سياسة
اكتب تعليقُا

سوريا: تدخل خارجي عن تدخل خارجي يفرق. وكرسي بوتفليقة ومعارضات ضمن الأنظمة

سوريا: تدخّلٌ خارجيٌ عن تدخّلٍ خارجيٍ يفرق

لا يهمّني كمال اللبواني ولا تهمّني مناداته «وا إسرائيلاه» متحرّشاً بنخوة السلاح الجوي لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وما انتقدته في زاوية سابقة هنا كان اللامبالاة التي لاقتها تصريحات اللبواني من قبل المعارضة السورية، هيئات وأفراد، حيث لم يتم التبرؤ من تصريحات كهذه ونقضها بالشكل الكافي، باستثناء مقالة لبرهان غليون ردّ بها على اللبواني مؤكداً عداوة إسرائيل التاريخية للسوريين شعباً وثورة.

ما يهمّني هو أن تحمي المعارضة السياسية الثورةَ السورية من ارتدادات كالتي قام ويقوم بها اللبواني، وتبرئة الثورة من انحرافات سامة كهذه. «يصطفل» اللبواني بآرائه لكن ما تلفّظ به قد يُجر ليُحسب على كامل التمثيل السياسي للثورة، تحديداً «الائتلاف»، وإن لم يعد عضواً في هيئتها السياسية.
قبل أيام أعاد اللبواني طرح مبادراته ولكن هذه المرة على منبر إسرائيلي هو موقع «والاه»، ليتلقّفه أكثر الفرحين به، إعلام الممانعة الهاوي لقصص كهذه.
من المنطلق ذاته، لن يهمّني ما أعاد اللبواني وتلفّظ به، كوني لا أراه يمثّل الوجه الحقيقي للثورة، وهي الثورة الأشبه بالشعب السوري، المنادي بإسقاط النظام ونيل حريته وكرامته من جهة، والمعادي بطبيعته لإسرائيل كدولة احتلال لفلسطين والجولان من جهة ثانية. ما يهمّني هنا هو كيفية انتقاد «أحد أقطاب المعارضة» لهذه الاستغاثة بإسرائيل.
في الحلقة الأخيرة من برنامج «خلف الجدار» استضافت قناة «الميادين» في فقرتها الثانية ماجد حبو، أمين سر هيئة التنسيق الوطنية السورية، وهو تجمّع يُحسب على المعارضة لكنه فيما يخص النظام وطبيعة معارضته والموقف من الثورة أشبه بـ «الجبهة الشعبية» تبع قدري جميل، وهذا ما قد يفسّر حالة «النقار والنقير» الدائمة بينهما على كل حال.
الثورة السورية المأزومة بكل أشكال المعارضة السياسية المرهونة إما لأمريكا أو لروسيا أو للنظام (شخصياً) أو لدول الخليج، لم يجد لها موقع «والاه» ممثلاً أفضل من اللبواني، ليكون الأخير مرهوناً لإسرائيل كما يبدو، فيصفه الموقع بـ «رمز المقاومة السورية»، وهي افتتاحية برنامج «الميادين» للفقرة. أين سيجد البرنامج أفضل منها لتعميم حالة اللبواني على الثورة؟ فرحاً بهذه الرمزية ومتبنّياً لها كما يبدو من سياق الحوار.
يكمل البرنامج نقلاً عن «والاه» قول اللبواني بأن «الثورة أوجدت فرصة تاريخية للسلام بين الشعبين السوري والإسرائيلي اللذين لهما أعداء مشتركين ومصالح متشابهة». لن نختلف على أن تلفّظات اللبواني هذه مستفزة وخارجة عما يمكن تسميته مجازاً «الإجماع الوطني» السوري، ولا يمكن سحب تصريحاته على «الائتلاف الوطني» وإن كان الأخير مقصّراً تقصيراً فادحاً في الرد عليه بشكل حاسم.
نرجع لـ «الميادين» وضيفها المعارض الممانع هو الآخر والذي لم يجد أفضل ما يعبّر به عن رفض مبادرات اللبواني غير: «نحن نرفض التدخل الخارجي في الأزمة السورية، وهي علاقة حاكم ومحكوم وشأن سوري صرف». إذن الرفيق يرفض أي تدخل خارجي، وهذا ما يتشاركه وآخرون، أنا منهم، ممتاز. ثم ينطلق في مداخلته لتعريف التدخل الخارجي، متطوّعاً للحديث عن «الإخوان» قائلاً بأن: «الإخوان المسلمون لا يؤمنون بالوطن السوري بل بالأمة الإسلامية، لهذا السبب يعتقدون بأن مسألة التدخل التركي مبرر ومشروع، والتدخل الإندونيسي والتدخل الشيشاني».
فهمتُ أن «إخوان سوريا» يبرّرون التدخل التركي، وكذلك الإندونيسي (لم أسمع به من قبل) والشيشاني، لكنها، وإن كانت مرفوضة، هي تدخلات منحصرة إما بالفردية كحالة الشيشاني وإما بالسياسية والإنسانية واللوجستية كحالة التركي. هل دخلت تركيا مثلاً بقوّات خاصة لحماية التركمان، أو المسلمين السنة، بالمقارنة مع إيران وتنظيماتها العربية والعالمية الطائفية؟
إن كان لا بدّ أن نحكي عن تدخّلات خارجية، وهو ما لن يحكيه ممثل لـ «هيئة التنسيق» كما لن يُحكى على «الميادين»، لمَ لا نذكر (كذلك) تدخّلات فادحة لروسيا من خلال الفيتو الذي منع مد جسور إنسانية كما منع تحييد الطيران السوري الذي لم نسمع إلا عن قصفه لأحياء وبيوت؟ عدا عن استئثار قصر الكرملين بالقرار السياسي السيادي للقصر الجمهوري في دمشق. ولمَ لا نذكر التدخلات العسكرية لجماعات طائفية تقاتل السوريين في سوريا بوحشيّة، وافدة من لبنان والعراق واليمن والعديد من دول آسيا، إضافة إلى التواجد العسكري المريع للحرس الثوري الإيراني في سوريا، وهو المتحكّم فعلياً على أرض المعارك الآن. لمَ لا نرفض التدخل الخارجي من كل هؤلاء؟ وهنا نحكي عن دول عظمى وتنظيمات عسكرية ذات بأس، تتوافد بالجملة.
مدركاً تماماً ما تريد «الميادين» سماعه وبالتالي بثّه، يستمر رفيقنا في الحديث عن «الإخوان» بأجوبة حضّرها لهذه المناسبة سلفاً كما يبدو، منتقلاً «بخفّة» إلى حركة «حماس» (دون أن يُسأل عنها ولا عن الإخوان) قائلاً بأنها: «تقبل بأن تكون حارساً على غزة بالعلاقة الإسرائيلية ما بينهم وبين الإخوان المسلمين. تجربة الإخوان القصيرة في مصر من خلال حكم مرسي تعطي هذه المؤشرات». دون أن يحكي لنا، بطبيعة الحال، عن مؤشرات وحقائق أن يكون النظام السوري الحارس الأكثر أمانة وإخلاصاً وتفانياً ونجاعة للإسرائيلي في الجولان طوال أربعين عاماً!
في الحوار الذي لم يتجاوز العشر دقائق (المقدمة والتقرير خمس دقائق)، ولأنه أدرك أنه لم يبد مقنعاً على الأغلب، أراد التذكير للمرة الثالثة قبل انتهاء مداخلته: «إننا في هيئة التنسيق نرفض التدخل الخارجي أياً يكن، السعودي القطري التركي الفرنسي البريطاني فكيف بالأحرى الإسرائيلي».
أولاً، رفض التدخل الإسرائيلي هو مسلّمة وطنية سورية وليست منّة أو موقفاً متمايزاً. ثانياً، يا رفيق، ولو حفظاً لماء الوجه أو احتفاظاً بشيء من المصداقية لدى المشاهد، ولو رفعاً للعتب، ارفض كل التدخل الخارجي، كل ما ذكرته مضيفاً إليه الروسي والصيني والإيراني و «الحالشي» وأي تدخل خارجي، خاصة وأن الأخيرة هذه هي تدخّلات لصالح نظام من المفترض أنك أنت تعارضه! بل ترى نفسك المعارض الوطني والحقيقي الوحيد له.

كرسي بوتفليقة ومعارضات ضمن الأنظمة
الصور التي نقلها الإعلام عن الرئيس الجزائري «الجديد» عبد العزيز بوتفليقة تظهر حقيقتين:
أولهما أن الرئيس العربي، مَشرقاً ومَغرباً، متشبّث بكرسيه حد الاستماتة، لا يتحرّك عنه. وإن كان لا بدّ من تحرّك فليتحرّك بالكرسي، ليكون الكرسي الرئاسي متحرّك، غير مقتصر على القصر، وبالمرّة غير مقتصر على البلاد.
تشبّث الرئيس العربي بكرسيه أعطى للعالم في الأيام الماضية أسوأ الأمثلة، بين الأسد المستعد لإفناء سوريا شعباً وعمراناً ومؤسسات ليبقى على كرسيه فقدّم الصورة الأكثر وحشية ودموية للديكتاتور، وبين بوتفليقة المتشبّث بكرسيه حدّ إثارة سخرية ستكون تاريخية، فيترشّح وهو عاجز عن الوقوف والكلام، بل ويكسب بما يقوف٨٠٪ (كيف لو لم يكن مقعداً!) وفوق ذلك يخاطب الـ ٨٠٪ من الجزائريين عبر «سكايب» لعجزه.
من هنا أسأل: هل بوتفليقة المُقعد والذي بالكاد ينطق (أو الأسد) هو المتحكم الفعلي بالبلاد أم أننا نحكي عن نظام مكوّن من شبكات متألفة من رجال الأمن ورجال الأعمال، أو ما يمكن تسميته بالدولة العميقة، وهي الشبكة التي استطاعت بنسختها المصرية إنعاش نظام حسني مبارك اليوم واعتقال من ثار عليه وتبرئة أركان نظامه المدانين!
أما الحقيقة الثانية من تجربة الانتخابات العربية، فهي بؤس المعارضات، علي بن فليس ردّد ما ردّده وسيردّده حمدين صباحي في مصر، وهو ما سيردّده أحد معارضي النظام السوري الذي قد يجن ويترشّح في مواجهة بشارالأسد، والذي لصدفة ما سينتحر بظروف غامضة بعد تكرار ما يقوله زملاؤه من المعارضات العربية بأنها انتخابات مزوّرة (لحظة، من يجرؤ على القول أن انتخابات يفوز بها الأسد، مزوّرة؟!).
الحقيقة أن معارضات كهذه ليست إلا جزءاً من بنية النظام، النظام بمعناه الأوسع، معارضة امتهنت دور المعارضة، لم تعرف غيره، وغياب النظام الحاكم أو تبدّله قد يشكّل أزمة وجودية ووظيفية لها، معارضة لا تعدو كونها «كومبارس» لا يزيد دورها عن ملئ خلفية لمشهد الانتخابات كي يكون التمديد الشكلي لاسم الرئيس أكثر إقناعاً!
بالمناسبة، ليس من الغريب أن تحتفي «الميادين» بالتاريخ الثوري لبوتفليقة، صديق الأسد وعدو الشعوب.

الصورة: مخيم اليرموك المحاصر

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

tadakhol4563

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s