سياسة
اكتب تعليقُا

اللاجئون في مصر وثمن التذكرة. مقاتلون غزّيون في سوريا. الفلاح الفلسطيني والأرض/الحقل/الوطن

اللاجئون في مصر وثمن التذكرة

بالسهولة ذاتها التي تحكي فيها أنظمة ومنظمات عربية بالفم الملآن عن «حبهم» لقضية فلسطين وشعبها (لاحظوا كلمة «شعب» المعمِّمة الخبيثة هنا!)، يمارسون كذلك وفي الوقت ذاته كرههم للفلسطينيين، أناساً لهم أسماء وأوجه بعيداً عن ضبابية كلمة شعب الأسهل لإساءة الاستخدام. الأمثلة على ذلك، وتاريخياً، عديدة. لكن اليوم يتميز النظام العسكري الحاكم في مصر عن باقي الأنظمة في توصيف جديد لهذا الكره، ممثلاً بممارسات أنسب توصيف لها هي «الرخيصة».

شاهدت قبل يومين تقريراً على «بي بي سي عربي» عن استمرار احتجاز اللاجئين الفلسطينيين والسوريين الهاربين من جرائم النظام السوري، في الاسكندرية. وهؤلاء عالقون منذ أشهر، ظهرت في حينها بعض التقارير والأخبار عن حالهم وقصتهم، ثم خلص، انتهت صلاحية خبرهم في معظم القنوات الإخبارية، خاصة وأن قنوات هامة منها كـ «العربية» و«سكاي نيوز» وغير الهامة كـ«الميادين» هي من الصديقات الصدوقات لنظام السيسي وعسكره. وهذه أسباب إضافية لديها لتجاهل موضوع اللاجئين المعتقلين هؤلاء.

أما مناسبة التقرير الجديد على هذه القناة فهو إضراب هؤلاء المعتقلين مصرّحين بأنهم لن يوقفوا إضرابهم إلا بترحيلهم من مصر.

أضربوا، بالمناسبة، عن وجبة تقدمها جمعية خيرية، لا الحكومة المصرية التي حالت أخلاقيتها ووطنيتها دون توفير الطعام والشراب لهم. مصر التي يحبها جميع العرب كرّه النظامُ الجديد فيها العربَ بها وبالعيش فيها (طالما العسكر يحكمها).

هذه من الحالات النادرة التي يطالب فيها الفلسطيني بترحيله من البلد الذي هو فيه، وهذه مفارقة قد لا يسببها غير انقلاب عسكري يحتجز أسراً وأطفالاً لسبب رخيص أوردَه التقرير.

أقول السبب رخيص بل ومبتذل، ومعيب في حق المصريين أن يُحتجز هؤلاء إلى أن يدفعوا تذكرة ترحيلهم إلى خارج مصر، وهو سبب احتجازهم إلى غاية اليوم حسب التقرير، هؤلاء الهاربون من المقتلة التي يرتكبها النظام السوري واللاجئين إلى مصر فاهمين غلطاً أنهم سيجدون الآن ملجأ دافئاً وحامياً لهم هناك (وجدوه في حكم الإخوان)، باتوا يصرّحون على التلفزيونات بأنهم يريدون الخروج من مصر وحسب، «وانشالله إلى سوريا، مش مهم».

إن كانت هذه هي المشكلة، سعر التذكرة، وهو معقول جداً عند نظام بأخلاقيات الحكّام الجدد لمصر، فلتتحقق منظمات حقوق الإنسان من ذلك ولتدفع منظمة التحرير الفلسطينية أو الائتلاف الوطني السوري (وجيوبه معبأة على الأغلب) أسعار التذاكر، أو تفعله أي جهة خليجية أو عربية قادرة، لإخراج اللاجئين المعتقلين الفلسطينيين والسوريين من الضيافة الكريمة والعزيزة التي نتوقعها تماماً من عسكر مصر الحاكم المرتكب لمجازر بحق شعبه، هذا الحكم المضياف نفسه الذي أشار التقرير إلى رفضه السماح للأمم المتحدة بتسجيل الفلسطينيين القادمين من سوريا كلاجئين وإعطائهم البطاقة الصفراء التي تسمح بالإقامة المؤقتة فيقبعون بالتالي في المعتقلات، ذلك عدا عن تحرّشات بالنساء لفظياً وجسدياً حسب العديد من التقارير الصحافية، وكلنا يعرف قصص التحرش في مصر والسعار الجنسي هناك. عاشت مصر وعاش جيشها!

فلسطينياً، أسأل مجدداً: لمَ هذا التفاقم في مأساة اللاجئين الفلسطينيين في مصر (أو سوريا) وقد زار محمود عباس (أو وفده) السيسي (أو الأسد) قبل أيام؟ لمْ نعد نريد من عباس أن يحكي في أمر الفلسطينيين خلال زياراته على أساس أن أوضاعهم ستقلّ سوءاً، ما أريده أنا منه هو أن يفكّ عنّا نحس زياراته علينا، كل ما أتمناه في حال الفلسطيني بعد زيارات عباس ووفوده إلى مصر وسوريا وغيرهما، ليس أن لا يقل الحالُ سوءاً، بل أن لا يزداد سوءاً وحسب.

وليست المسألة مسألة نحس بالمناسبة (التعليق الأخير قلته متخابثاً).

مقاتلون غزّيون في سوريا

من منطلق أممي إسلامي، هاجر خلال السنتين الماضيتين العديد ممن يُسمّون بالمجاهدين أو الجهاديين إلى سوريا لقتال الجميع. بالنسبة للتسمية، أفضّل «الجهاديين» كونها تُنسب لمفردة «جهاد» بمدلولها الخاص والحديث نسبياً بخلاف تسمية «مجاهد» الأوثق صلة بالتراث والمجتمع من الإسلام كأيديولوجيا، ففي عام النكبة ١٩٤٨ سُمّي المقاتلون الفلسطينيون للعصابات الصهيونية بمجاهدين دون أي دلالة للإسلام كما هي الحال اليوم، المهم..

كان لأهالي غزّة نصيب من هؤلاء المهاجرين، من سوء حظها على الأغلب. وقد بثّت قناة بي بي سي عربي تقريراً عن بعض المهاجرين من غزة إلى سوريا مع مقابلات أجرتها مع بعض أهاليهم في القطاع. يذكر التقرير أن عددهم قد يزيد عن السبعين مقاتلاً وأن معظمهم ينتمي للجماعات السلفية الجهادية في غزة، أي ممن يتم التضييق عليهم من قبل حكومة حركة حماس هناك، وبالأساس هم ممن لا يجدون بيئة اجتماعية وشعبية في القطاع، لاستقطاب حركتَي حماس والجهاد للإسلاميين والمحافظين هناك، لتميزهما عن السلفيين في أهم ما يمكن أن يميّز أي تنظيم فلسطيني عن غيره: الهوية الوطنية ومقاومة الإحتلال.

في التقرير نسمع وصية أحدهم يقول فيها قُبيل تنفيد عملية تفجير على أحد حواجز جيش النظام السوري بأنه لا يعترف بالحدود التي رسمها سايكس وبيكو (يلعن روحك يا سايكس على روحك يا بيكو). ليس هذا ما يجيئ بالأفغاني (مثلاً) إلى سوريا طبعاً، إن كان في المهاجر الغزّي بعضاً من رواسب الوطنية الفلسطينية التي لا يمكن لابن غزّة إلا أن يتشرّب منها (إلا من رحم ربّك)، الرواسب التي لا يمكن أن تفرّق بين السوري والفلسطيني بحكم الجغرافيا والتراث والمجتمع والثقافة والنسب وغير ذلك الكثير مما يمكن أن يجمع البلدين وأهلهما، إن تواجدت مشاعر وأفكار كهذه عند الفلسطيني في غزة فهي أقرب للقومية العربية والوطنية الفلسطينية منها للأممية الإسلامية التي أتت بالأجانب ليقاتلوا الجميع في سوريا ويبسطوا أنظمة حكم لا تقل فاشية عن نظام الأسد.

ورغم رواسب الوطنية تلك، يبقى الدافع المسيطر والمحرّك الآني هي الفكرة الجهادية عند السلفيين الذين قد لا يرضى المتأصّلون منهم ما تم ذكره في الوصية من إشارة لسايكس وبيكو كونها تشير إلى الرواسب التي ذكرتها.

لا يمكن مقارنة المهاجرين الغزّيين بالأفغان أو غيرهم، ويؤخذ على التقرير أنه ساق الغزّيين هؤلاء مع الهجرات التي يقوم بها متطرفون إسلاميون من شتى أرجاء العالم إلى سوريا، فعطفاً على فلسطينيي سوريا (وأنا منهم) فلا يرى معظم الفلسطينيين أي فروق بين السوريين والفلسطينيين بالمجمل إلا حدوداً سياسية طرأت حديثاً بالمعنى التاريخي، ولتضحيات السوريين واللبنانيين والأردنيين في الثورة الفلسطينية سابقاً مثال.

يذكر التقرير أن الغزّيين هؤلاء أتوا إلى سوريا بعد التهدئة التي أقامتها حماس مع الاحتلال الإسرائيلي. هم كذلك أتوا بعد تضييقات «حماس» على محاولات بعض التنظيمات الفلسطينية الأخرى الاستمرار بعمليات المقاومة، أي أن هنالك حاجة فردية داخلية للمقاومة عند هؤلاء لا بد من تفريغها.

يقول أحدهم في التقرير أن أحد أسباب ذهاب أخيه إلى سوريا هي (إضافة لما يتعرض له السوريون من ظلم) أن يد النظام تطاولت على الفلسطينيين هناك، وهم مشاركون أساسيون للسوريين في معاناتهم، من القصف إلى الاعتقال، وهنا لا يمكن إلا أن نتلمّس تلك الرواسب للهوية الوطنية الفلسطينية رغم إمكانات طمسها في شخصيات هؤلاء من خلال التأسلم المتطرف والمستجد عندهم، وكثير من هؤلاء على الأغلب آت من خلفيات غير إسلامية عبر تنظيمات منظمة التحرير الفلسطينية.

لكن رغم كل ذلك، ومهما كانت الدوافع أو نسب الرواسب لدى هؤلاء، أما كان من الأفضل لو بقوا في القطاع أو في أي قطعة من أرض فلسطين لقتال الإسرائيليين على هذه الأرض؟ لن يكون هنالك أي حجة لأي مقاتل فلسطيني يترك أرضه لقتال مرتكب جرائم حرب غير الإسرائيلي مهما وصلت وحشية هذه الجرائم من بشاعة، قد يسجّل الأسد ونظامه أعلى مستوياتها. لكن طالما تقبع إسرائيل على أرضنا، هنالك دائماً أسباب لقتالها، ولا يحتاج ذلك لتفويض من «حماس» وغيرها، وهو الأولى بجميع الأحوال، أما مسألة الوقوف بجانب السوريين وثورتهم بكل الوسائل الممكنة غير العسكرية، فهي مسألة أخلاقية بقدر ما هي وطنية وقومية، للفلسطيني قبل غيره، وهو فوق كل ذلك، نوع من ردّ الجميل.

الفلاح الفلسطيني والأرض/الحقل/الوطن 

تحت عنوان «حكاية عشق»، عرضت قناة العربية تقريراً ضمن برنامج «مهمة خاصة» لمراسلها في الضفة الغربية خالد القاسم تناول فيه يوميات من حياة الفلاح الفلسطيني ومعاناته المستدامة مع الاحتلال الإسلائيلي من جنود ومستوطنين.

الملفت في التقرير هو تصويره لطقوس قطف الزيتون عند عائلة المراسل ومقابلة والده الذي يروي المعاناة القديمة المتجددة كل سنة في الوصول إلى الزيتون ومقاومة مضايقات واعتداءات المستوطنين وثم البحث عن طريق لتسويق الزيتون وبيعه.

كما تناول التقرير قصة فلاح فلسطيني وقد شارف على التسعين من عمره وهو يقف خلف جدار أمني (غير الجدار العنصري إياه) لإحدى المستوطنات والحائل بينه وبين أرضه.

ما لا يمكن المرور عنه فيما شاهدناه من الفلاحين هي تلك المشاعر التي تفضحها النبرة والبكاء والكلمات أثناء حديثهم عن أرضهم مبينين العلاقة المتينة التي تربطهم بها. الشيخ الثمانيني قال بأنها وطنه، وأن الإحتلال يمنعه من المرور إلى وطنه.

هذه نقطة جوهرية في وعي الفلسطيني، ومعظم الفلسطينيين يمارسون الفلاحة أو هم فلاحون وأبناء فلاحين، هذا وعي متشكل من خلال عضوية قطعة الأرض التي يملكونها بهم كأشخاص وكعائلة وكأفراد من هذا الشعب، هنا نحكي عن شعب كان لهذه العلاقة العضوية الدور الأساس في التمسك بهذه الأرض، الأرض/الوطن، من خلال تمسكهم بالأرض/الحقل.

هذا التمسّك، بل التشبّث، هو أحد أساليب المقاومة الأكثر جذرية في تاريخنا، وهو ما لا بدّ من دعمه، هؤلاء الفلاحون وقد كانت وما تزال السلطة الفلسطينية غريبة عنهم، يحتاجون دعماً أولياً (مادياً ومعنوياً) من التنظيمات الفلسطينية ومنظمات المجتمع المدني في فلسطين لأنهم الأساس في حفظ هذا الوطن بالمعنى المادي للفلسطينيين.

أحكي هنا عن فلاحين يرفضون ترك أشجارهم وأراضيهم رغم كل التضييقات من جهة والإغراءات من جهة والتي يفرضها الاحتلال، لا أحكي عن المجتمع الهجين الذي تفشّى في مدن فلسطينية وأساسه هو الفلسطيني المستغرب والحالم بالخروج من هذا الوطن في محاولة تراسنفير ذاتية، ويا حبّذا لو يكون بفرصة عمل في دبي أو الرياض!

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-allajioon

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s