احتفائهم بـ «شت أب يور ماوس أوباما» والاستهزاء بها وإشهار إهانتهم للمصريين من خلالها وهم لم يكترثوا بما ارتكبه السيسي بهم، بل دعموه بكل صفاقة؟ لا تعنيهم صورة الشعب المصري الذي أتى لنا بمثقّفين ومناضلين وعلماء عرب مرموقين، لا يعنيهم تعويم صورة السيدة البحيري كنموذج مصري ونجم إعلامي جاذب جماهيرياً، ما يهمّ إعلامٌ كقناة «العربية» هو ترويج هذه الدعاية (المنطبعة بسهولة في الأذهان) للسيسي، دعاية أعيد وأشك في أنها أتت صدفة.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

sisiyes34534

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s