سينما
تعليقان 2

«سينما جنين» الفيلم الوثائقي والوُفود الأجنبية والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي

عرضت قناة ARTE الفرنسية/الألمانية في الرابع والعشرين من نوفمبر الفائت الفيلم الألماني «سينما جنين، قصّة حلم» للمخرج الألماني ماركُس فيتر، وذلك ضمن برامج القناة للأفلام الوثائقية.

يصوّر الفيلم الأحداث الواقعية لمحاولات المخرج في العمل على إعادة ترميم وتأسيس سينما جنين التي أُغلقت أثناء الانتفاضة الأولى عام ١٩٨٧ كغيرها من دور السينما الفلسطينية التي أُغلقت في حينها. أخيراً، لا تبوء تلك المحاولات بالفشل، ينجح المخرج أولاً في تأمين التمويل وتجميع الموافقات المطلوبة للعمل على إعادة تأسيس السينما كما ينجح في تصوير فيلمٍ يوثّق لهذه المحاولات، والأهم، يُظهر ضمن عمليات تصوير لمشاورات ومجادلات حقيقية بخصوص إعادة التأسيس، يُظهر تمثيلات عن ثلاث فئات من المجتمع الفلسطيني، الأولى هي الفئة المنتفعة وإن كان لا بد من تنميط فهي المعروفة بالبرجوازية الصغيرة المتزلفة المستميتة لتكويم ثروة تؤهلها لمسح كلمة «صغيرة» المجانبة لـ «برجوازيتهم». وفئة ملّاك العقار وهي الرأسمالية التي تقيّم أي مشروع بكمية المال الذي يمكن أن يدرّه وحسب، دون أي التفات لأي اعتبارات أخرى. وفئة المثقفين والمقاتلين المقاومين لهواجس وانجرافات وانتهازية وشراهة الفئتين السابقتين، هذه باختصار الفئات الثلاثة التي أظهرها الفيلم، أظهرها مجبَراً ولم يخترعها أو يقحمها على مجتمعنا الفلسطيني ضمن مؤامرة رأسمالية غربية! هي موجودة في واقع مجتمعاتنا وكان الفيلم تصويراً لها لا أكثر، كما كان مشروع السينما مناسَبة مناسِبة لها كي تظهر.

الفيلم الجيّد فنّياً من إنتاج عام ٢٠١١، وشارك في العديد من المهرجانات العالمية كان آخرها مهرجان ملاتيا التركي هذا الشهر. أتي المخرج إلى جنين لغاية العمل على ترميم وإعادة فتح السينما التي أُغلقت لما يقارب سبعاً وعشرين عاماً، كما العمل على فيلمه التوثيقي. اصطدم بفئتين من المذكورة أعلاه، الأولى هي ملّاك العقار، ملّاك المبنى من حاولوا تعطيل المشروع لابتزاز هذا الأجنبي الأشقر واستفسارهم الدائم منه عن المنح المالية المنتظرة من الجهات الألمانية وعما سيطالهم من هذه المبالغ دون إبداء أي اعتبار للدور الثقافي والسياسي والترفيهي الذي يمكن لهذه السينما أن تلعبه في هذه المدينة بعد أن كانت جدراناً مهجورة. كان يمكن لهؤلاء أن يخرّبوا المشروع من أساسه بسبب شرههم (وريالتهم الشاطة) على مشروع يقدّمه لهم أجنبي يؤمّن المنح المالية والعمالة التقنية الأجنبية، وكل ما يحتاجه كان موافقتهم كونهم ملّاك العقار، وهم لا يملّون سؤاله عن المنحة المالية الألمانية وعن نصيبهم، هو يحكيهم بحرقة وهم ينفثون دخان الأرجيلة غير مبالين بكل الأوجه الثقافية والفنية لهذا المشروع.

يحكي الفيلم بأحد أشكاله عن مسألة التطبيع وتأثير بعض الوفود الأجنبية القادمة إلى بلادنا تحت مسمّيات كالتضامن والعمل المدني والاجتماعي، على ميول تطبيعية لأفراد من هذا المجتمع. أقول «بعض الوفود» لأن البعض الآخر يأتي متضامناً من منطلقات ومقاييس فلسطينية لا أوروبية.

الفئة الثانية التي كان لا بد أن يقيم لها المخرج اعتباراً ولم تكن عقبة بل توجيهاً يتوجّب اتباعه، وكان يستشيرها في كل المسائل ما وضع المشروع في مساره الصحيح، هي التي مثّلها في الفيلم المخرج والمسرحي الفلسطيني جوليانو مير خميس، الذي اغتاله أحد المتطرفين عام ٢٠١١. أصرّ جوليانو على مسألة المقاطعة الثقافية والأكاديمية للجهات الإسرائيلية الداعمة للاحتلال (لا أعرف أين هي السينما من موضوع المقاطعة اليوم وبعد استشهاد جوليانو)، كما حاول بجهد مواجهة تأثيرات الفلسطيني المنتفع والمرافق للمخرج والمترجم له عن الإنجليزية لتمرير مشاريع تطبيعية من خلال السينما تحت مُسمّى السلام، الكلمة السحرية المدرّة للمال الأوروبي في فلسطين، مشيراً جوليانو إليه قائلاً في نقاش جمعهم: هذا كل خِلِقْتُه التطبيع.

مثّل هذه الفئة كذلك المقاوم قائد كتائب شهداء الأقصى في المدينة زكريا الزبيدي الذي أصر على طرح المسألة السياسية وعلى أن السينما لا يمكن أن تكون مشروعاً فنياً وحسب مجرداً عن السياسة.

أما الفئة التي مشت مع المخرج والجهات الألمانية من بداية المشروع فمثلها المنتفع المترجم الذي أصبح لاحقاً مدير مشروع السينما والذي عمل جاهداً مع المخرج لتضمين السينما وعروضها مشاريع إسرائيلية بحجة السلام بين الشعبين، هذا الشخص من المتزلفين للسلطة الفلسطينية، زار أكثر من ممثل لها آخرها كان رئيس الوزراء في حينه سلام فياض الذي بدا ودوداً وخدوماً للغاية أمام المخرج الأجنبي وكامرته، عدا عن وزيرة الثقافة وآخرين ممن أبدوا استعدادهم التام، لسواد عيون هذا الألماني (الزرقاء) وعدسة كامرته. مدير المشروع هذا الذي بدا مضحكاً في قميصه الزهري الواسع والكرافة العريضة في حفل الافتاح، لم يفوّت فرصة الحديث لهؤلاء الأجانب في حفلة الكوكتيل عن حاجة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي للعيش بسلام جنباً إلى جنب، ضاماً يديه وقد أوشك على البكاء من تأثّره بحنّية الإسرائيلي.

للقناة الثقافية (ARTE) جمهور نوعي، تشكّله عروض القناة من أفلام وثائقية وروائية وبرامجها الجادة والمعنية بالمجتمع والسياسة والفنون والثقافة بالمجمل، جمهور كهذا، وفي فرنسا، هو مؤيد للحقوق الفلسطينية إن كانت بحدودها الأدنى في دولة مستقلة مستحيلة على ما تبقى من الضفة وغزة أو في حقوق تامة تتضمن حق العودة والدولة الديمقراطية الواحدة. نتكلم هنا عن جمهور واعٍ قد لا تفوته انتهازية البرجوازية الصغيرة وشره الرأسمالية في فلسطين، وهذا من بأس الفيلم علينا أنه فضحها (أو من حسنه) لكن في المقابل لن تفوتها نقاوة الشهيد جوليانو مير خميس ووعي المقاتل زكريا الزبيدي كفئات حاضرة وبقوة في المجتمع الفلسطيني.

الفيلم من إنتاج ألماني بالمجمل، وقد شاركت في إنتاجه شركة إسرائيلية هي «سينيفيل»، ليس لفلسطين فيه سوى أدوات من بينها الشخوص والأمكنة، لستُ هنا بصدد الحكم على المشاركين في الفيلم، خاصة وأنه توثيقي لمراحل إعادة التأسيس لسينما جنين، المشروع الضروري للمدينة ولفلسطين بالمجمل، سياسياً وفنياً واجتماعياً، هذا إن تم فعلاً الأخذ بمواقف وآراء كل من جوليانو مير خميس وزكريا الزبيدي المطروحة في الفيلم، أما الفئات الأخرى فلا عتب للفيم ولا المخرج عليها كونها حاضرة في مجتمعنا ولم يخترعها المخرج، بل أوجد بيئة سمحت لها بالظهور، وهذا حال الانتهازيين والمنتفعين بالمجمل وليست هذه سمة فلسطينية مميِّزة.

يحكي الفيلم بأحد أشكاله عن مسألة التطبيع وتأثير بعض الوفود الأجنبية القادمة إلى بلادنا تحت مسمّيات كالتضامن والعمل المدني والاجتماعي، على ميول تطبيعية لأفراد من هذا المجتمع. أقول «بعض الوفود» لأن البعض الآخر يأتي متضامناً من منطلقات ومقاييس فلسطينية لا أوروبية.

إعادة فتح السينما وجهود المخرج في ذلك وتحدياته لعقبات فلسطينية أمور حميدة لا بد من اعتبارها والتهيئة والتحريض على مثيلاتها، لكن لا بد دائماً من الحذر من انتهازية البرجوازية الصغيرة كما تمثّلت في الفيلم، كما لا بد دائماً من الاعتبار الجدي والجوهري لآراء مثقفين وفنانين ومقاوين واعين لحدود دور ومساعدات الوفود الأجنبية وواعين للشكل الأفضل لتوظيفها بما يخدم القضية الفلسطينية العامة وقضايا المجتمعات المحلية في فلسطين، هنا نحكي عن تمثيلات جوليانو مير خميس وزكريا الزبيدي كما حضرت في الفيلم، وتحضر في المدينة.

لمشاهدة الفيلم عن القناة

في القدس العربي

alquds-cinemajenin

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

2 Comments

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s