سينما
اكتب تعليقُا

فيلم عبد اللطيف كشيش «حياة أديل»، ومحاكماتنا الأخلاقية

السؤال الأخلاقي حاضر وبإلحاح دائم لدى الكثير من المثقفين العرب في كل ما يخص الأعمال الفنية والأدبية، وهذا الحضور يتفشى في عقول هؤلاء كلما اقترب العمل من المشهدية، فتكون الأفلام السينمائية أكثر عُرضة لهذا السؤال مما يمكن لعمل أدبي أن يكونه. وبالتحديد أكثر، فإن الأفلام التي تطرح سؤالاً على المُشاهد المثقف، يمس بالجوهر سؤاله الأخلاقي، يُخضعها المُشاهد المثقف عينه غاصباً إياها وقارئيه لسؤاله، بل قضيته الأخلاقية التي من خلالها، وفقط من خلالها، يحلّل الفيلم ويفّفك بتمعّن اللقطات التي طرح الفيلم مسألته الأخلاقية، مشهدياً، من خلالها.

أكتب ذلك وفي ذهني الفيلم الفرنسي «حياة أديل» للمخرج الفرنسي التونسي الأصل عبد اللطيف كشيش. ليس موضوعي هنا الفيلم بقدر ما هو كيفية تلقي فيلم كهذا من قبل مثقفين عرب ظهرت من خلال كتابات تناولته. الفيلم يحكي في ما يقارب الثلاث ساعات قصة حب جمعت بين فتاتين في مدينة ليون الفرنسية، لدقة أكثر أقول أنه يحكي قصة إحداهن هي أديل (أديل إيخركوبولوس) في علاقتها مع الأخري وهي إيما (ليا سيدو)، قصة تسبقها بداية الفيلم ولا ندري إن تنتهي بنهايته لتبقى مفتوحة، في حين أن أحد «أهم» النقاد العرب رجّح أن العلاقة بين الفتاتين تنتهي فتمشي أديل متجة إلى «علاقة أكثر سوية وطبيعية». ويصور الفيلم من بين ما يصور في علاقة عادية بين اثنين، الجانب الجنسي في هذه العلاقة المثلية بين الفتاتين.

الفيلم حائز على جائزة «السعفة الذهبية» في مهرجان كان السينمائي للعام ٢٠١٣، وهذا سبب آخر للحديث عنه عربياً وعالماً، كما أن حديث الممثلات، وتحديداً ليا سيدو في الصحافة (دايلي بيست الأمريكية) عن الظروف القاسية التي خضعوا لها أثناء التصوير ورد المخرج عليها في الصحافة أيضاً (تيليراما الفرنسية)، والتوقيت الذي عُرض فيه الفيلم وقد زامن تظاهرات ونقاشات تتناول حقوق المثليين في فرنسا والتي نالوا من بينها حقهم في الزواج بقرارات للحكومة الاشتراكية الحالية، وإن لم يعترف بها اليمين الفرنسي الذي يتمثل في بعض عُمَد المدن والبلديات الفرنسية. في كل ذلك وغيره ما يمكن أن يجعل فيلماً كهذا يحتلّ مساحات واسعة في الصحف والمجلات الفرنسية، المتخصصة وغير المتخصصة، لكن بغير ما شغل «نقّادَ» عرب وصحافتهم، بغير السؤال الأخلاقي، إنما بقضية حقوقية إنسانية طُرحت في الفيلم بأكثر من شكل، كان من بينها (ما لن يرَوا غيره) المشاهد الجنسية التي انشغل أصحابنا هؤلاء في تصنيفها، أكانت إيروسيّة أم إباحية.

حين أقول أن السؤال الأخلاقي هو الذي يحضر في «نقد» كثير من المثقفين العرب فلا يعني ذلك حصراً رفضهم لعمل سينمائي فيه من الجماليات المشهدية والنصّية ما يضاهي «الانبهار» بالمشاهد الجنسية. بل، ولتبرير انفتاح أحدهم مثلاً، قد يشرع في «نقدٍ» مدّاح للفيلم دون رغبة منه بترك الحديث عن هذه المشاهد، ففي مجرد الكتابة عنها ما يذكّر بها على الأقل!

المشكلة أن أحد أسئلة الفيلم وهي العلاقة المثلية الجنسية التي صوّرها المخرج بحساسية وحسّية عالية، كانت أساس هذه الكتابات، إن كان برفضها وبالتالي رفض الفيلم، أو التحمس لها وبالتالي التحمس للفيلم، هنا بات السؤال الأخلاقي هو المحرّك الأساسي لهؤلاء، وإن يتم الإشارة لما هو غير ذلك، رفعاً للعتب على الأقل.

صادفتُ أكثر من تشبيه لهذه المشاهد في ما كُتب عن الفيلم، تشبيهَ جسدَي الفتاتين لمنحوتات تمثّل نساء عاريات في وضعيات يمكن (في الحقيقة) «لأي امرأة» أن تتخذها أثناء الممارسة الجنسية، دون الحاجة لربط شكلي وغريزي بين عمل نحتي هنا ومشهد سينمائي هناك في ما يمكن أن يربط أي مشهد وأي منحوتة وأي لوحة وحتى أي نص أدبي يقارب هذه الممارسة من ناحية جمالية. إلا أن العري والوضعيات المتخَذة في الفيلم أشبه بما تتجسد في منحوتات مجسّمة (أقرب للواقع) في أذهان الكثير مما يمكن أن تتجسد في شكل فني آخر. هذا التهذيب المعرفي والتقشف الجمالي على الأغلب هو ما استحضر تشبيهات سريعة كهذه.

إضافة للقيمة السينمائية النقدية للفيلم (وللنقد أهله يكتبون فيه)، تُطرح في «حياة أديل» قضية إنسانية بامتياز، حقوقية بامتياز، جمالية بامتياز، جريئة بامتياز، تتمثل في علاقة الحب التي جمعت بين الفتاتين، العلاقة التي لم يختصرها الجانب الجنسي فيها، الجانب الذي لم ير «نقّادنا» غيره، بل علاقة فيها من التوتر والفرح والنظرات والضحكات والبكاء والصراخ ما فيها، كما فيها جانب جنسي انشغل أصحابنا في تصنيفه بين الإيروسيا والإباحية. أضاف هذا الجانب للفيلم جماليات حسّية يكون الفيلم ناقصاً بدونها، لأن (ببساطة) علاقة أديل بإيما تكون حتماً ناقصة بدونها.

استطاع كشيش أن يُخرج لنا فيلماً مخلصاً لطبيعة العلاقة المثلية من عدة نواحٍ كان الجنس من بينها، أن لا يرى أحدنا غيره فهذه مشكلته، مهما كان مثقفاً ومنفتحاً، أما السؤال الأهم المطروح في الفيلم، مهما حاول أحدنا تجنب التطرق إليه كمسألة أساسية فيه، هي طبيعيّة العلاقة المثلية، ومن ضمن هذه الطبيعيّة، الحسية المفرطة التي استطاع كشيش أن يصورها في المشاهد التي جمعت الحبيبتين بكامل عريهما وصدقهما الداخلي قبل أن يكون الخارجي، حسّية لم تنحصر بالمناسبة في هذه المشاهد بل ظهرت في غيرها، ليس تناول أديل للسباغيتي والشوكولا بشراهة طفولية إلا أحدها.

أراد كشيش الإبقاء على اسم الممثلة أديل ليكون اسم الشخصية التي تؤديها، أديل، ليشمله اسم الفيلم «حياة أديل»، كونه أقرب إلى كلمة «عدل» بالعربية كما قال، وفي ذلك رأي صريح في قضية المثليين المطروحة في فيلمه.

ليست هي قضية جنسية كما يدركها المحافظون العرب تماماً كما أدرك مثقفونا الفيلم، فالزاوية التي يرى من خلالها المحافظون المثلية مجتمعياً ليست بعيدة عن الزاوية التي رأى مثقفون عرب الفيلم فنياً، أكانت حمداً به أم ذماً، فبالنهاية كانت قاصرة وخاضعة لمحاكمات أخلاقية كانت الأساس في موقفهم منه، فإما أنهم رفضوه للقضية التي يطرحها والمَشاهد التي يحويها، وإما قبلوه لأنه طرح القضية والأهم لأنه حوى المَشاهد ولأنهم أرادوا أساساً الإثبات لأنفسهم على الأقل انفتاحهم المفترض العلني عليها.

بعيداً عن كل ذلك الآن، وبعيداً عن القضية العادلة التي يطرحها الفيلم، الجمالية والحسية والحساسية التي تعبق بها هذه الممارسات للفتاتين، الشغف الذي استطاع الفيلم تلمّسه فيها، أليست سبباً إضافياً للوقوف إلى جانب هؤلاء في اختياراتهم المجتمعية والجنسية؟

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s