سياسة
اكتب تعليقُا

طلّاب جامعة بيرزيت متحدّثين باسم اليرموك. رداً على أحمد مجدلاني وفد منظمة التحرير للمخيم

نعرف أن ياسر عرفات تعوّد أن يرمي بأسوأ أتباعه إلى أسوأ لعبه السياسية وكان عادةً محمود عبّاس، الذي نراه اليوم وقد تعلّم من عرفات أصول الرمي، فيختار أن يرمي بأسوأ («أسوأ» هنا مفردة نسبيّة يمكن للقارئ أن يستبدلها بما يراه مناسباً، وقد تكون «أفضل» عند البعض حسب المعايير الأخلاقية قبل الوطنية) أتباعه وهو عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، يرميه إلى أحد أسوأ أدوار السلطة منذ تأسيسها، وهو دفاعها عن النظام السوري في قضية مخيّم اليرموك المحاصَر من قبل هذا النظام وأتباعه من التنظيمات الفلسطينية كـ «الجبهة الشعبية-القيادة العامة» و «فتح-الانتفاضة» وعلى الأغلب «الصاعقة» وهي التنظيم الفلسطيني في «حزب البعث»، التنظيمات الثلاثة الغريبة عن أرض فلسطين وشعبها وقضيتها، المقرّبة من نظام الأسد بقدر ما هي بعيدة عن أي جندي للاحتلال الإسرائيلي.

وأذكر قولاً مأثوراً لعرفات يقول فيه ما معناه أنك إن أردت أن تخطوَ وتدعس في بركة «ليست نظيفة»، أتفعل ذلك بالحذاء النظيف أم الـ «ليس نظيفاً»؟!

لنترك السلطة وفصائل المنظمة كلّها جانباً الآن، إن بدأتُ بالحديث عن مبرّرات حلّها كلّها وعدم أهلية قياداتها كلّها للحديث باسم شعبنا الفلسطيني لن أنتهي، وأحمد مجدلاني بالمناسبة الأمين العام لـ «جبهة النضال الشعبي الفلسطيني» إضافة لكونه وزير العمل في سلطة عبّاس، فهو، لبؤسنا، محسوب علينا كقيادي وإن لم تحوِ «جبهته» غيره. لنترك أولئك جانباً ونتلقّف مجدلاني هذا، الذي اختاره محمود عبّاس لتولّي مسألة تبنّي السلطة الكامل لرواية النظام السوري فيما يخصّ اليرموك، رواية مهما حوت من أكاذيب ردّدها مجدلاني، نقصت فصلاً كاملاً يخصّ قصف البراميل المتفجّر الشهيرة التي ابتدعها النظام السوري، على مخيم اليرموك في يوم يواصل فيه أهالي المخيم الموت جوعاً، لتحمل هذه البراميل «رحمة» قد يتمناها الجائع المحتضر لما تجلبه من موت سريع لا يسبقه وجع طويل!

سأتحدّث عن شباب فلسطيني لم تدجّنه قَولبة التنظيمات تلك، يسارها قبل غيره، شباب لا ينتظر تعميمات وبيانات المكتب السياسي للتنظيم يقرأها عبر الإنترنت ليتّخذ موقفاً من القتل الجماعي لأهله في اليرموك وخان الشيح وغيرها، ويكون دائماً (موقف التنظيم) موقفاً متبنّياً بالكامل لرواية النظام، في تماهٍ تام مع جبهة أحمد جبريل، وهذه في حدّ ذاتها سَوءة.

قبل أيام من نشر هذه الأسطر، تقدّمت إدارة جامعة بيرزيت بالاعتذار من مجدلاني معبّرة عن أسفها لما حصل. وكما كان في الدرس الذي لقّنوه الطلاب لموفد منظمة التحرير رد اعتبار ولو بسيط لليرموك، أتمنى أن تكون هذه المقالة محاولة لرد اعتبار بسيط حتماً لطلبة بيرزيت في فلسطين.

قبل فترة استضافت جامعة بيرزيت مجدلاني للحديث عن مخيم اليرموك بعد عودته من دمشق إلى رام الله وقد أدّى المهمّة «بأسوأ=بأفضل» ما يمكن. تصدّى له شباب فلسطيني حر «وبرفع الراس». تمّ تسجيل مقطعين لبعض مداخلات الشباب التي أظهرت جيداً لمجدلاني حجمه الحقيقي، هو والجهة التي أتى ليمثّلها، وتم نشْرهما على مواقع يوتيوب وفيسبوك وتويتر، انتشرت واسعاً وسريعاً كردٍ «الكتروني» واضح على سياسات السلطة والمنظمة بكل فصائلها على مواقفهم المعيبة تجاه أهلنا في اليرموك ومجمل الفلسطينيين والسوريين والثورة هناك.

في إجابة له على سؤال لإحدى الطالبات عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين في سوريا، أجابها مستهزئاً: لوين بدهم يرجعوا؟ لهون؟ قبل أن يهرب من الموضوع برمّته. لتعلّق هي بصوت مسموع: مش مآمن بحق العودة. ينتبه ويقول: أنا مآمن أكثر منك.

طالبة غيرها حاولت أن تعرف منه عن المساعدات التي لم تجد طريقها لليرموك، ليتوتّر أخيراً ويقول بأنه تنقصها معلومات جغرافية وأمور غيرها أولها الأدب، تردّ هي بأنها ستسأل أمهات الموظفين كيف يكون الأدب، مشيرة إلى مكالمة أجرتها إحدى الإذاعات المحلية مع مجدلاني كوزير للعمل وفيها سبّ الوزير على أخوات الموظفين في وقت ظنّ فيه أن المكالمة قد انتهت.

في مداخلة لطالب تحدّث بالأرقام والأسماء عن معاناة المخيم مشيراً إلى أن المنظّمة لم تحرّك ساكناً إلا إعلامياً وبأنكم: جنّنتوا سماواتنا على التلفزيون، وسط تصفيق الطلاب والتفات مجدلاني حوله كمن استشعر بوقعته في البركة الـ «ليست نظيفة» التي ذكرتها سابقاً. مضيفاً أن: كل واحد من أهالي المخيم برقبتك أنت وبرقبة كل قائد فلسطيني، ليحسّ مجدلاني بتوبيخه وقد سَفَلَ نظره إلى الورقة أمامه. ينهي الطالب حديثه بأنه: ابن جامعة بيرزيت جامعة الشهداء وابن المخيم ولا أهلاً ولا سهلاً بك هنا. ويخرج.

قبل أن يلحقه صديقه، هو أنس حسّونة، يقول في وجه مجدلاني أن: كندرة بنت صغيرة في اليرموك جوعانة بتسوى أكبر راس في القيادة الفلسطينية. أكبر رأس هي بالضرورة رأس رئيس السلطة الذي رمى مجدلاني هذه الرمية. ويخرج.

طالب آخر يقف ليطرح عدّة أسئلة عن دور المنظمة في قضية اليرموك ثم يكمل طريقه إلى الخارج دون الاكتراث بسماع إجابات مجدلاني الذي بانت على وجهه آثار تمرّغه في تلك البركة. ثمّ نرى العديد من الطلاب والطالبات يتركون القاعة ليحكي مجدلاني «مع الهوا» كما قالت إحداهن.

كان هذا ما عرضه مقطعان انتشرا على يوتيوب، لكن أنس حسونة أخبرني لاحقاً بما لم يتم تصويره، وبأن ما استطاع مجدلاني قوله كان عن المحاولات لإدخال المساعدات وعن القناصين الذين حسب ادعاءات الوزير حالوا دون ذلك، ليردّ أنس سائلاً عن البراميل، يجيب الوزير: براميل شو؟ يكمل أنس بأنها براميل تنزل من طائرات في السماء، يجيب مجدلاني: لا ما شفت براميل، انت شفت؟ يرد أنس: اه شفت يا سيادة الوزير، شفت براميل، عم تحكي إنو النظام فرض طوقاً أمنياً على المخيم لحماية العاصمة، ومع هيك بفوتوا المسلحين ع المخيم، بس الأكل مش عم يفوت. هنا قاطعه مدير الجلسة قائلاً بأنه يضيّع وقت المحاضرة، يرد: محاضرة! ما جينا هون لنحضر محاضرة، جينا هون لنحاسب الوزير ع موقفه المخزي وع تبنيه لرواية أفظع من رواية النظام السوري.
ولم تنقطع التعليقات الساخرة كما قال أنس خلال جلسة المحاسبة هذه، منها أن رجلاً عجوزاً علّق بأنهم، في النظام السوري، «مقبضينه منيح» لمجدلاني، آخر علّق بأنهم «محفظينه منيح»، وآخر علّق حين قال مجدلاني بأنه يعرف الوضع جيداً في المخيم، بأنه حقيقة «يعرف الوضع منيح في القصر (الجمهوري)» وليس المخيم.

ليس هنالك ما يمكن أن أكتبه بعد هذا الدرس الأخلاقي والوطني الذي أُلقي على سيادة الوزير ومرّغه وأغرقه حتى أذنيه في البركة ذاتها، لأن في فلسطين دائماً شباب وطني وحرّ لن يسكت على اعتقال وتعذيب وحصار وتجويع وقصف وقتل أهالي لهم في المخيمات خارج الوطن، لأن هذا الشباب هو الوجه الجديد لفلسطين، متحرّرين من الفصائل ومنظمة التحرير التي لا يعمل في مبناها في رام الله «إلا الأصنصير»، كما قالت طالبة في أحد المقطعين.

قبل أيام من نشر هذه الأسطر، تقدّمت إدارة جامعة بيرزيت بالاعتذار من مجدلاني معبّرة عن أسفها لما حصل. وكما كان في الدرس الذي لقّنوه الطلاب لموفد منظمة التحرير رد اعتبار ولو بسيط لليرموك، أتمنى أن تكون هذه المقالة محاولة لرد اعتبار بسيط حتماً لطلبة بيرزيت في فلسطين.

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s