سياسة
اكتب تعليقُا

أسفُ مصريي السيسي على ما «قدّموه». باسم يوسف إلى التسلية والترفيه. واقع الميادين كما تريده القناة

أسفُ مصريي السيسي على ما «قدّموه»

مجموعة من الناشطات الأجنبيات أتين إلى معبر رفح لدخول قطاع غزة للتضامن مع النساء هناك في يوم المرأة العالمي، لم يسمح لهنّ عسكر النظام المصري، بل احتجزهن ثم رحّلهن إلى بلادهن، واحتجاجاً على هذا المنع اعتصمن في المعبر ملوّحين بالأعلام الفلسطينية مغنّين «أناديكم أشدّ على أياديكم..»، شاهدنا ذلك في عدّة تقارير تلفزيونية تم نسيانها في اليوم التالي، لكن المسألة لم تنته هنا في الإعلام المصري الذي لن «يحطّها واطية» لهن، اللاتي أتين للتضامن مع الفلسطينيين في وجه إسرائيل فوجدن أنفسهن يتضامن مع الفلسطينيين في وجه النظام المصري.

على قناة «التحرير» المصرية استضافت مقدّمة برنامج «حول الأحداث» من عرّفت عنها برئيسة «رابطة المرأة العربية» لتعلّق على الخبر أعلاه. السيدة تبع «رابطة المرأة» استغربت ما فعلنه «اللي بسمّوا نفسهم نشيطات»، لتعلّق مقدّمة البرنامج مستغربة بدورها هذا التوقيت لمجيئهن «في الوقت الذي نقول فيه أن حماس بشكل قانوني هي جماعة إرهابية». تزيدها الضيفة من الشعر بيتاً بأنه «جزء من المخطط الكبير وأننا (تكمل متحسّرة) كنّا متضامنين مع القضية الفلسطينية لآخر درجة»، لتُوافقها المقدّمة متحسّرة على تحسّرها: للأسف.

إذن «للأسف» كان بعض المصريين متضامناً معنا، هذا البعض الذي ظهر في أكثر من مناسبة ليعبّروا عن ندمهم وعضعضة أصابعهم على «كل» ما قدّموه للقضية، لكني ومن موقع الفلسطيني أقول بأن الخدمة الكبرى التي قدّمها أي مصري للقضية تُقاس بمدى مشاركته في إسقاط أصدق أصدقاء إسرائيل وأميركا في المنطقة وهو نظام مبارك، أي مدى المشاركة في ثورة يناير ومدى تفعيل الطابع والبعد العربيين لهذه الثورة.

الآن يأتي أتباع النظام العسكري المعادي (لطبيعته العسكرية وسيرته منذ يوليو الفائت) للشعوب مبتدئاً بالمصريين غير منتهياً بجيرانه من الفلسطينيين والسوريين، يأتي هؤلاء أصحاب الثورة المضادة الفلولية والساعية لضرب كل ما حقّقته ثورة يناير، ليقولوا بأنهم (هم دون غيرهم) من قدّم لفلسطين من المصريين وأنهم آسفون لذلك! وهؤلاء أنفسهم يمنعون متضامنات أجنبيات سافرات كافرات (على الأغلب) من التضامن مع الفلسطينيين في غزّة (وربّما حركة «حماس») المُحاصَرة من قبل إسرائيل من ثلاث جهات، ومصر من جهة رابعة (لو عرف السيسي أنه يحاصر غزة من جهة «رابعة» لفكّ الحصار، بل جَزَرَه فوراً).

بعد ذلك تفحمنا المقدّمة بمعلومة تفيد بأن قطاع غزة أرض مصرية مُنحت للفلسطينيين. تؤكد عليها تبع «رابطة المرأة» هائمة في فكرة «المؤامرات الكبيرة التي تتربص بمصر.. والدول الغربية التي تفعل ذلك لأجندة خاصة» مفترضة أن المتضامنات قد أُرسلن لأجندات استخباراتية من «فرنسا وبريطانيا» كي يتضامنّ مع الفلسطينيين، المؤامرات التي تسعى «لتفتيت مصر، المؤامرة المتداخلة مع قضية الخلافة الإسلامية».

حسب رئيسة «رابطة المرأة» هذه، وبعد تأسفها على التضامن مع الفلسطينيين، فإن الدول الغربية تحيك مع «حماس» (بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن الإخوان) مؤامرة كونيّة تسعى أولاً لتفتيت مصر السيسي واحتلال سيناء وسلبها بعدما سُلب القطاع، وإقامة الخلافة الإسلامية على الأرض المسلوبة، أما الذي فضح مؤامرة «حماس» الإخوانية هذه فهنّ الخوّاجات العميلات الشقراوات بدليل أعلام فلسطين عليهن. لكن ما أود فعلاً معرفته هو رد فعل المتضامنات أنفسهن وقد وُضعن في سياق مؤامرة كونية تهدف لإقامة الخلافة الإسلامية وتشريع الإرهاب «الحمساوي»!

السيسي غلب مبارك 

في أيام حسني مبارك، وصل الخلاف مع «حماس» كحركة مقاومة إسلامية في فلسطين أشدَّه، لكن هذا الديكتاتور استضاف قيادات الحركة في القاهرة وجلس ومدير مخابراته عمر سليمان معها في مفاوضات المصالحة مع حركة «فتح». كانت في نظام مبارك كل الأسباب المصرية والفلسطينية والعربية لإسقاطه في ثورة شعبية، وهو لم يفعل بالفلسطينيين (الغزّيين واللاجئين من سوريا) ولا بالمصريين ما يفعله نظام السيسي هذا. اليوم تم تصنيف «حماس» كحركة إرهابية ومحظورة في مصر.

أختلف كثيراً مع «حماس» فكرياً وسياسياً وأخلاقياً وكتبت كثيراً في ذلك، لكن تصنيف أي تنظيم فلسطيني مُصنّف إسرائيلياً على أنه إرهابي، تنظيم صاحب تاريخ مقاوم للاحتلال (أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا)، أن يتم تصنيفه كإرهابي فهي سابقة عربية تشير للدرك الذي وصله النظام المصري الذي، كما سبق وقلت، لن أستغرب أياً من سلوكيّاته بعد ما فعله من مجازر بحق المصريين أنفسهم. نظام كهذا ألا «يتمتّع» بكل أسباب الثورة بما يفوق ما «تمتّع» به مبارك أو «الإخوان»؟

باسم يوسف إلى التسلية والترفيه 

كما كتبت هنا في الزاوية التي تلت عرض الحلقة الأولى من الموسم الجديد لبرنامج باسم يوسف سائلاً عن هامش الحرية الذي يمكن أن يُتاح له على «إم بي سي مصر» نظراً لرعاية النظام السعودي لحكم السيسي، وتبنيه سياسياً ومالياً وإعلامياً، و «البرنامج» يُعرض على شبكة القنوات السعودية التي لم نتعوّد أن نرى على شاشاتها ما يخالف السياسة الخارجية والداخلية للنظام الحاكم، وقناة «العربية» خير مثال، ولا يملك «البرنامج» إلا أن يخضع لهذه المعادلة الثابتة.

وكما توقّعت فالبرنامج من خلال الحلقات الخمس منه يتحوّل رويداً رويداً إلى حصر النقد والسخرية في «النظام الإعلامي» في مصر هازئاً من التلوّن الفضائحي والحربائي في الإعلاميين المصريين المطبّلين للسيسي بعدما زمّروا للثورة قبل أن يلحّنوا للإخوان في الوقت الذي كانوا فيه يقيمون «العَراضات الشامية» لنظام مبارك.

صحيح أن في كل ذلك مادة إعلامية دسمة ليوسف وصحيح أنه يضحكنا بذكاء وخفّة دم وبموقف هو كما سبق وذكرت الأقرب لمبادئ وشباب ثورة يناير، لكنه للأسف حصر نقده الساخر بالإعلاميين وبالمجتمع المصري المؤيد للسيسي وبكل ما يحوم حول الديكتاتورالجديد دون الاقتراب صوبه، ويبدو أنه فهم المعادلة التي تسمح له بالبقاء في شبكة القنوات السعودية دون أن يُغضب مالكيها.

أستطيع أن أرى أن يوسف وبرنامجه «يناضلون» لإبقاء البرنامج على «إم بي سي مصر» بتحاشي سيرة السيسي، بقدر يحفظ لهم استمرارية عروضهم من جهة، ويحفظ لهم حقّهم في عرض نسبيّ لمواقفهم السياسية من جهة ثانية، وهذا الأخير هو الأساس الذي بُني عليه البرنامج في موسميه الأول والثاني وهو الذي بدأت حصّته تتضاءل.

الآن بصمة «إم بي سي» الترفيهية تطغى على البرنامج. قد يتم إرضاء المشاهد أو إلهائه عن السخرية السياسية للبرنامج بسخرية اجتماعية وإعلامية مسلية ومضحكة، إلا أن الضحك هذا لن ينفع كرشوة لقبول الطابع الترفيهي الجديد للبرنامج.

واقع الميادين كما تريده القناة 

في الحلقة الأولى من برنامج «اقنعني» على راديو محلي لبناني، مقدّمته هي مراسلة نشرة الأخبار لتلفزيون «الجديد» زميل «الميادين» في الولاء لنظام الأسد، استضاف البرنامج غسان بن جدّو صاحب «الميادين» في حوار مطوّل، ليس لدى بن جدّو الجديد ليحكيه إلا ما لم نعرفه فعلاً بخصوص «الواقع» كما تراه القناة، والذي حكاه رئيس مجلس إدارة القناة بكامل وعيه أو بزلّة لسان تمنّى أن تمرّ على خير في حواره الإذاعي محدود الانتشار.

شعار القناة «الواقع كما هو» جرى تفسيره من قبل كثيرين بما يمكن أن يقارب سياسة القناة الموالية للنظامين الإيراني والسوري والمروّجة لكل موالينها. لكن بن جدو في حواره أعطى التفسير الأقرب للصحّة والأبعد عمّا يتمناه معجبو القناة.

يجيب بالحرف على سؤال يخص الشعار: قضية نقل الواقع كما هو يعني أننا لا نزوّر الواقع ولا نكذب على الواقع، لكن ليس بالضرورة أن نذكر الواقع كله كما هو. تعلّق المقدّمة: هذا لعب على الحكي يعني. يجيب: هذا طبيعي.

هل من تفسير أفضل لسياسة «الميادين» في نقل الواقع مما قاله مدير مجلس إدارتها؟ فليس بالضرورة أن نذكر الواقع كلّه كما هو، أي أننا نكتفي من الواقع ما يخدم النظام ونكتفي من الواقع ما يؤذي ثورة الشعب في سوريا. حين لا أنقل لك الواقع كلّه ولا أحكي لك الحقيقة كلّها وأنا أدرك أني لا أنقله كلّه، ولا أحكيها كلّها، وأدرك أني أفعل ذلك بقدر ما يخدم موقفي المسبق وروايتي المختلقة، فإن هذا في الإعلام قبل غيره، أساس الكذب. ثم وفوق ذلك كلّه، من الطبيعي أن أفصّل الواقع الذي يلائمني، ومن الطبيعي أن ألعب على الحكي فيما أبثّه للمشاهد!

الأسوأ في كل ذلك أن بن جدّو يرى فيه أمراً «طبيعياً».

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-asafo4536

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s