سياسة
اكتب تعليقُا

مُصالحة مَصالح بين فتح وحماس. تماثلات الأسد وجعجع. مخيم اليرموك خارج الحسابات دائماً

تداخل أخبار أولى

في اليوم الذي أُعلن فيه فجأة اتفاق كل من حركتَي «فتح» و «حماس» على مصالحة بينهما، انشغل الإعلام العربي كذلك بعملية انتخاب البرلمان اللبناني رئيساً للدولة. وبالقدر الذي كان فيه الخبر الفلسطيني ذا صلة بالشأن المصري الذي تراجع (لساعات) لصالح الخبرين الفلسطيني واللبناني، كان الخبر اللبناني ذا صلة بالشأن السوري الذي تراجع (لساعات) كذلك لصالح الخبرين ذاتهما.

في الحالة الفلسطينية، الدولة المصرية على مرّ حكوماتها صاحبة تأثير ملحوظ على السياسة الفلسطينية، أو تحديداً على كل من «فتح» من خلال نظام مبارك الراعي لها، و «حماس» من خلال نظام مرسي الراعي لها. وفي الحالة اللبنانية، الدولة السورية هي صاحبة القرار النهائي اليوم (بعدما كانته سابقاً بالشكل المباشر عبر أجهزتها الأمنية) من خلال حزب الله والقوى اللبنانية التابعة للنظام ولحليفه الإيراني.

تماثلات الأسد وجعجع
قبل ظهور التطرف الإسلامي المتمثل في «جبهة النصرة» و «داعش»، وقبل مسلسل الفشل لـ «الائتلاف الوطني» المعارض في تمثيل الثورة وارتهانه للدول الغربية (تحديداً أميركا) وقبل أن يظهر لنا كمال اللبواني بمبادراته الاستغاثية مع إسرائيل، كان على بعض المدافعين عن الثورة السورية أن يمايزوا للآخرين بين موقف مجرم الحرب سمير جعجع المعادي لبشار الأسد وبين فعل التأييد الحقيقي والأخلاقي والجذري للثورة السورية، فكان التأييد الظاهري لجعجع، وما يمثله من خط سياسي، للثورة أحد الركائز التي حملها مؤيدوا نظام الأسد أينما حلّوا: كيف لثورة أن تكون وطنية ومجرم حرب وعميل لإسرائيل كجعجع يؤيدها!
اليوم، ظهر الاستقطاب بأبشع صوره، بين جعجع والأسد، فظهرت مواقف مخجلة على كافة وسائل الإعلام، من التلفزيون إلى الصحف إلى السوشيال ميديا، وظهرت تهجّمات مثيرة للسخرية من الطرفين.
مؤيدوا الأسد استنكروا ترشيح جعجع للرئاسة، فهو المجرم وأحد أفظع أمراء الحرب الأهلية اللبنانية، في مقابلهم استنكر مؤيدوا جعجع استنكار مؤيدي الأسد بأنهم آخر من يتكلّم في ما يخص جرائم الحرب، وبأن الأسد ارتكب ما لم يرتكبه جعجع.. وهكذا.
ظهرت هذه السقطة جليّة في برنامج «دي إن إي» على قناة «المستقبل» الناقد بسخرية (وبأحيان كثيرة عن حق) لنظام الأسد وتحديداً لأتباعه الممانعين من اللبنانيين. البرنامج ومقدّمه والقناة التي تعرضه (السعودية بقدر ما «المنار» إيرانية) لم يكن دفاعه عن جعجع إلا بالتذكير بجرائم أمراء حرب غيره في لبنان، إضافة لجرائم الأسد، كأن ارتكاب الآخرين لجرائم تبرّر ارتكابنا لها!
كل من الطرفين استنكر على الآخر تأييد مجرم حرب، في الوقت الذي لم يخجل أي من الطرفين من تأييد مجرم الحرب الخاص به، أكان الأسد أم جعجع. فكثير من أنصار الثورة السورية أظهروا تأييدهم لجعجع كون الأخير اتخذ موقفاً معادياً للأسد، لا أسميه مؤيداً للثورة كون متّخذه لا يتمتع بتاريخ ولا حاضر سياسي وأخلاقي ووطني يضفي مصداقية على تأييده للثورة. والمؤيدون للثورة هؤلاء لم يكترثوا بتاريخ جعجع الإجرامي وكانت ردودهم محض استنكار لاستنكار مؤيدي الأسد لهم نظراً لوحشية جرائم الأسد.
وفي المقابل نجد كثيراً من مؤيدي الأسد أتباعاً لأمراء حرب في لبنان ارتكبوا مجازر كذلك في حق اللبنانيين والفلسطينيين في المخيمات، نذكر منها حركة «أمل» لصاحبها لنبيه بري وحربها على المخيمات. هؤلاء، للمفارقة كذلك، استنكروا على الآخرين تأييد جعجع مرتكب المجازر في حق اللبنانيين والفلسطينيين في المخيمات، وتحديداً مخيمَي صبرا وشاتيلا التي ارتكب مجزرتهما بالشراكة مع إيلي حبيقة وبرعاية أرييل شارون.
ما لا أفهمه هو أن يكون لأحدهم مشاكل أخلاقية مع جرائم جعجع ولا تكون لديه المشاكل ذاتها مع جرائم الأسد، أو أن تكون لديه مشاكل أخلاقية مع جرائم الأسد ولا تكون لديه المشاكل ذاتها مع جرائم جعجع.
ولكي تكتمل أخيراً، انتشر العنوان التالي في موقع «القوات اللبنانية» التي يقودها سمير جعجع: الجربا اتصل بجعجع متمنياً له النجاح بالانتخابات الرئاسية: الشعب السوري سيكون مرتاحاً ومسروراً بوصولكم إلى بعبدا.
رئيس «الائتلاف» أحمد الجربا المعارض لمجرم حرب هنا، يتمنى النجاح لمجرم حرب آخر هناك (برعاية سعودية للطرفين)! لم تُبلَ الثورة السورية بأحد كما تُبتلى بأصدقائها والمتحدثين باسمها، سوريين ولبنانيين وعرب.

مُصالحة مَصالح فتح وحماس
عاد الفلسطينيون إلى «الخبر الأول» في الإعلام العربي بإعلان المصالحة بين حركتَي «فتح» و «حماس»، المصالحة أولاً بين الحركتين وأي كلام آخر عن أنها بين «منظمة التحرير» و «حماس»، باعتبار أن هنالك فصائل أخرى شاركت في المصالحة، لا يعدو كونه مجاملة دبلوماسية تقدّمها «فتح» لهذه الفصائل التي إن لم تكن مجهرية فهي حتماً هامشية.
لا يرتابني من تصالح «فتح» و «حماس» إلا الشكوك. ما حصل هو تصالح بين الحركتين الأكبر على الساحة الفلسطينية، وهما «حزبَي السلطة»، أحدهما في الضفة والآخر في غزة، وأنا وكثير من الفلسطينيين نختلف مع ما يتّفقان عليه أساساً، مع ما يتماثلان ويتشاركان به، وإن توصّلا إلى اتفاق فهو لصالح الحركتين اللتين لا أثق في كل منهما على حدة لأثق بمحصّلة اتفاقهما، وهو فوق ذلك مُبارك من قبل الأنظمة العربية! فلا أرى المصالح الوطنية في ما يجمع الحركتين من مصالح.
هذا رأي شخصي قديم كتبته قبل حوالي ثلاث سنين في «القدس العربي» حين تعالت هتافات «الشعب يريد إنهاء الانقسام» في فلسطين، والآن أكرّره. الأخبار ستتوارد تباعاً فيما يخص تَصالح المصالح «الفتحاوية الحمساوية» وأول هذه العناوين كان التالي على صفحات هذه الجريدة في عدد الأحد: رعاية أمنية مصرية وغطاء عربي وأمريكي.. المصالحة الفلسطينية: شرعية لعباس مقابل تمويل رواتب القسام.
لا أريد منح محمود عباس الرئيس المنتهية ولايته وصلاحيته، والمتنازل عن حق الفلسطينيين في العودة والمتعاون أمنياً مع إسرائيل والمكافح الأساسي للمقاومة المسلحة وحتى الثقافية، لا أريد منحه أي شرعية وطنية، كما أني لا أريد تحويل مجاهدي «كتائب القسام» إلى موظفين ينتظرون رواتب آخر الشهر التي ستؤمّنها لهم سلطة أبو مازن التي بدورها تعتاش على المساعدات الأوروبية، المشروطة طبعاً!
لا أريد أبداً أن يعود الفلسطينيون إلى «الخبر الأول» في الإعلام العربي بهذا الشكل.

مخيم اليرموك خارج الحسابات
خبر آخر للفلسطيني هذا الأسبوع كان من مخيم اليرموك، بثّت «سكاي نيوز» وغيرها تقارير عن الحالة المأساوية التي يعيشها أهالي المخيم، الحالة التي لم تنقطع منذ ظهرت سريعاً «كخبر أول» في الفترة الماضية بعدما مات العشرات جوعاً نتيجة حصار قوّات النظام السوري بما فيها فصائل فلسطينية تابعة له، اليوم صار المخيم خبراً هامشيًا.
الجوع مازال متسلّطاً على جميع بيوت المخيم وشوارعه، والناس هناك لا تزال تنادي عبر التلفزيونات دون أن تجد من يسمعها.
اليوم صارت هنالك مُصالحة وستنشغل الفصائل الفلسطينية في الوطن بحملات انتخابية تشريعية ورئاسية لن يكون الفلسطيني في مخيم اليرموك ضمن اعتباراتها، المخيم الذي لم يلق إلا تواطؤ وتجاهل الجبان من هذه الفصائل خلال الفترة الماضية وتحديداً من «فتح» و«الجبهة الشعبية» وغيرهما ممن تبنّوا رواية النظام السوري الملفّقة لما يحصل، مبرّرة بهذه الرواية عدم اكتراثها بأهالي المخيم وهم يتساقطون جوعاً.
لم تعد مفارقة أن نشاهد تقريراً إخبارياً عن فرحة الفصائل الفلسطينية بالمصالحة ليتبعه تقرير عن مأساة الفلسطينيين في «اليرموك». القطيعة حاصلة أساساً بين الطرفين، وليست هذه التقارير إلا مصادفة عادية وانعكاساً لحال الفلسطيني اليوم.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

mosalahatmasa

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s