سياسة
اكتب تعليقُا

حنين زعبي: حين يُرجع الفلسطيني إسرائيلياً من حيث أتى. العلويون والثورة والتعميم والتحريض

حنين زعبي: حين يُرجع الفلسطيني إسرائيلياً من حيث أتى

الكثير من الفلسطينيين ينفضون اليوم أيديهم من التنظيمات الفلسطينية، اليوم في المرحلة العربية ما بعد الثورات حيث انكشفت حقائق الشعارات التي كان يطرحها اليسار الفلسطيني تحديداً، حقائق أنها لا تعدو كونها كلمات مطبوعة على بيانات لم يعرفها هذا اليسار إلا كذلك، أما باقي التنظيمات فسمحت لها فرصة ممارسة السلطة أن تظهر بأبشع ما يمكن لها أن تظهر به. أحكي هنا عن التنظيمات الفلسطينية في كامل الوطن وفي المخيمات خارجه.

من بين هؤلاء تواجد «التجمع الوطني الديمقراطي» بخطاب وطني وقومي، ويساري بالمعنى المنقطع عن اليسار الكلاسيكي الستاليني الذي مثله «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» المقرب تاريخياً من إسرائيل ومن السلطة الفلسطينية والآن من النظام السوري، وهو أشنع ما يمكن أن يتمرّغ به حزب (لا أقول فلسطيني كونه يعرّف نفسه كإسرائيلي) يحوي فلسطينيين.

هذا طرح سريع أصل منه لحنين زعبي النائب في الكنيست عن حزب «التجمع» الذي أسسه عزمي بشارة كبديل يحمل فلسطينيي الـ ٤٨ إلى مشروع وطني وقومي وديمقراطي، وهو، فلسطينياً، التنظيم الوحيد حتى يومنا المنسجم مع شعاراته (الشيوعي الإسرائيلي منسجم مع شعاراته السوفياتية-السابقة والإسرائيلية بشكل أو بآخر) والمسنجم لا مع تطلّعات الحرية والتحرير والديمقراطية للشباب الفلسطيني فحسب، بل مع تطلعات مجمل الشباب العربي لذلك، من تونس إلى مصر إلى سوريا.

حنين زعبي القيادية في «التجمع» كانت ضيفة حلقة «حوار الليلة» على قناة «سكاي نيوز» بمناسبة «يوم الأرض»، مواجهةً «دبلوماسياً» إسرائيلياً هو مائير كوهين.

حنين العارفة جيداً كيف تدافع عن الحق الفلسطيني أمام صهاينة الكنيست والنائب العربي الأكثر إزعاجاً ما عرّضها لأكثر من اعتداء جسدي ولفظي، عرفت كيف تُخرج كوهين من الحلقة كما سيخرج يوماً من أرضها.

في رد أول عليه قالت: «نحن فلسطينيون ولسنا عرب إسرائيل. نحن عرب وفلسطينيون قبلك وقبل ما تيجي على بلادنا كمان.. أنا جزء من الشعب الفلسطيني وإذا بدكاش تحترم هويتي اترك الاستوديو الآن».

بعد بهدلة مطوّلة تتقلّب بين السخرية والغضب ومبنية على حقائق، حاول مقدّم الحلقة أن يقوم بما ظنّه تلطيفاً للأجواء مع كثير من السذاجة قائلاً: «السيد مائير يُعتبر من المعتدلين سيدة حنين».

«لا لا لا لا أنت تعتبره معتدلاً، هو صهيوني ومع الدولة العبرية وإذا كان يعرّفني بعرب إسرائيل فلا يمكن أن تناديه بالمعتدل».

ثمّ تعيد حنين تفسير مفهوم «عرب إسرائيل» من ناحية أكثر جذرية والتصاقاً بواقع المجتمع الفلسطيني في الداخل قائلة: «صحيح، أنت تمثل عرب إسرائيل وأنا أمثل الفلسطيني صاحب الكبرياء والكرامة.. أنت تمثل المشروع الصهيوني وأنا أمثل شعبي صاحب هذا الوطن».

لم يكن الغضب والسخرية في ردود حنين ليغطي الأرقام والأسماء والحقائق والأسئلة التي طرحتها أمام كوهين الهارب منها جميعها إلى أن هوّنت هي عليه الأمر بادية عدم ممانعتها من مغادرته البرنامج.

في محاولة أخيرة منه للإفلات حاملاً الموضوع إلى الخارج العربي قال: «عرب إسرائيل يعيشون في حال أفضل بالنظر إلى ما يحصل في سوريا».

لتردّ حنين المتعوّدة كما يبدو على أساليب المراوغة الخبيثة لإسرائيليين: هو يريد أن يقارن إسرائيل بالعالم العربي وسوريا، أي بالدول الديكتاتورية، لم تعد إسرائيل تقارن نفسها بالدول الديمقراطية، إذن الاستنتاج: لم تعد إسرائيل ديمقراطية بما أنها تقارن نفسها بدول تذبح شعوبها.

تنهي حنين الجدال: بالفلسطينية العامية، أنا فلسطينية غصباً عنك وهذا وطني غصباً عنك وإذا لم يعجبك ذلك ارجع من حيث أتيت.

بعد ثواني يترك كوهين البرنامج، إلى أن يرجع فعلاً هو وباقي الصهاينة من حيث أتوا.

العلويون والثورة والتعميم والتحريض

في فقرة من برنامجه «المنبر السوري» عن «العلويين والثورة» على قناة «الغد العربي»، يحكي موسى العمر «عمّا يُقال بأن هنالك حنق من العلويين على آل الأسد وأن غالبية العلويين ضد الأسد»، يحكي بأنه «كله كذب، كلّه خرط.. هم مع الأسد حتى آآآآخر رجل، حتى آآآخر نفس».

بكلام كهذا، ما الذي تركه بعض المعارضين السوريين المتظاهرين بالتمدّن لإخوانهم في «داعش» وخطاب تحريضي مبني على أساس طائفي وتعميمي كهذا يُلقى من ذقن حليقة وربطة عنق بنفسجية؟ اتركوا شيئاً لـ «داعش» و «النصرة» كي لا يرون في تطرّفهم اعتدالاً فيغالون فيه.

اتركوا ذلك للنظام، ما الذي يجعل العمر في برنامجه يقدّم للنظام ما عمل الأخير على إشاعته منذ بداية الثورة، أنه الحامي الوحيد للطائفة العلوية (ومجمل الأقليات) وأن الطائفة كلّها تؤيده. النظام طائفيٌ بقدر ما تخدمه الطائفة، وكثير من العلويين لأسباب كثيرة احتموا بالنظام وضاقت عليهم الخيارات اليوم، ثم يأتي العمر بعد «داعش» ليسدّها.

لكني وفوق ذلك كله لم أفهم دقّة الأرقام التي يطرحها العمر حين قال: «عندنا في سوريا ٣ مليون علوي»، على اعتبار أن سوريا له وأنهم، هو ومن معه، يستضيفون العلويين. هي الفكرة ذاتها عن الشبيحة من كتبتُ عنهم هنا في الزاوية السابقة أنهم يعتبرون البلد ملكية خاصة لآل الأسد وأن المكونات الاجتماعية الأخرى للسوريين ضيوفٌ عندهم!

يكمل العمر: «منهم مليونان وتسع مائة وتسع وتسعون ألف مع الأسد». إن كان لا بدّ من أخد البرنامج على محمل الجد (لا الهزل) في كل ما يطرحه بما فيه هذه الأرقام، فمن أين أتى بهذه الدقة؟ هل تأكد من أرقامه قبل أن يتداول نادي معجبي «داعش» الفقرة على يوتيوب مثلاً؟

ثم شطح بعيداً في دقة وموضوعية برنامجه قائلاً أن «العشرة آلاف الباقية، نصفهم من جماعة جميعنا مع الثورة، وضد النظام ولكن لا نريد للبلد أن تتدمّر» مقلّداً لهجة العلويين بتهكّم (لم يُوفّق بذلك على كل حال)، «والخمسة آلاف الباقية نصفهم متردّدين، والنصف الآخر معتقلين سابقين وأغلبهم خارج البلد».

صحيح أن غالبية العلويين استفادوا من التمييز الطائفي الذي منحهم إياه نظام الأسد (الأب والابن) ما قبل الثورة (ما كانت ستفعله أي طائفة أو أقلية في أي مكان)، وأن الأسد بذلك خلق لنفسه ولاءاً على أسس طائفية هي الأصلب من بين جميع الولاءات الممكنة، بما فيها الولاء الحزبي/البعثي، وصحيح أنه خوّفهم من باقي المكوّنات الاجتماعية في سوريا من طوائف وأعراق (وأنه كان تعميمياً في أحكامه وكان تعميمياً وتعسّفياً في حربه وقصفه واعتقالاته). وهذا نظام ديكتاتوري احتاج لاختلاق ذلك كي يضمن حاضنة شعبية يرجع لها في أوقات الأزمات، ويبني شبّيحته منها.

وكذلك صحيح أنه قمع المعارضين له من العلويين بالوحشية التي قمع بها معارضين آخرين أو بما يفوقها.

لكن لنترك النظام وكل سلوكيات الديكتاتوريات جانباً. بالحديث عن معارضةٍ لهذا النظام، لا بدّ أن تكون بديلة وديمقراطية وعلمانية، وإن لم تكن علمانية فلتكن علمية بعض الشيء فلا تستبيح الأرقام ولا تعمّم  حسب الطائفة ولا ترتكب ما امتهنه النظام وبنى عليه ولاءات سوريين، ولا تؤكدّ روايته بأن العلويين من بعده هالكون. هل هذه هي سوريا الجديدة؟

في آخر فقرته يذكر العمر العديد من مناطق الساحل السوري قائلاً بأنها مع النظام حتى آخر نفس، «هذه حقيقة يعرفها الجميع»، يقول في وقت تدخل فيه قوّات المعارضة (وغير المعارضة) إلى هذه المناطق.

هذا خطاب تحريضي على طائفة بعينها، بنسائها وأطفالها قبل رجالها، هذا تحريض صريح على القتل الجماعي لأهالي هذه المناطق التي ذكرها بالاسم قائلاً أنهم مع الأسد حتى آخر نفس، وذلك في وقت يستطيع فيه أي أحمق حاملاً السلاح أن يسمع ما قاله العمر ويحمله في رأسه ويرتكب به وبسلاحه في يديه مجازر لا لأن أمير حرب أفغانياً أشدّ حمقاً قد أفتى بجواز أو ضرورة ذلك، بل لأن إعلامياً سورياً حذقاً حليق الذقن له مظهر المتمدّن «والفهمان» قالها.

وتريد الآن من العائلات العلوية أن لا تحتمي بالأسد؟

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-haneen 4354

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s