سياسة
اكتب تعليقُا

خروج الثوّار من حمص القديمة وتوافد إعلام النظام وشهوده إليها. عن الحياد والموضوعية والانحيازات

خروج الثوار من المدينة

ما خرج الثوّار المسلّحون من قلب مدينة حمص (حمص القديمة) إلا وتراكضت الوفود الإعلامية لتلفزيونات النظام لتنجز بثاً مباشراً وتقارير إخبارية من بين الركام، من القنوات الرسمية السورية إلى «الميادين»، نضيف إليهم «بي بي سي عربي» التي تظهر بوضوح انحيازات مراسلها في دمشق للنظام السوري، وهي سقطة مريعة لهذه القناة التي تجهد في إثبات تميّزها عن باقي القنوات في مسألة الحياد، إن لم يكن لحياديتها يكون للانحيازات الواضحة عند غيرها من القنوات الإخبارية، وفي بعضها انحيازات أقرب للموضوعية.

لستُ هنا أهنّئ على الحيادية أو أدعو إليها، بل لا بد من انحيازات سياسية تُبنى على أسس ذي صلة بالأخلاق السياسية والضمير الوطني والقومي والإنساني، وأساساً ذي صلة بالموضوعية التي يربط خطأً كثيرون بينها وبين الحيادية. كيف لصحافي عربي أن يكون حيادياً في القصية الفلسطينية أو في الثورة السورية والحقيقة والعدالة تصفّ إلى جانب الشعوب في كلا القضيتين، أسأل عمّن تعنيه العدالة طبعاً!
أعود لحمص، القنوات التي سُمح لها بأن تنقل من بين الركام هي ذاتها المسموح لها بالبث من سوريا أساساً، وهي ذاتها التي تنقل رواية النظام لكل ما يحصل على الأرض السورية، عدا عن الترويج لهذه الرواية ضمن السياسات التحريرية للقنوات والظاهرة بوضوح في النشرات الإخبارية والبرامج والضيوف ودائماً وبكل مراهقة إعلامية، ضمن لهجة مقدّمي البرامج.
اهتمّت القنوات ببث مقابلات مباشرة أو مسجّلة مع «أهالي» من حمص «عائدين» إلى «بيوتهم». التشفّي والمغالاة في التبريك والفرحة أمام الكاميرا، وكاميرا القنوات هذه تحديداً، كان طاغياً، كما أن زلّات لسان كانت حاضرة في كشف مريع لما يُضمَر طائفياً لدى البعض حين صرّحت إحداهن برغبتها إخلاء حمص من السنّـ.. (تستدرك) من المسلّحين!

من هم الثوّار الخارجين من حمص؟
لكن من هم هؤلاء المسلّحين؟ لن نأخذ الإجابة من قنوات النظام اللبنانية والسورية، ولا نستطيع أن نعرف من خلال القنوات الأخرى التي جرى ترحيلها منذ الأيام الأولى للثورة، في حال كان مسموحاً بها أساساً التواجد في سوريا ما قبل الثورة. لم يتبقّ لنا غير ما يصلنا من فيديوهات عبر الإعلام الجديد العابر للرقابات.
هم أبناء حمص، من اللهجة نعرفهم، بل تحديداً أبناء «حمص القديمة» وما حولها، ومن لم يكن حمصياً منهم فهو سوري. نتبيّن ذلك من اللهجات إضافة لما يُعرف عن الثوّار المسلّحين في حمص.
عشتُ في هذه المدينة لسبع سنين وأعرف تماماً لهجاتها كما أعرف مناطقها، أعرف أن اللهجات التي سمعناها من الثوّار الخارجين من حمص هي لأبناء المدينة، وهي تماماً مختلفة عن لهجات أبناء المدينة التي ظهرت على تلفزيونات النظام «عائدين» إلى «بيوتهم». ومن يعرف حمص يعرف جيداً التجمّعات السكّانية لأبناء المدينة والمبنية على الطائفة بشكل نسبي، مع تداخلات عديدة. يُعرف أن أبناء المناطق التي خرج منها المسلّحون هي في غالبها من الأكثرية السنّية في حمص، ولا بأس في التذكير بأن لهجتهم الواضحة يمكن (لغير العارف بها حتّى) تمييزها عن لهجة أهالي الساحل المنتشرين بكثرة في حمص وضمن تجمّعات سكّانية آمنة.
قنوات النظام انتقت من يظهر على شاشتها، حتى بالبث المباشر، بات التمييز سهلاً بين مؤيدي الأسد ومؤيدي الثورة. عدا عن أن الشامتين الخارجين وبشكل جماعي «عفوي» يذكّر بـ «المسيرات العفويّة» التي ما عاد النظام قادراً على إخراجها. لكنّ اللهجات اللي ظهرت ليست لهجة أهالي تلك المناطق المنكوبة من حمص، هذا ما لم تستطع هذه القنوات من «الإخبارية» إلى «الميادين» إخفاءه.
أهالي حمص القديمة وما حولها، البياضة والخالدية وباب السباع وغيرها، عبد الباسط الساروت وغيره، هؤلاء هم المسلحون الذي خرجوا من بيوتهم قبل أكثر من ثلاث سنين للتظاهر ضد نظام القتل، والذين تسلّحوا لاحقاً للدفاع عن مظاهراتهم وعن أهاليهم، خرج أهاليهم بين نازحين ولاجئين وبقوا هم مدافعون عن حاراتهم وبيوتهم، حاصر النظام حمص وقصفها لأكثر من سنتين، الدمار والخراب الذي نشاهده اليوم في حمص القديمة هو استكمال لما شاهدناه من خراب منذ سنتين وأكثر، في جميع المباني، هو حاصل بفضل طائرات النظام ومدفعيّته، القصف الجوي تحديداً هو القادر إحداث هذا الخراب الذي شاهدناه وسمعنا «الشهود» تحكي عنه في تلفزيونات النظام. لا كلاشنات الثوّار ولا مدافعهم الخفيفة قادرة على هذا الدمار.
اليوم، يصوّر إعلام النظام «العائدين» إلى «بيوتهم» متفحّصين الخراب، فرحين ضاحكين أمام الكاميرا. هؤلاء ليسوا عائدين، بل من لجأ ونزح عن الحارات الحمصيّة بفعل القصف والحصار، هم الأحق بصفة العائد التي ينتظرونها، لأنها بيوتهم وحاراتهم. بالمناسبة، الكثير ممن ظهروا على هذه القنوات قالوا بأنهم أتوا «للفرجة» ولمشاهدة ما خرّبه الإرهابيون وما أنجزه النظام من تحرير، فرحين منتشين بانتصار الجيش.
أخيراً، أي إنسان يرى بيته وحارته وقد تدمّر بالقدر الذي شاهدناه، سيقدر على الفرح والابتسام، ولو مجبراً، أمام كاميرا «الميادين»، شاكراً جيش النظام على ما فعله!

بين الحياد والموضوعية
في المسألة السورية، كما في الفلسطينية، لا أرى مكاناً للحياد ونحن نتكلّم عن شعب يطالب بالحرية والكرامة من جهة، وبين جيش لا يترك وسيلة للقتل إلا ويستخدمها من جهة. وليست المهنية الصحافية أن تكون حيادياً في قضايا إنسانية حادة كهذه، سآتي للحيادية من باب الموضوعية.
الموضوعية في نقل ما يحدث في سوريا هي أولاً مُضايَق عليها من خلال حصر النظام السوري الوجود الإعلامي على الأراضي السورية الخاضعة لسيطرته بالإعلام المؤيد له، أو «التابع» بكلمة أدق.
لكن لنترك ذلك جانباً، الموضوعية تكون بتنحية الانحيازات الذاتية جانباً ونقل الواقع كما هو، وافق آراءك أم لم يوافقها. لحظة، هذا شعار قناة الميادين «الواقع كما هو»، لكن بتفسير غسان بن جدو للشعار نفهم أنهم في القناة لا ينقلون الواقع كاملاً كما هو، بل ما ينتقونه من هذا الواقع (علّقت عليه في زاوية سابقة). ليست هذه الموضوعية التي أتكلّم عنها، فالقناة ليست فقط ضاربة الموضوعية بعرض الحائط، ولا هي مجرّد منحازة للنظام السوري، بل هي إحدى الأدوات الوظيفية لهذا النظام ووُجدت على أساسه.
نرجع للموضوعية وعلاقتها بالحيادية، يكفي نقل الواقع بموضوعية، كما هو حقيقة دون زيادة أو نقصان، فتكون الوسيلة الإعلامية بما تنقله من حقائق منحازة للحقيقة المنحازة بدورها للعدالة المنحازة بدورها للشعوب الثائرة على الاحتلال الأجنبي كما في فلسطين والداخلي كما في سوريا.

«الساكت عن الحق..»
هذه باختصار مسألة الموضوعية، أما الحياد فهو في هذه الحالات نقيض للنقل الموضوعي للواقع. الحياد قد يجرّ للموازاة بين الطرفين، لإظهار الطرفين على الشاشة كمعادلين متماثلين، وهو ما سينقض الموضوعية التي لن تستطيع أي قناة أن تتمسّك بها إن حاولت أن تظهر للمشاهد حياديتها وحفاظها على مسافة واحدة من جميع الأطراف. هنالك فرق شاسع على الأرض بين قوي ظالم وضعيف مظلوم، بين جيش وشعب، والنقل الموضوعي لهذه المعادلة كما هي وبشكل موضوعي لا يمكن اعتباره حياداً بالمفهوم الإعلامي، هو انحياز للحقيقة وبالتالي للعدالة وبالتالي للضعيف وبالتالي للشعب.
قد تتوضّح المسألة فلسطينياً أكثر مما هي سورياً لدى البعض، هل نقل الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية كما هي، موضوعية؟ وذلك، أليس من مصلحة الحقيقة وبالتالي الفلسطينيين؟ ونقل ذلك للعالم ألا يُعدّ انحيازاً للطرف الذي تنحاز له الحقيقة كوننا ننحاز للحقيقة ونكشفها للعالم؟ نحن، هنا، ألسنا مع الفلسطينيين؟ بالتالي: أليس الحياد هو انحياز للقوي والظالم؟
عرفتم الآن لماذا يقاتل نظام الأسد الإعلام ولا يسمح لغير الإعلام التابع له بالتواجد؟ عرفتم الآن لماذا الموضوعية في الإعلام هو انحياز للحقيقة وبالتالي لن يسمح النظام إلا بتواجد إعلام منحاز له تماماً؟ عرفتم الآن لماذا «الحياد» يصفّ في النهاية مع الطغاة، وهو ما يقابله في الثقافة الدينية لدى البعض بالـ «شيطان أخرس». عرفتم الآن لماذا الإعلام والصحافة والحقيقة هي العدو الأول للطغاة؟

الصورة من حمص إثر خروج الثوار

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

khoroj435645243

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s