سياسة
اكتب تعليقُا

مكاسب الثقافة وخسائر السياسة في ذكرى النكبة.. عن البديل الثقافي والأخلاقي للسياسة

في معاندة لا بدّ منها لواقع الفلسطيني، واقع كانت نكبته عام ١٩٤٨ البداية الرسمية لها، فكانت أساساً لكل مآسي الفلسطيني المستمرة منذ احتلت إسرائيل بلادنا وجمّعت عصاباتها وأعلنت دولتها عليها. إلا أن معاندة شعب أراد الحياة تأبى إلا أن تستخرج من هذه المآسي ما يمكن اعتبارها «انتصارات صغيرة» في سياق الهزيمة الكبرى المستمرة حتى تحرير البلاد من محتلّها وعودة اللاجئين إلى بيوتهم وحقولهم في مدنهم وقراهم.

وأي مقاربة لأي انتصارات صغيرة ستبعد حتماً عن المجال والعمل السياسي المباشر، فسياسياً لم يصل الفلسطينيون في مسيرتهم النضالية حتى يومنا هذا إلا إلى هزائم صغيرة قد لا تكون وظيفتها غير التذكير الدائم بهزيمتنا الأكبر ونكبتنا، فقدان الوطن. ومنذ خمدت الثورة الفلسطينية المعاصرة في ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ خمدت بعدها انتفاضة الحجارة بتوقيع اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣ يمكن القول أن الفلسطيني لم يصل لتحقيق أي انتصار سياسي صغير يمكن به استحضار بعض الأمل في مكاسب سياسية محتملة. لكن في السياسة، الأقوى هو الذي سيكسب في النهاية، الأقوى عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.. فكانت مسيرتنا السياسية بالمجمل تراكمات لخسائر.
في حال كهذه، وسعياً لإيجاد بعض المكاسب، لا بدّ من الانتقال إلى المجال الثقافي، وهنا نحكي عن مجالات إبداعية فردية بالمجمل، فهنا لا اقتصاد إسرائيل ولا جيشها يمكن أن يضمن انتصاراتها الصغيرة مضافة على انتصارها الكبير المستمر.
لكن هل معنى الكلام أننا منتصرون في هذه المعركة، معركة الآداب والفنون؟ ليس بالضرورة، إلا أننا لسنا محكومين بشروط السياسة المنحازة دائماً للقوي، بل للأخلاقيات اعتباراتها هنا وعادة ما تنحاز للضعيف. وأخلاقياً، أن نكون الضعفاء المضطهَدين أفضل من أن نكون الأقوياء المضطهِدين.
من هنا يمكن القول أن التطهير العرقي الذي تعرّض له الفلسطينيون قبل ستة وستين عاماً والذي نعيش ذكراه هذه الأيام، أنه وكل ما نتج عنه على مدى السنين الطويلة، كان السبب الأساسي في اتخاذ النتاج الإبداعي الفلسطيني منحى معيّناً أتى كرد فعل على حالة التهجير والاحتلال والاضطهاد الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تجمّعه. هو منحى أكثر التصاقاً بقضايا كالحرية والتحرير والعدالة وضمن موضوعات مرتبطة بالأرض والوطن والمخيم والفقراء.
قد يرى البعض أنها خسارة إضافية، هزيمة إبداعية في أن يُجبر الفلسطيني على موضوعات مرتبطة بوطنه، يمكن النقاش في ذلك، لكن بالنظر إلى جودة النتاج الإبداعي الفلسطيني والمرتبط بموضوعات وطنية، وريادته على المستوى العربي، وتأسيس ما سمّاه غسان كنفاني «أدب المقاومة» الذي لم ينحصر بأدباء الداخل الفلسطيني، فغسان نفسه من أهم روّاد هذا الأدب، يمكن إعادة النظر في اعتبار أنها خسارة، خاصة وأن أعمال كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي ريادية في الأدب العربي، كما أن رسومات ناجي العلي ريادية في الكاريكاتور، وفي ذلك تندرج أعمال إدوارد سعيد النقدية، عدا عن الفنون الأخرى بما فيها السينما. قد يجادل أحدهم بأن هؤلاء وربما آخرين كانوا سيبدعون حتماً في مواضيع أخرى لو لم يكن هنالك احتلال. سأقول بأنه افتراض محتمل ولن نحتاج له طالما أنهم أبدعوا أصلاً لأن نكبةً واحتلالاً وقع على شعبهم، وأنهم اختاروا سياقاً معيناً لإبداعاتهم رادّين به على هذا الاحتلال. لكن بالرجوع إلى الفرضية أقول: ارجع بنا إلى ما قبل النكبة، وعد لنا بفلسطين دون احتلال إسرائيلي، وخذ أدباءنا وإبداعاتهم جميعها!

في المعركة الثقافية يمكن إدراك بعض الانتصارات الصغيرة، أهمّها أنها معركة أخلاقية لا تحتكم للقوي بل للحق، لمدى التماثل مع هذه الأرض، تماثل لن يدركه أدباء وفنانو الاحتلال المحتمين بقوة جيشهم وسطوة دولتهم.

هذا مجال يمكن فيه تشكيل الفكرة الفلسطينية وصونها وتطويرها كما يريد لها شعبها أن تكون، الفكرة هذه غير معنية بشروط الدولة السياسية، من هنا قال درويش: ما أوسع الثورة ما أضيق الرحلة ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة.
الفكرة كبيرة بقدر ما الوطن كبير في ثقافة أبنائه ومبدعيه وضمائرهم، أما الدولة فصغيرة بقدر ما موقع المفاوض السياسي الفلسطيني صغير على الطاولة، والدولة هذه محكومة بشروط سياسية ليس للثقافي فيها أي اعتبار.
مثال على ذلك هو تصويت الجمعية العامة لمنظمة التربية والثقافة والعلوم (يونسكو) التابعة للأمم المتحدة لصالح قبول «دولة فلسطين» في المنظمة كدولة كاملة العضوية، في أكتوبر من العام ٢٠١١. وهو قبول محكوم بالشروط السياسية، وإن كانت المنظمة ثقافية، كوننا نحكي عن منظمة دولية خاضعة للقوى الكبرى في هذا العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكل ما يمكن أن تضيفه هذه العضوية للثقافة الفلسطينية في سنوات لا يمكن مقارنته بمجموعة قصصية صغيرة كتبها غسان كنفاني وما زالت تُقرأ حتى اليوم من قبل الجيل الرابع ما بعد النكبة. عدا عن أن هذه الإضافة إن حصلت فستكون حتماً ضمن سقف المعادلات السياسية، والطرف الفلسطيني هنا هو الأضعف، بضعف الفلسطينيين والعرب أولاً وبقوّة الفريق المقابل، إسرائيل والولايات المتحدة، ثانياً. ثم، ما الذي أضافته هذه العضوية في اليونسكو إلى الثقافة الفلسطينية بعد سنتين ونصف من قبولهم لنا؟
بعد هذه العضوية بسنة تقريباً، في نوفمبر ٢٠١٣ منحت الأمم المتحدة لفلسطين صفة دولة مراقب غير عضو بعد تصويت أجرته الجمعية العامة. انتقلنا هنا من الثقافة إلى السياسة، والمجال هنا مكرّس تماماً للأقوى. المكسب الأهم الذي بنت عليه السلطة الفلسطينية «انتصارها» بهذا الاعتراف هو إمكانية جرّها إسرائيل إلى المحاكم الدولية واتهامها بارتكاب جرائم حرب وإدانتها كدولة احتلال. ممتاز، هذا ما تستطيع نظرياً الدولة المراقب غير العضو أن تفعله، وهذا ما لم ولن تجرؤ على فعله لأنها في مجال سياسي بامتياز، هي الأضعف فيه. هل استفادت السلطة الفلسطينية من هذه العضوية باتخاذ إجراءات تدين إسرائيل أو تحقّق في اغتيال ياسر عرفات مثلاً؟
لكن السلطة الفلسطينية لم توقّع في حينها على ما يمكن أن يسمح لها بمحاكمة إسرائيل، وفوق ذلك فقد تقدّمت قبل أيام بطلبات للانضمام إلى ثلاث عشرة اتفاقية دوليّة تخصّ العلاقات الدبلوماسية والقنصلية، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب، وأخرى لمكافحة الفساد وغيرها، وكل ذلك لا يمسّ إسرائيل بشيء. أما الأهم فهو أنها لم تتقدم بطلب للانضمام إلى نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية والذي يسمح للسلطة برفع شكوى ضد إسرائيل.
إن كانت السلطة الفلسطينية عاجزة عن استخدام «سلاح» الاتفاقيات الدولية فليس إشهارها له إلا تكتيك تفاوضي لم يجدِ ولن يجدي نفعاً مع دولة تعرف أن القوى العظمى في هذا العالم في صفّها وحمايتها، فتعربد كما تشاء. ما فعلته السلطة هو تهديد الضعيف لا أكثر.
إذن ليست السياسة هي المجال المناسب لمقاومة إسرائيل، ولا أعتقد بأن الصدام المباشر المسلّح هو الأنسب كذلك، وليس ذلك لأسباب مبدئية بخصوص المقاومة المسلحة، بل ببساطة لأن السياسة والسلاح ساحة إسرائيل، لأننا كفلسطينيين الطرف الأضعف فيهما، ولا أرى أي مكاسب في هذين المجالين.
عدا عن ذلك، انتصاراتنا الصغيرة تتأسس على أخلاقياتنا كشعب يناضل من أجل حريته، على ثقافتنا ونتاجنا الإبداعي المتحرّر من أي التزامات دولية وغير المعترِف بالأقوى على الأرض. أما ما يمكن تأسيسه على هذه الانتصارات الصغيرة، فهو وطن يُبنى على تراكمات ثقافية ومعنوية لهذا الشعب، وطن موازٍ يتجهّز لوطن فعلي هو كيان سياسي حر على كامل الأرض، ليليق بما تحقّق من انتصارات ثقافية صغيرة.
هنالك مكسب آخر وأكثر راديكالية نجده في الهزائم السياسية عينها، باستحالتها لانتصارات للمجال الثقافي، خسارة السياسة هي انتصار للثقافة كبديل أخلاقي لها، هذه ساحتنا. ولتلحق السياسةُ الثقافةَ، لا العكس.

الصورة من مسيرة العودة إلى لوبية قبل أيام

في «الدوحة الثقافية»

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s