سياسة
اكتب تعليقُا

أين الحرية في التقارير المتناولة لـ «الحريات الصحافية» العربية؟ اليوم العالمي لحرية الصحافة ونحن

اليوم العالمي لحرية الصحافة

كان يمكن كغيره من الأيام العالمية أو الأعياد السنوية، أن يتجمّع فيه صحافيون وكتّاب محتفين بيوم حرية الصحافة في ٣ مايو/أيار، لكنها مناسبة لا تذكّر إلا بالحالة البائسة التي وصلها إعلامنا العربي وصحافتنا، وقبل ذلك وبعده ما وصلته الأنظمة الاجتماعية والسياسية والثقافية العربية، المؤثرة بالصحافة والمتأثرة بها.

بثّت معظم القنوات الإخبارية العربية تقارير عن يوم حرية الصحافة متضمّنة أرقاماً عن الصحافيين القتلى والمعتقلين في سوريا ومصر تحديداً.
عملياً لا مشكلة لدى قنوات كل من «الجزيرة» و «العربية» و «سكاي نيوز» (القنوات الإخبارية الأكثر متابعة) في أن تشير لهذه الأرقام من ضحايا الحرب، الصحافيين، في سوريا. لكنها الحرب، وفيها فوق ذلك نظام فاشي كما فيها جماعات إسلامية متطرّفة من كلا الطائفتين، لا تقلّ فاشية. لكني أرى أن أهمّ ما في هذه التقارير هو ما لم تقله.

الحريات الإعلامية في سوريا ما قبل الثورة
كي ننتهي من مسألة الحريات في سوريا، لا بدّ بداية من التذكير بحال الصحافة السورية ما قبل الثورة، هو حال الأحزاب في حينها، باختصار هي إما تابعة للدولة أو مقرّبة منها، فالصحافة حزبية، وتأتي ضمن تلك التصنيفات، كالأحزاب القومية والشيوعية التي تصفّ في «الجبهة الوطنية التقديمة»، المكوّن الأساسي لبنية النظام ما قبل الثورة، والشريك الأساسي في حربه على السوريين ما بعدها. هذا وضع الصحافة في حالة السلم، فما الذي تبقّي لنتوقّعه في حالة الحرب!
أضف إلى النظام الجماعات الإسلامية المتطرفة التي لا تقبل جدالاً ولا شكّاً ولا رأياً وفي يديها مسواك ومسبحة، فما الذي تبقّى لنتوقّعه حين تستبدل المسواك بالرصاص!
قد لا يختلف الإعلام العربي في نقل بعض ما تعيشه الصحافة وحرّياتها في سوريا اليوم، وإن اختلفت في مصر، وذلك كما بات بديهياً تابع لسياسة الدولة الممولة والراعية، يكفي الإشارة إلى قناة «العربية» وموقفها من الانتهاكات التاريخية للصحافة والإعلام المصريين من قبل النظام الحالي.

ما لم ترد أن تقوله التقارير التلفزيونية
أرجع إلى ما لم تقله تقارير هذه القنوات التي تناولت اليوم العالمي لحرية الصحافة، وقد تخفّت بتقاريرها خلف الخسارات الصحافية في سوريا، وهي كما قلت حالة حرب فيها أطراف لا تقبل في حالة السلم آراء نقدية ومخالفة. لم لا نسمع عن حال الصحافة في البلدان العربية حيث لا حرب أو انقلاب، حيث الحال مستقرّة ولا مبرّرات أو شمّاعة يمكن تعليق الانتهاكات عليها؟
ليختر القارئ أي بلد عربي، أي بلد، الآن. كيف حال الصحافة فيها؟ كيف تجدها؟ هل تنحصر جميعها في نقل أخبار الحاكم، رأس النظام، وإرفاق ذلك بأعمدة تسبّح بحمده ثم ما تبقّى للمنوعات؟ إن تواجد غير ذلك، هل تملكه جهات إن لم تكن حكومية هي حتماً مقرّبة من النظام؟ إن تواجد غير ذلك، هل تقترب من السياسة أم تنحصر في الترفيه والرياضة والتكنولوجيا؟ إن تواجد غير ذلك، هل تنتقد بعض كبار الموظفين وبعض أعضاء الحكومة وربّما الحكومة وإن بخجل، لكن دون المساس برأس النظام أو رموزه؟ وإن تواجد غير ذلك، هل تجدها مقفلة وكتّابها إن لم يكونوا معتقلين فهم منفيين؟
قد نجد استثناءات محدودة ولها أسبابها كلبنان، ففي هذه البلد أكثر من «رأس نظام»، وهم أمراء طوائف لكل منهم حزبه وإعلامه، صحفاً وقنوات، والتعايش الحذر والقلق بينها مفروض بالقوة لتوازنات إقليمية لا خصّ لهم بقرارها، لكن هل يمكن انتقاد أمير الطائفة أو الحزب أو الدولة الراعية في إحدى وسائل إعلامه؟ أليست الحال ذاتها في البلدان العربية الأخرى، إلا أنها هنا تتمتع بميزة إمكانية التنقّل بين وسائل إعلام الأمراء ضمن البلد الواحد؟
استثناء آخر قد يكون حذراً هو الكويت، لما لهذه الدولة من بواكير العمل السياسي الذي جلبه لها فلسطينيون وسوريون ولبنانيون قبل عقود (حركتا القوميين العرب وفتح مثالاً)، وهو حراك سياسي واجتماعي استطاعت الكويت الحفاظ عليه نسبياً حتى اليوم، رغم تأرجح هذه الحرية الصحافية الخجولة مرهونة بين النظام الحاكم من جهة، وإسلاميين من جهة أخرى، على كل حال تم إغلاق صحيفتين كويتيتين قبل أيام ويبدو أن تقرير «بيت الحرية» لم يلحقه.

الصحافة العربية بين «غير حرة» و«حرة جزئيا»
كانت منظمة «مراسلون بلا حدود» قد أصدرت قبل أشهر تقريرها السنوي عن الحريات الصحافية، وكنت علّقت عليه في هذه الزاوية، اليوم بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة أصدرت منظمة «بيت الحرية» تقريرها الذي لن يختلف عن تقرير الأولى فيما يخص الحريات في بلداننا العربية، وليس ذلك لمؤامرة بين المنظمتَين بالمناسبة.
حال الإعلام في كل من لبنان والكويت والجزائر وتونس صُنّفت كـ «جزئياً حرّة»، أما في باقي البلدان العربية فهي «غير حرّة». وبالنسبة لجدول التقرير المتخصّص بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ففي ذيل القائمة أتت إيران، حيث الحريات الصحافية في أسوأ حالاتها، تليها سوريا فالبحرين فالسعودية. أما الدولة الوحيدة في المنطقة حيث يمكن وسم الإعلام فيه بالـ «حر»، فهي إسرائيل. يا لهذا التقرير الصهيوني!
أما حسب الترتيب العالمي، فالأسوأ كما دائماً هي كوريا الشمالية بمرتبة ١٩٧، أما إيران فأتت بمرتبة ١٩٠، وسوريا بمرتبة ١٨٩ والبحرين بمرتبة ١٨٨ والسعودية ١٨١ والضفة الغربية وقطاع غزة ١٧٩، وهكذا..
إذن لا نتشاطر فنحكي عن سوء حال الإعلام عندنا مشيرين حصراً إلى الحرب في سوريا كالمتخفّي خلف اصبعه، ولا نعدّ تقارير تلفزيونية تحكي عن الحريات الإعلامية كضحية الحرب في سوريا والأحداث في مصر، وحسب!
بالغوص قليلاً في تقرير «بيت الحرية»، نعرف أن ٢ بالمائة من الناس في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعيشون ضمن أجواء إعلامية حرة، بينما ٨٤ بالمائة يعيشون ضمن أجواء غير حرّة. وأن تراجعاً حصل في كل من ليبيا، ومصر حيث الحكومة التي يقودها العسكر قيّدت الحريات. وأن تدهوراً ملحوظاً حصل في الأردن. وأن الحريات اختفت في سوريا في خضم الحرب الأهلية المريعة هناك. أما التحسّن الطفيف فهو حاصل في كل من الجزائر واليمن والضفة وغزة.

تقارير الجزيرة والعربية وسكاي نيوز
تقرير قناة «العربية» لم يأت على ذكر الحريات الإعلامية البائسة في مصر، وبطبيعة الحال في السعودية حيث لم يحُل استقرارها السياسي بالمقارنة مع مصر دون أن تكون من بين الأسوأ عالمياً، فانحصر التقرير بسوريا.
تقرير «سكاي نيوز» أخطأ في تسمية المنظمة، فـ «بيت الحرية» هي المنظمة التي أصدرت قبل أيام لائحة الحريات الإعلامية وليس «مراسلون بلا حدود» التي أصدرت لائحتها قبل أشهر، كما أن تقرير القناة لم يحكِ إلا عن سوريا ومصر، وبالنسبة لمصر تم التركيز على تضييق حكم الإخوان المسلمين على الحريات، علماً أننا الآن نحكي عن الحريات الإعلامية منذ سنة من اليوم، والانقلاب العسكري سيكمل سنته الأولى بعد شهرين، وحسب القناة فإن الإعلام «لم يشهد تحسّناً» في «مصر ما بعد عزل مرسي»، كل هذه الاعتقالات والانتهاكات البهلوانية و: مجرّد أنه لم يشهد تحسّناً!
أما «الجزيرة» فعرضت عدّة تقارير عن الموضوع والمناسبة، أحدهما خُصّص لتناول الحريات في مصر ولصحافييها المعتقلين هناك دون محاكمة، والآخر في سوريا وثالث عن تحسّن الحريات في موريتانيا، إلا أن القناة كذلك لم تأت على ذكر أوضاع الحريات الإعلامية في الدول العربية المستقرّة نسبياً.

الانتهاكات هي الحال الطبيعية
الحال الأسوأ للإعلام العربي اليوم تتواجد في سوريا، وهذا طبيعي كما وضّحت، لكن لا يبرّر ذلك استخدامها للتعتيم الفاضح على حال الحريات في باقي البلدان التي تعيش حالة روتينية دائمة ومستقرة تعوّد عليها الصحافيون قبل المتلقّين من قرّاء ومشاهدين، حالة مستمرّة من الانتهاكات، حيث نجد بين انتهاك وآخر، انتهاكاً. حال، هي انعكاس طبيعي لعلاقة الحاكم بالمحكوم في هذه البلاد المنكوبة كما بحكّامها، بكثير من صحافييها.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

horiyat324532

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s