سياسة
Comment 1

ألا سبي لزينب ولا قتل للحسين عندنا.. عن مفارقات نصرالله والقضية الفلسطينية وحربه الوجودية في سوريا

 «لنعلن معه البيعة ولنقول أبداً، أبداً معك ولن نترك راية العباس، أبداً لن تُسبى زينب مرتين، أبداً لن يموت الحسين ثانية، أبداً معك معك في حربك في سلمك فأنت نجل الحسين، تقدمي أيتها الجموع.. استقبلي بصوتك الهادر لبيك يا نصرالله لبيك يا نصرالله..» الخ الخ.

لا أعتقد بأن مقدّمة تمهّد لخطاب حسن نصرالله في هذه الظروف يمكن أن تكون أفضل من هذه، ولا أعتقد بأنها لا تحوي رسائل إلى غير الجموع المحتشدة والمجيّشة بانتظار ظهور سيّدهم عليهم في مناسبة كعاشوراء في الرابع عشر من هذا الشهر، وقد شاهدنا نصرالله في غضون أسبوع في ثلاث خطب تناولتها القنوات الإخبارية العربية بين تقارير وبرامج.

لم يكن «المُستهدَف» الأساس هو جمهور حزب الله، مريدي نصرالله، فهؤلاء لا ينقصهم تجييش طائفي. وسيدهم يتبع، ويجرهم بتبعيته، إمامَه في طهران، وسنأتي لهذه لاحقاً.

جمهور هذا الحزب انحصر أخيراً في قسم من طائفة تنتشر في بعض البلدان العربية، أحكي عن جمهور يصل درجة التبعية العمياء لا عن نادي المعجبين بنصرالله، فهذا النادي يحوي يساريين وقوميين أصوليين قد لا يصل إعجابهم بـ (وحاجتهم لـ) كاريزما نصرالله حدّ التبعية والاحتشاد كلّما صُرخ بهم: لن تُسبى زينب مرتين في سوريا ولن يُقتل الحسن مرتين في سوريا. لا زلت أظن بصعوبة أن يهتف ماركسي عربي: لبيك يا نصرالله (مهما كان ستالينياً).

أقول بأن المقدمة التي ذكرتُ جزءاً منها، ما هي إلا خطاب حربي لا بدّ منه لتثبيت قَولبة قلوب وتخدير عقول السامعين التابعين. والقسم اللبناني من هذه الطائفة التي يشكّل حزب الله إحدى قيادات بعضها، لا يحتاج فعلاً لمقدّمة كهذه كي يهتف لبيّك يا نصرالله إلا أنه لا بأس ببعض الصراخ بهم خاصة وأن الحزب بحاجة لتجنيد المزيد من المقاتلين وربط الجرائم التي يرتكبها في سوريا لديهم ذهنياً بسبي زينب، وذلك بعد التململ بين بعض المسلمين الشيعة في لبنان إثر تزايد إرجاع الحزب أبناءهم إليهم من سوريا قتلى وفي توابيت.

للمقدمة هذه رسائل لغير هذا الجمهور، رسائل تؤكد أن الحزب بهذا الربط بين مآس تاريخية في تراث المسلمين عامة وأيديولوجية الحزب وتبعيته للإمام في إيران من جهة وبين جرائم يرتكبها يومياً في سوريا من جهة أخرى، رسائل تؤكد أن الحزب ماضٍ فيما يفعل إما إلى انتصاره على السوريين وثورتهم أو انهياره وانهيار نظام الأسد (يكفي انهيار أحدهما ليلحقه الآخر)، وأنها حربه المصيرية.

لطالما باعنا نصرالله وحزبه شعارات عن القضية (يبيعنا نحن الفلسطينيين شعارات عن قضيتنا) دون أن يفعل على الأرض إلا ما اضطرّ لأجله وبحدّه الأدنى وفقط لحماية حزبه تنظيمياً وسياسياً وأمنياً وجماهيرياً وإعلامياً. فكان لا بد إذن من بدء خطابه بالحديث عن القضية الفلسطينية، لكن دون أن يشعر بحاجة لربط مصير الحزب بهذه القضية كما يفعل في سوريا.

هنا المحك: لم يربط الحزب مصيره في قتالِ «إما قاتل أو مقتول» مع إسرائيل يوماً. في المقابل، فالحزب يربط مصيره بمصير النظام السوري الذي يربط بدوره (هو وإسرائيل) أمن إسرائيل بمصيره. أي أن أمن إسرائيل مرتبط بمصير الحزب التابع لولاية الفقيه في إيران التي تفوت في حالة الود والتصالح المتبادل مع الولايات المتحدة، الود الذي لم يملك نصرالله إلا أن يباركه ويبرّره في خطابه ذاته.

لكني أسأل عما وُرد في أكثر من خطاب لنصرالله: ما الذي جعل إمكانية أن تُسبى زينب من جديد وأن يُقتل الحسين من جديد في سوريا وحال دون ذلك في فلسطين؟ ما الذي ينقص في فلسطين كي لا تُسبى زينب ويُقتل الحسين من جديد؟

لطالما باعنا نصرالله وحزبه شعارات عن القضية (يبيعنا نحن الفلسطينيين شعارات عن قضيتنا) دون أن يفعل على الأرض إلا ما اضطرّ لأجله وبحدّه الأدنى وفقط لحماية حزبه تنظيمياً وسياسياً وأمنياً وجماهيرياً وإعلامياً. فكان لا بد إذن من بدء خطابه بالحديث عن القضية الفلسطينية، لكن دون أن يشعر بحاجة لربط مصير الحزب بهذه القضية كما يفعل في سوريا.

لم يربط الحزب يوماً مصيره بمسألة كما يفعل الآن، لا في الموضوع اللبناني ولا الفلسطيني، لأنه ببساطة حزب إيراني أكثر من كونه لبنانياً، تُحرّكه مصالح إيران القومية لا شعاراته «العروبية»، فحزب بهذه المغالاة في طائفيته وتبعيته للنظام الإيراني، كيف له أن ينظر في المصالح القومية العربية وجذرها وجذعها هي قضية فلسطين.

يصرخ نصرالله في أحد خطاباته الأخيرة: أنا اليوم أعلن، وليس جديداً، أنا أفتخر أن أكون فرداً في حزب ولاية الفقيه.

بدأ نصرالله خطابه قائلاً بأنه يتمسك «بسلاح المقاومة لأن العدو الإسرائيلي مازال موجوداً وقوياً وجاثماً على أرضنا.. هل المطلوب في مثل هذا الواقع أن نخلي الساحة لعدونا».

هذا العدو نفسه الذي أشبعه نصرالله كلاماً، ألا يشكّل أي احتمال لسبي جديد لسيّدتنا جميعاً زينب أو قتل لسيدنا جميعاً الحسين؟ وهذا السلاح الذي يتمسّكون به بحجة إسرائيل لمْ تُواجَه به إسرائيل كما يُواجَه به الشعب في سوريا. بل وُظّف، أكثر ما وُظّف، لقمع اللبنانيين وابتزازهم، وقتل السوريين والتمثيل بجثثهم.

أما سؤال نصرالله عن إخلاء الساحة «لعدوّنا»، فما الذي يفعله في سوريا وعدوّه أقرب إليه في ساحات أخرى؟ يحارب وكلاء إسرائيل في سوريا وإسرائيل ذاتها تعيش حسن جوار على الحدود الخاضعة لحكم الحزب؟

يضيف: «طالما أن سبب المقاومة موجود، طالما أن تهديد العدو ووعيد العدو وأطماع العدو قائمة فمقاومة السيد عباس والشيخ راغب والحاج عماد سوف تبقى لمواجهة هذا التهديد وهذا الوعيد»، العدو الذي أرادنا إدراكه هنا هو الإسرائيلي وليس السوري، لكن الخطاب الطائفي والحزبي في هذا التحريض وربطه بحرب الحزب المصيرية الحالية حوّل صفة العدو إلى السوري لأن السيد عباس والشيخ راغب والحاج عماد معنيين (قياسآً بأمين عام حزب الله اليوم) بسبي زينب وقتل الحسين أكثر مما هم معنيين بمدينة القدس التي فتحها الخليفة عمر بن الخطاب وقدِم إليها لتسلّم مفاتيحها، واحتلها الصهاينة لاحقاً.

هذا الدمج بين قتال الحزب في سوريا وبين التوظيف الطائفي لتراث عامة المسلمين، يوضّح طبيعة «العدو» الذي يتحدّث عنه نصرالله.

يكمل: «يجب أن نذكّر الأمة الإسلامية جمعاء بالقضية المركزية قضية فلسطين..» والكثير من الكلام ذاته عن القضية التي استهلكها الحزب في خطاباته، والكلام الذي لا بدّ أن يُوصِل بربط فارغ وكلامي لا أكثر بين القضية الفلسطينية ووجود الحزب في سوريا. مجدّداً أسأل: لِمَ يسبّون على الإسرائيليين وهم في طريقهم إلى سوريا، والإسرائيليون أقرب إليهم، جغرافياً على الأقل؟ يصلون فلسطين المحتلة مشياً على الأقدام دون الحاجة لشاحنات تقلّم إلى المدن والقرى السورية.

يكمل: «إن وجود مقاتلينا ومجاهدينا على الأرض السورية هو بهدف الدفاع عن لبنان والدفاع عن فلسطين عن القضية الفلسطينية وعن سوريا حضن المقاومة وسند المقاومة في مواجهة كل الأخطار التي تشكلها هذه الهجمة الدولية الإقليمية التكفيرية على هذا البلد».

نصرالله يتحدّث عن التكفيريين؟ من أي منطلق؟

المهم، الرجل بحاجة فعلية لتكرار رسائله دون أن أضطرُ لتكرار تعليقاتي عليها، هو يرسل مقاتليه إلى سوريا للدفاع عن فلسطين، ممتاز كتّر خيرك أحرجتنا والله.

لا يترك نصرالله فلسطين وشأنها لحاجته الماسة إليها اليوم ولمحاولة الترقيع من خلال الصراخ والتكرار في الخطابات.

ثم يحكي عن معاناة الفلسطينيين، لكنه يخصّ بالذكر أهالي الضفة وغزة والـ ٤٨ دون أن يأتي على ذكر المخيمات، وهو لإدراكٍ مسبق منه بنبذه وحزبه من قبل أهالي هذه المخيمات التي تشارك الشعب السوري ثورته، بالفعل أو القول أو كليهما، كما تشاركه معاناته (مع استثناءات لبعض التنظيمات المرتزقة من النظام)، وذلك أيضاً لإدراك تسطيحي منه لكيفية استغلال القضية الفلسطينية بالشكل الأكثر قابلية للتصديق عند مريديه والمعجبين به، ذلك أن أهالي المخيمات وفي سوريا تحديداً يعرّون كل خطاباته عن فلسطين وتسلّقه الاضطراري على قضيتها. لكن رغم ذلك، أعيد وأسأل: أليس فلسطينيو الـ ٤٨ والضفة وربما غزة (وقد ذكرَهم) أقرب لمقرات ومساكن مقاتلي حزبه من أهالي دمشق وحلب مثلاً؟

قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، في الليلة السابعة من ليالي عاشوراء، أقرّ بالتالي: «عندما نتخذ أي قرار أو نمشي في أي درب أو ندخل في أي ساحة أو إلى أي ميدان أو إلى أي قتال نحن لا نلجأ إلى عقولنا ولا إلى علومنا ولا إلى مستوانا العلمي ولا إلى ولا إلى، نحن نرجع إلى فقهائنا وكبارنا ومراجعنا هذا كان التزامنا بالإمام وهذا التزامنا بعد الإمام رضوان الله تعالى عليه بسماحة الإمام القائد آية الله العظمى السيد علي الحسين الخامنئي».

ببساطة، هذا ما يجيب على أسئلتي المطروحة أعلاه، وهذا ما يجيب على مسألة سبي السيدة زينب وقتل السيد الحسين على يد الجيش السوري الحر لا على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهي استعارة فانتازية بالمناسبة، فلا زينب اليوم ولا الحسين، لكن جرائم حزب الله بحجة السبي والقتل أفعال حقيقية لا يملك الحزب إلا أن يربطها بتاريخ قديم هو الأنجع في تجييش جمهوره طائفياً.

كلامه هذا يشير إلى أن الحزب بإقرار نصرالله تابع للخامنئي وأنه يجرّ أتباعه لتبعية جماعية للإمام ذاته، وبالنسبة للأخير هنالك في سوريا مصالح قومية إيرانية ومزارات شيعية، لا تتواجد في فلسطين.

من محاسن وأفضال الثورة السورية على القضية الفلسطينية هي إزاحة ميليشا طائفية تأتمر مباشرة من الخامنئي، عن ظهرها. فمن يستطيع القتال في سوريا يستطيعه في فلسطين، أو ليسكت.

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

1 Comment

  1. mhamad says

    انا معك بان هناك تعصبا وتوجهات دينيه وتبعيه في صفوف المقاومه الاسلاميه في لبنان لكنها اقل غدرا
    واصدق من مقاومات الآخرين. السيد وكل عائلة نصر الله قدمت اولادها ورزقها بحرب تموز عندما حفرت المقاومه وادي البداية الفعليه لانهيار الكيان المزور بقوة النووي وتكنولوجية العصر واله المواعيد الدينيه, وانا معك وربما حذر اكثر من البعض للسياسات الايرانيه تجاه بلادنا كعرب, مثلا سياستها اتجاه مشكلة احتلالها لثلاثة جزر عربيه اماراتيه واهل العراق وعربستان. برايي بان المقاومه مابتستاهل حجم وصفك العنيف والحر لها.

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s