سياسة
اكتب تعليقُا

الإخبارية السورية كمثال يُحتذى. ياسين الحاج صالح تلفزيونياً. إشارتان لقناة فرنسا ٢٤ في عيدها

الإخبارية السورية كمثال يُحتذى

يمكن بكل ثقة القول أن قناة كـ «الإخبارية السورية» وأخرى كـ «الميادين» وغيرهما من الإعلام «الممانع» تُشكّل مدرسةً في الإعلام العربي لها لطخاتها وبصماتها الخاصة، لها مثلاً مقدماتها الخاصة التي تسبق تقاريرها، والتي باتت تدلّ عليها من أول عبارتين، هذا عدا عن محتوى هذه التقارير من نص وصور بل وإلقاء لها على مسامع وأعين المشاهدين كأنه إلقاء عن منصّة، هذه مدرسة استطاعت، مع الثورة السورية، أن تكرّس لطخاتها/بصماتها في الإعلام العربي وتلفزيوناته المتكاثرة.

ولتوضيح المسألة سأتناول تقريراً يتناول الفلسطينيين واتفاق جنيف بشأن ملف إيران النووي، علماً أن لا علاقة مباشرة بين الفلسطينيين وهذا الملف، وصفة الفلسطينيون عند القناة تنحصر في أهالي الضفة، لا المخيمات ولا غزة ولا الـ ٤٨، وذلك غالباً للمحبة المستجدة والمتبادلة بين زميلَين في القمعية هما السلطة الفلسطينية والنظام السوري.

فجأة، ألقت المذيعةُ الخبرَ على رؤوسنا كالتالي: الفلسطينيون عدّوا اتفاق جنيف نصراً كبيراً لإيران، وصفعة قوية لإسرائيل، تكبييير.

أما التقرير، فمجرد السماع له يوحي بأن ما قالته المذيعة ليست سوى المقدمة، يقول معدّه بأن الفلسطينيين اعتبروا الاتفاق «محطة مفصلية في تاريخ البشرية». لكن لحظة، من أين يخرجون لنا بألفاظ كهذه، غير من كتب «التربية القومية» المثخنة بالمحطات المفصلية في تاريخ البشرية، أهمها هي طبعاً خطابات الأسد (الأب أو الابن مش فارقة).

يكمل التقرير بأننا كفلسطينيين اعتبرنا الاتفاق نصراً كبيراً ليس لإيران فقط وإنما للمنطقة بشكل عام. أنا أولاً أتوجّس من تسمية «المنطقة» لهذه البلاد، هي تسمية فضفاضة يُراد بها شمل إيران و/أو إسرائيل. وإن أراد التقرير الإشارة إلى إيران بهذه الكلمة إلا أن إسرائيل تأبى إلا الحضور كلّما ظهرت كلمة «المنطقة» للدلالة على بلادنا العربية قبل غيرها.

والحقيقة أن إسرائيل هذه والنظام الإيراني (المبرران الدائمان لإطلاق تسمية المنطقة لبلادنا) قد حقّقا معاً النصر الكبير الذي يتكلم التقرير عنه، من خلال توافق عام بسلامة وأمن واستقرار كل من المؤسسة الصهيونية من جهة والنظام الملالي من جهة أخرى، بضمان ورعاية أمريكية، أمريكا الحريصة على والعارفة بمصلحة إسرائيل المدلّلة كمعرفة وحرص الأم بمصلحة ابنتها.

ثم يستضيف التقرير ما يسميه «خبيراً استراتيجياً» ما لم أسمع باسمه ولم أر شكله من قبل، وهذا الاستراتيجي ردّد بأنها مرحلة هامة في تاريخ البشرية، كأن الجملة معمّمة للجميع من المقر الرئيسي للمدرسة الإعلامية إياها في دمشق، أو أنهم قرؤا من كتاب «التربية القومية» ذاته.

ثم ظهر لنا في التقرير بسام الصالحي أمين عام حزب الشعب الفلسطيني المتنكّر لتاريخه الشيوعي، وكالعادة لم يقل ما فيه أهمية لذكره، هو على فكرة وعلى الأغلب بات العضو الوحيد في هذا الحزب إضافة لبعض المستوزرين في حكومات السلطة، الحزب الذي لم يمثّل غير ظهير أيسر للسلطة الفلسطينية وشاهد الزور لها والشريك المخلص في حكوماتها.

أما ضربة المعلّم للتقرير فهي مقابلة محلل سياسي لصيق بالسلطة الفلسطينية ومبرّر ممل لكل سياساتها التنازلية هو سميح شبيب، وكان واجباً عليه في التقرير أن يقول الآتي: الآن تمكنت قوة من قوى التحرر العالمي وهي إيران أن تمتلك القدرة النووية وأن توظفها لمصالح سياسية تخدم الشعوب في الشرق الأوسط جميعها.

لا أعرف إن كانت من ضمن هذه الشعوب شعوب فلسطين وسوريا وإيران، وأي مصالح لهذه الشعوب في تثبيت أركان أحد أكثر الأنظمة قمعية وطائفية في العالم؟ نظام تلتف حوله، للصدفة، أنظمة وسلطات كالسورية والعراقية والكورية الشمالية والفلسطينية.

لا بد الآن من نهاية عرمرية للتقرير: استيقظت إسرائيل على وقع صفعة قوية هي اتفاق جنيف. فعلاً، من أين يأتون بهذه المفردات، والأهم، التحليلات والاستنتاجات؟

أخيراً، هؤلاء هم الفلسطينيون بالنسبة لـ «الإخبارية السورية»، فلا فلسطينيين في غزة، ولا فلسطينيين في المخيمات والعالم، ولا في الداخل الفلسطيني، أما في الضفة تحديداً، فالفلسطينيون هم فحسب أتباع السلطة الفلسطينية وسياسات أبو مازن التي تجلّت في آخر إبداعاتها بتأييده العلني لنظام الأسد، محاصر ومجوّع الفلسطينيين في اليرموك ممن نفدوا من القتل ولم يستطيعوا اللجوء.

ياسين الحاج صالح تلفزيونياً

بعد تخفيه من النظام السوري في ريف دمشق ثم من «داعش» في الرقة، استطاع الخروج من سوريا وصار بإمكان القنوات التلفزيونية إجراء لقاءات معه. ياسين الحاج صالح هو من أكثر المعارضين والمثقفين السوريين تأثيراً، وتحديداً في جيل الشباب من خلال مقالاته الصحافية و«إدراجاته» على صفحته على فيسبوك.

لكن شخصاً مثله لن يكون مركز اهتمام لهذه القنوات، حتى وإن تمكّنت من الوصول إليه، فخطاب الحاج صالح هو أولاً هادئ وعقلاني وهم يبحثون عن الصارخ المهيّج، وهو ثانياً صاحب رأي مستقل وهو رأي ثقافي قبل أن يكون سياسياً، وهم يبحثون عن رأي عاطفي ميّال لسياسة القناة عينها، هم يبحثون بالنهاية عمّن يعرف كيف يخاطب المشاهد بأسلوب أقرب للغريزي من جهة، ويعرف كيف يراعي الخط التحريري للقناة من جهة أخرى.

ظهر الحاج صالح أولاً في مقابلة مع ريما مكتبي على «العربية»، ثم مع المحاورة الممتازة ملاك جعفر في برنامج «بلا قيود» على «بي بي سي عربي»، وفي كلتيهما كان تماماً كما يعرفه قرّاؤه ومتابعوه على الفيسبوك، هادئاً وواثقاً.

أصوات كالحاج صالح تندر أن تظهر أو تُسمع على التلفزيونات الإخبارية لأسباب عديدة من بينها ما ذكرت، لكنها أصوات حاضرة في سياق الثورة السورية ولا بدّ من إيلائها كل الاعتبار الممكن إعلامياً، هي حاضرة من خلال الصحافة المكتوبة بالأساس، يعتمدون الموقف النقدي والثقافي والسياسي تجاه الحالة السورية بالمجمل، و«نظيفون» من التنميط الذي يسبغه الظهور التلفزيوني المتكرّر للمثقفين، على المثقفين.

لتُخفّف هذه القنوات بعض الصراخ الهائج عبر شاشاتها ولتعطِ مساحة لأصوات كهذه قد تبدو (تلفزيونياً) غريبة عن الخطاب السوري العام المعارض، إلا أنها حاضرة وبقوة، لأن ليس التلفزيون الذي يصنع الواقع على كيفه.

إشارتان لقناة فرنسا ٢٤ في عيدها

تبث قناة فرنسا ٢٤ إعلاناً عن الحلّة الجديدة التي ستظهر بها في الثاني عشر من ديسمبر حيث ستحتفل بعيدها السابع، تشمل الحلّة هذه البث المباشر والتحقيقات والتغطيات كما تشمل الموقع الالكتروني والتطبيق وكذلك الشعار.

منذ ظهورها حاولت القناة أن تحيد عن الاستقطابات التي تعصف بباقي القنوات الإخبارية، وكما أرجع وأؤكد فلكل قناة مالك هو نظام سياسي لا تألو جهداً في تماثلها معه، إن كان بمبادرة ذاتية من المؤسسة الإعلامية و/أو بمبادرة ذاتية من النظام السياسي.

أما «فرنسا ٢٤» فهي فرع تابع للإعلام المسموع والمرئي الخارجي لفرنسا، أي بمصطلحاتنا، هي قناة تابعة للنظام الفرنسي. لبؤسنا نحن العرب فحين نقول النظام العربي (أو أي نظام عربي محدد) نذهب بعقولنا حصراً إلى نظام سياسي قابع على أنفاس الناس هناك، أما حين نقول النظام الفرنسي فتذهب هذه العقول حتماً إلى النظام التعليمي أو الصحي أو أي نظام خدماتي يجعل الناس أقل تعاسة وأكثر سعادة.

المهم، لم تستطع القناة بعد سبع سنوات من عمرها منافسة «هوامير» كـ «الجزيرة» و «العربية» ومؤخراً «سكاي نيوز» لأسباب أهمها المال، المال السياسي تحديداً، لكنها استطاعت أن تتميز في برامجها، كونها برامج مشتركة بين قنوات «فرنسا ٢٤» بنسخها الثلاث، الفرنسية والإنجليزية والعربية. وليس البرامج فحسب، بل التقارير الصحافية والوثائقيات وغيرها مما تتشارك به النسخ الثلاث للقناة، فنشاهد العديد من تقاريرها وقد دُبلجت للعربية، وهذا من أهم ما يميز هذه القناة، التي تستفيد من امتداداتها الفرنسية، عن «الهوامير» الإخبارية العربية الأقرب للعقلية المحافظة والمعتبرة أشد الاعتبار للخط السياسي للدولة الممولة.

حتى لو بثّوا تقريراً يفاضل بين الشاي والقهوة كمشروب ما بعد الغداء، أتخيّل لو أن التقرير مالَ للقهوة في حين أن صاحبنا الممول «النظامي» يميل للشاي، إيه والله قبل الشاي وقبل القهوة إلغاء إقامة وتسفير.

للقناة أسلوبها في كسب مشاهدين ويبدو أنها لا تسعى لمنافسة تلك «الهوامير» بقدر ما تسعى للحفاظ على موضوعية نسبية هي الأجدر بها من بين جميع القنوات الإخبارية العربية، ولعلّ غياب النقاشات القتالية على شاشتها حال بينها وبين عدد أكبر من المشاهدين العرب المتعطّشين لرمية كرسي أو ضربة كف على الهواء.

نقطتان سلبيتان لا بدّ من الإشارة إليها بعجالة، أولهما هي التركيز الأكبر للقناة على المشاهد المغاربي، وهو ما تعكسه برامجها وأولويات أخبارها، القناة تعرف أن النسبة الأكبر من مشاهديها هم من المغرب العربي، لكنها تخطئ بجعلها ذلك محرّكاً لبرامجها وأخبارها، فالأولى أن تعمّم خطابها ليشمل العرب بالمجمل مشرقاً ومغرباً معتبرة أهمية الحدث سياسياً لا المكان الجغرافي للحدث.

أما المسألة الثانية فهي تخص أحد محرريها والذي راسلها منذ فترة من دمشق، عثمان تزغارت الذي لا يخفي ميوله لنظام الأسد عبر تقاريره في القناة ومكاتبته لجريدة الأخبار اللبنانية الداعمة للنظام وحزب الله. لا أعرف مدى تأثيره على الخط التحريري للنسخة العربية للقناة، ولا يبدو تأثيراً ملحوظاً، لكن اتصالاً تلفزيونياً معه أو تقريراً بسيطاً له من دمشق كافٍ بربط ذهني بين هذه القناة وبين ما يحصل من اختراعات على قناتَي الميادين والإخبارية السورية مثلاً، وهو ما بدا غريباً على هذه القناة التوركواز. آمل ألا تغير القناة لونها في حلّتها الجديدة.

للقناة أسبابها في كسب المزيد من المشاهدين، أهمها حفاظها على موضوعية استطاعت بشق الأنفس أن تجرّها معها إلى عيدها السابع.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-alikhbariyakamithal

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s