سياسة
اكتب تعليقُا

الثورة السورية وقد شكّلت فكرةَ فلسطين الجديدة.. عن الثورة والقضية والمخيمات والفلسطينيين والسوريين

من بين الأمور الكثيرة التي ألزمت الثورةُ السورية بإعادة تقييمها وإدراكها، هو مفهوم «فلسطين» عند الكثير منا، هي فكرة «فلسطين» وما يمكن أن تدلّ عليه كثابت تتأسس عليه مواقف تجاه قضايا سياسية وثقافية عديدة. مع اندلاع الثورة السورية وضمن سيرورتها تجلّت الحاجة إلى إعادة التقييم والنقد والإدراك فيما يخص هذه القضايا بناء على فكرة جديدة لـ «فلسطين» بدأت بالتشكّل.

هل الرابط بين الثورة السورية وفكرة وقضية فلسطين بهذه العضوية؟ تماماً. ليست المسألة تجاوراً جغرافياً وبالتالي تاريخياً بين البلدين كأي متجاورين على الخارطة، هنالك ما هو أشمل وأعقد لما يضيفه التاريخ على هذه الجغرافيا، وكي لا نذهب بعيداً في التاريخ، لنذكُر الثورة الفلسطينية المعاصرة التي كانت لسوريا أرضاً (مخيمات ومدن وقرى) وشعباً دوراً محورياً فيها، في النقيض من الدور الاستحواذي والانتهازي الذي لعبه نظام الأسد الأب تجاه الفصائل الفلسطينية ومن خلالها، تجاه القضية ككل. كما أن هنالك ما هو أشمل وأعقد لما يضيفه الاجتماع/المجتمع على هذا التجاور الجغرافي، من المطبخ إلى الرقص إلى التفاصيل الحياتية مروراً باللهجة، وهو ما يتشاركه على كل حال شعوب المشرق العربي عامة، الأقرب في بنيتها لتكون شعباً واحداً.

هنالك ما هو أعمق من كل ذلك إذا ما تكلّمنا عن البلدين سوريا وفلسطين وما يجمعهما تاريخياً وثقافياً واجتماعياً، لكن ليس هذا موضوعي بالأساس، بل ما أحكي فيه هنا هو ما يمكن أن يمتاز به هذين البلدين من خصوصية تجمعهما عضوياً إضافة لكل ما سبق، وهو اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، في مخيماتها ومدنها.

شكّل وجود هذه الكتلة البشرية بأبعاده الاجتماعية والذي استمرّ لسنوات طوال منذ عام النكبة، شكّل بنية مجتمعيّة خاصة، تحمل أمكنة فلسطين بأسماء مدنها وقراها إلى سوريا، شكّل هذا الوجود حالة ما بين السوري والفلسطيني مماهياً إياهما، ما يشكّل إضافة للهوية الوطنية الفلسطينية، لا انتقاص. أجيال وُلدت في سوريا وعاشت وكبرت فيها وشكّلت ذكريات وعلاقات، مع الناس والأمكنة، هي الأجيال ذاتها التي تشكّل مدنهم وقراهم في فلسطين حالة الانتماء الأوّلي، كأنما للفلسطيني في سوريا انتماءين متكاملين، أحدهما واقعي ويومي وحياتي تشكّل في سوريا، والآخر حكائي تأمّلي وطني تشكّل في المخيمات في سوريا.

الفهم الجديد لفكرة «فلسطين» صار محكّها هؤلاء، صار مركزها هؤلاء، هنا نحكي عن فلسطين والفلسطينيين المنحازين دائماً لحريات الشعوب وثوراتهم، أنّى كانت هذه الشعوب، فكيف بالحديث عن السوريين وثورتهم؟ فكيف بالحديث عن ثورة صنّعت فكرةَ «فلسطين» الجديدة كما صنّعت فكرةَ «سوريا» الجديدة؟

اليوم ومع الثورة السورية، توضّحت الانتماءات وخفّت تعقيداتها وبعض ما كان مكتوماً فيها، لدى الفلسطينيين في سوريا. تجلّى الانتماء مع الحالة السورية الجديدة: شعب لم يعد يطيق الاستبداد الذي يعيشه، فثار عليه وضحّى لثورته فعظمت به وعظم بها، هنا تبدّى بشكل أشدّ شعور الانتماء لهذا المجتمع، لهذا الشعب الذي تبدّى لديه في زمن سابق حالة انتماء مثيلة تجاه القضية الفلسطينية مع الثورة الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

اليوم هو الشعب عينه أطلق ثورته وما كان للفلسطيني في مخيماته إلا أن يعبّر عن حالة الانتماء الما فوق جغرافيّة وما فوق تاريخيّة التي تجمع بين الفلسطيني في سوريا، والسوري في سوريا، وتحقّقت الفكرة التي لم تكن يوماً إلا واقعاً لكن مغيّباً: أن المخيمات الفلسطينية هناك جزء من الإرض السورية، الأرض التي قرّر أصحابها الثورة على طاغيتهم ونظامه، فما كان لشركاء السوريين في هذه المخيمات إلا أن يتشاركونهم ثورتهم، بالعمل الإنساني والإغاثي بداية، ومن ثم بالحراك الثوري الفعلي وبمنح شهداءَ ودماً فلسطينياً لهذه الثورة.

بهذه العلاقة العضوية بين الفلسطينيين والسوريين في سوريا، ألزمت الثورة التي أطلقها السوريون إعادة إدراك لفكرة «فلسطين» كما لفكرة «سوريا»، نتحدث اليوم عن سوريا التي قدّم شعبها ويقدّم في بضع سنوات قد تمتد، قرباناً لحريته كما لم يفعل غيره في التاريخ المعاصر، هذه فكرة سوريا الجديدة التي تعيش سيرورتها وحالة تشكّلها في الوعي السوري والفلسطيني والعربي والعالمي، والحرية التي تتشكّل في سوريا الآن بدأت بالثورة على طاغيتها ونظامه، وقد لا تنتهي بإسقاط التطرّف الإسلامي الذي اجتاح البلاد.

أما فكرة «فلسطين» التي لا بدّ من إعادة إدراكها، فهي النقيض تماماً للفكرة المرتبطة بإدراك النظام السوري وتوابعه من الفصائل الفلسطينية والأحزاب العربية لها، النقيض تماماً لأن فكرة فلسطينية جديدة قد تجلّت مع الثورة السورية، فكرة تعيد الاعتبار لمفاهيم كالحرية والإنسانية والعدالة وأن لا عزاء لفلسطين دونها، فكرة لها أنبياؤها، هم الفلسطينيون في سوريا، أتت من إيمانهم بالثورة السورية التي بدأت بتشكيل وعي جديد لقضيتهم، لفكرة «فلسطين» ولفكرة الانتماء لديهم إلى وطنهم كما إلى سوريا، بمعنى آخر: تشكّل وعي جديد لحالة الوحدة بين فلسطين وسوريا، وحدة بين ما جلبه معهم اللاجئون عام النكبة من فلسطين، وبدأوا، مع السوريين بجبلها بالمدن والشوارع والناس لخمسة وستين عاماً حتى يومنا هذا، وحدة كان لا بدّ من ثورة بهذه العظمة كي ندرك عمقها.

الفهم الجديد لفكرة «فلسطين» صار محكّها هؤلاء، صار مركزها هؤلاء، هنا نحكي عن فلسطين والفلسطينيين المنحازين دائماً لحريات الشعوب وثوراتهم، أنّى كانت هذه الشعوب، فكيف بالحديث عن السوريين وثورتهم؟ فكيف بالحديث عن ثورة صنّعت فكرةَ «فلسطين» الجديدة كما صنّعت فكرةَ «سوريا» الجديدة؟

 في مجلة أوراق – رابطة الكتاب السوريين

awraq-athawrawakad

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s