سياسة
اكتب تعليقُا

لا مذكّرات لي عن بلدي. اللجوء والحنين والذاكرة القادمة واليوميّات

كيف يمكن لمن هو في حالتي أن تكون له ذكريات يرويها أو مذكّرات يكتبها تحكي عمّا يفصله عنه حقائق المكان والزمان.

المكان هو أساس المذكّرات هنا، وكل علاقتي كلاجئ ابن لاجئ ابن لاجئ، بالمكان الفلسطيني هو ما ورثته عن جدّي الذي ترك مرغَماً ومطارَداً ترشيحا، البلدة الدالة على مفهوم «فلسطين» بكلّيته. وهو ما يتشاركه جميع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والشتات، واعين لذلك أم غير واعين، ففلسطين عند ابن حيفا هي حيفا وما دونها امتدادات لفكرة الوطن، وكذلك الأمر عند ابن الكابري والطيرة وكل القرى والمدن التي نقلها أبناؤها معهم إلى المخيمات خارج الوطن، ولعلّ النقل المكاني للاجئين هذا هو ما جعل في كل من هذه الأمكنة داخل كل مخيم، فلسطين مكتملة بذاتها عند كل فرد لاجئ.

قبل كل شيء، لن أستطيع أن أحكي عن علاقتي بترشيحا ضمن ما يمكن الكلام عنه فيما يخص المسألة الفلسطينية الحالية بكل تعقيداتها، هما مسألتان «يجمع» بينهما القطع التام، بين ترشيحا التي بنيتُ مسبقاً وما زلت أبني ذكرياتي القادمة فيها، ترشيحا الوطن، «الفردوس المفقود»، المكان الوحيد المخوّل بتطبيق حقي الشخصي في العودة، ترشيحا القصص التي سمعتها من جدّي ومن آخرين، ترشيحا التي شاهدتُ صورها، والآن ترشيحا التي اقتربتْ أكثر بمعيّة الإنترنت، اقتراب افتراضي لا يزيدها غير بعد، في الحقيقة. قطع تام بين كل ذلك وبين «فلسطين»، لا علاقة بين «ترشيحا» وبين القضية الفلسطينية بمعناها السياسي، لا علاقة بين قريتي وبين منظمة التحرير الفلسطينية، بينها وبين سلطة الضفة الغربية وحكومة قطاع غزة، بينها وبين الجدار والمستوطنات في الضفة، بينها وبين الحصار والقصف في غزة، بينها وبين المفاوضات، وبينها وبين المصالحة الأخيرة بين فتح وحماس بطبيعة الحال.
القطع الحاصل بين الطرفين لست أكيداً تماماً إن كان بإرادة واعية أم أنه أتى «هكذا»، لوحده بنشأة وتطوّر طبيعي لعزله عن «فن الممكن» و«الـ De facto» و«المعادلات الدولية» وغيرها من المفاهيم التي صارت مسلّمات لكثير من الفلسطينيين، حملها إليهم سياسيو السلطة الفلسطينية تحديداً تبريراً لخياراتهم السياسية وتنازلاتهم المستمرة، بل المتسارعة ضمن استمراريتها، عدا عن فداحتها، كل تلك المفاهيم والسلوكيات التي جعلها هؤلاء السياسيون حاضرة ومألوفة في يوميات الفلسطيني، هذا كلّه في واد، وترشيحا التي أعرف في واد، في عالمها/عالمي.

ذاكرتي التي قد أحكي عنها لا تعترف بكل ما ذكرت، لا تعترف بيوميات السياسة ولا بتخاذلاتها، وبطبيعة الحال لا تعترف بلوثات السياسيين، هي ذاكرة مستقبلية للأيام القادمة، تحتمي في حياة موازية لكل ما يمكن أن تصل اليوم إليه سياسياً فلسطينُ كقضية، هي ذاكرة أشكّلها أين أريد ومتى أريد وكيفما تبدو لي بشكلها الأجمل، الكلام عن ذاكرة كهذه أقرب للكلام عن وصيّة، ما يمكن أن يكتبه أحدهم دون أن يكون في حاجة فعلية وحتمية للمكتوب.
في أن تكون المذكّرات مرتبطة بمكان، وهذا المكان هو حتماً افتراضي لديّ، ولأن أحداً لن يقتنع أو يصدّق هذه الذكريات وإن حاولت مراراً تفسيرها بأنها مستقبلية وأنها تملك فرصة في أن تكون يوماً مذكّرات سابقة وحقيقية إن منحناها بعض الوقت، بعض السنين أو العشرات منها، سأعفي نفسي من أن أحكي الآن عن أي من الذكريات التي في ذهني، ما يمكن أن تتحقّق بعد سنين في ترشيحا، ثم وبعد تلك السنين بسنين تكون مذكّرات حقيقية، وقد تُنشر في كتاب.
لأني لن أجد قارئاً يأخد هذا الكلام ومشاريع الذكريات والمذكّرات هذه على محمل الجد، أفضّل أن أترك لها مرة أخرى وأخرى المزيد من الوقت، أعيدها إلى رفّها في ذهني معيداً تكويم الغبار عليها، أنتظر بضع سنين مرّة أخرى علّها تجد فرصتها في أن تتحقّق لتُكتب بكل «عين وقحة» أجاهر بها وأسبّ بها العالم كلّه.
لكن ودون أية مساومة، مذكّرات كهذه لن تكون ذات صلة بالسياسة الفلسطينية أو بقضيتنا التي يأكلها سياسيوها بشراهة الوضيع، لن تعترف مذكّراتي القادمة بكل ما تفتأت عنه السياسة، هذه مذكرات محض محلّية، ضيّقة، بالكاد تتسع لحارات وبيوت وأزقة ترشيحا، وما دونها فهو العالم الآخر.
كما أني أملك ترف الاختيار والحذف الأبيض النظيف وإعادة التشكيل في هذه المذكّرات، كأني أكتبها بالنقر على الكيبورد، أستطيع بعد ساعة أو سنة أن أغيّر في بعض تفاصيلها دون أي أثر لما تغيّر، في بعض المسمّيات والأمكنة، أو أعيد ترتيب الأولويات والمشاهد والأشخاص، ثم تمرّ إحدى هذه التفاصيل بكل سوريالية ودون مبرّر في حلم لا أذكر منه غير متسوّل في «مدينتي» الفرنسية لأتذكّرها بعد يومين وأعدّل بها بعض احتمالات الذكريات. لي الترف في استباحة كل تفصيل في مذكراتي القادمة إلى حين تحقيقها في المكان المشفّرة بألا تتحقّق إلا فيه. لا تحكِ لي عكا ولا حتى معليا، الجارة الأقرب، فلتلك الأمكنة وباقي القرى والمدن في الجليل وكل فلسطين أصحاب مذكّرات قادمة تزدحم بهم وبها أمكنتها الفلسطينية، لا تكاد تتسع لأهلها أصلاً كي تتسع لي، والحال ذاتها في بلدي التي تعجّ بمذكّرات الأيام القادمة للاجئين عنها ما عرفوها وما شكّلوا وتخيّلوا ذكرياتهم فيها وعنها إلا بحكايات الأجيال السابقة، إلا بذكريات حقيقية للجد الذي حمل معه إلى المخيم أسماء أمكنة وأشخاص حقيقيين شكّل بها ذكريات لأيام سابقة تحتفي بتفاصيلها، بصورها وأصواتها وروائحها ومذاقاتها، بزمان سبق عام النكبة وبمكان هو ذاته ساحة الذكريات التالية، لا تكون مذكّراتنا القادمة إلا استمرارية لمذكّرات الجد الذي تهجّر من ترشيحا وكل فلسطين قبل ستة وستين عاماً.
لذلك، لكل ذلك ولغيره، أطلب إعفائي من كتابة صفحة من مذكّراتي عن البلد، لا أتمنى لها أن تظهر الآن. إن كان لا بدّ أن تظهر، فلتُكتَب بصيغة الماضي، الماضي الآتي، المستمر في اقترابه.

في صحيفة فصل المقال الفلسطينية

faslalmaqal mozakerat

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s