سياسة
اكتب تعليقُا

من فلسطين، الحب في زمن الأبارتهايد. كيف تحوّل حباً فاشلاً لمشروع ناجح. حبٌ من المهد..

من فلسطين، الحب في زمن الأبارتهايد

 من بين أساليب المقاومة العديدة والمتنوعة التي يبتكرها ويعيشها الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، ظهرت منذ فترة مبادرة «الحب في زمن الأبارتهايد» تحت شعار «حبّنا مقاومة». قبل يومين أجرت قناة «الفلسطينية» مقابلة مع متحدّثَين باسم الحلمة للتعريف بها وبأنشطتها، الحملة التي لم تلقَ عربياً تغطية إعلامية تستحقها.

مجال المقاومة التي تخوضها الحملة يتركّز في مناهضة سياسات لم الشمل الإسرائيلية العنصرية والتي تمنع الفلسطينيين أينما تواجدوا من حقهم بالحب واختيار الشريك والزواج والعيش في حياة كريمة وطبيعية، وهذه الممارسات تأتي حسب لون الهوية ونوع الوثيقة المفروضة على الفلسطينين إسرائيلياً.

بالنسبة لتسمية الحملة، فقد استُوحي من رواية غابرييل غارسيا ماركيز الشهيرة «حب في زمن الكوليرا»، في إشارة إلى الحالة المرضية الصعبة الذي يفرضها الأبارتهايد الإسرائيلي على الفلسطينيين.

تشير المتحدثة في المقابلة بأن القانون الإسرائيلي يمنع أي فلسطيني/فلسطينية حامل لهوية القدس أو هوية الـ ٤٨ أن يلم شمله بفلسطيني/فلسطينية حامل لهوية الـ ٦٧ (الضفة وغزة) من خلال الزواج، إضافة طبعاً إلى الفلسطينيين اللاجئين خارج الوطن (بوثيقة سفر أو حتى بجواز أمريكي أو أوروبي) وإلى أهالي القدس بطبيعة الحال، وهو ما يحول دون «الحب» المحتمل بين أي اثنين من هؤلاء وما قد يتحول لاحقاً لعلاقة زواج يجمع الطرفين في مكان واحد جغرافياً كأي اثنين يعيشان حالة طبيعية ويشكّلان أحد مكوّنات المجتمع الفلسطيني.

قد تبدو المسألة للبعض ترفاً أو أمراً غير ذي أهمية ضمن أسالييب المقاومة المختلفة والمتسلسلة التي يخوضها الشعب الفلسطيني، إلا أنها وبالنظر قليلاً لما يمكن أن ينتج عنها، تطرح قضية بنيوية في المجتمعات الفلسطينينة المتشتتة، داخل الوطن وخارجه، قضية هي في الصميم من باقي أساليب المقاومة التي يلجأ إليها شعبنا، من السلمية إلى العسكرية، نحن نتكلم هنا عن أشد ما في حياة الفرد حميمية وبالتالي أشد ما يمكن أن يؤثر على باقي التفاصيل الحياتية، بما فيها النضالية.

المسألة إذن أساسية في بنية المجتمع وفي تشيكل المزاجية الخاضعة أصلاً لتأثيرات أخرى ينتجها أساساً الاحتلال وما يترتب عليه من متاعب اجتماعية وسياسية وأمنية تخص العلاقات بين أفراد المجتمع، بين أي رجل وامرأة، كما تخصّ كل ما يمكن أن يُعتبر عادياً وروتينياً في حياة آخرين في بلاد أخرى.

لم يتم طرح الموضوع بجدية في الإعلام العربي، على الأغلب لكونها ليست مسألة سياسية تطرحها القنوات الإخبارية وبرامجها التحليلية، ولكونها مسألة اجتماعية ومسائل كهذه تطرحها عادة برامج محلية في قنوات لا تكون عادة إخبارية وسياسية.

لكننا نتكلم عن قوانين عنصرية إسرائيلية يخضع لها الفلسطينيون ولأسباب سياسية، هنا يستهدف الإسرائيلي لأسبابه السياسية المجتمعات الفلسطينية كنوع من إتعاب هذا الشعب وإحباط كل محاولاته للتمسك بالحد الأدنى بالحياة الطبيعية كنوع من أساليب المقاومة في النهاية. المسألة جديرة تماماً ببرامج سياسية قبل أن تكون اجتماعية وثقافية. والمسألة كذلك مطروحة هنا على هذه القناة في برنامج منوّع ومن ناحية اجتماعية وقانونية محاولين الابتعاد عن السياسة قدر الإمكان، وإن لا يمكن بالمجمل الفصل بين الاجتماعي والسياسي في كل ما يخص الفلسطينيين، داخل الوطن وخارجه.

لا أعرف مدى إدراك القارئ العربي لهذه المسألة الجديدة عليه على الأغلب، إلا أنها أشبه تماماً بقوانين تمنع زواج ابن مدينة من ابنة مدينة أخرى في البلد ذاته، بهذه البساطة وبهذه المأساوية.

إضافة للسهولة وكثرة الأسباب التي يجدها الإسرائيليون لسحب الهويات من المقدسيين ضمن خططهم لتهويد المدينة وترحيل أهاليها، وضمن عدة قوانين فاشية وضعها المحتل، فالفلسطيني ابن الـ ٤٨ حامل الجنسية الإسرائيلية، إن «انعمى على قلبه» وأحبّ صبية من غزّة وذهب للعيش عندها في القطاع، كون القانون ذاته يمنع لم الشمل بقدومها إلى حيفا مثلاً، تُسحب منه الجنسية، وذلك كله ضمن السياسات العنصرية والفاشية للدولة العبرية.

اشتهرت الحملة التي انطلقت في شهر مارس/آذار بالعرس الرمزي الذي أقامته على حاجز حزمة بين عريس «رمزي» من القدس وعروس «رمزية كذلك» من الناصرة وفي مواجهة مباشرة مع جنود الاحتلال على الحاجز، في إشارة للرابط القائم بين أهالي هذه البلد على طرفي الحاجز وباقي الحواجز والجدران التي تقيمها إسرائيل علي هذه الأرض.

ندرك كفلسطينيين أن أساليب المقاومة لدينا متنوعة ولا يلغي أحدها الآخر، نحكي عن الأدب والفن والسينما والموسيقى والرقص كأساليب لمقاومة نمط حياة معين يفرضه الاحتلال بل ولمقاومة وجود الاحتلال ذاته، هذه الحملة تطرح أسلوباً جديداً للمقاومة، هو أسلوب تواجد منذ تواجد الاحتلال، لكن الجديد اليوم هو تحديد معالم هذا الأسلوب وتنظيمه وتحديد الهدف في مقاومة قانون معين ولغايات محدّدة وجمعية، ليست فردية فحسب.

كيف تحوّل حباً فاشلاً لمشروع ناجح 

إن كان لا بدّ من الحديث عن موضوع يقع على النقيض تماماً مما ذكرت أعلاه، سيكون عن متحف لقصص الحب الفاشلة كما عنونته قناة العربية أو عن القلوب المحطمة كما عنونته قناة سكاي نيوز في تقريرين للقناتين.

المتحف أنشأه في العاصمة الهولندية أمستردام زوجان بعد انفصالهما وقد أمضيا معاً ما يقارب الثلاثين عاماً.

يحوي المتحف مقتنيات للزوجين هي تذكارات وهدايا تذكّرهما كما تذكّر الزوّار (!) بحياتهما العاطفية والزوجية التي مضت إلى غير رجعة كما يبدو من الزوجين في التقرير، وقد أظهرا فرحهما الكبير بهذا الإنجاز.

يبدو أن الفراغ العاطفي الذي وجد كل منهما نفسه فيه قد وصل بهما إلى إنشاء هذا المتحف كمشروع ربحي، لأنه بالنهاية سيصحّ المثل الفلسطيني «الفاضي بيعمل قاضي».

لكن في الحقيقة يبدو أنها الوسيلة الأشد دهاء من الطرفين للتخلص من كل ما يذكر أحدهما بالآخر، وبدل رمي المقتنيات أو حرقها، يمكن استثمارها في مشروع تجاري.

تقول الزوجة السابقة (والشريكة الحالية في المشروع) بأن أهم ما في المسألة هي القصص التي تقع خلف كل هذه المقتنيات، وهي قصص معروضة كتابةً إلى جانب كل قطعة تماماً كما في أي متحف معتبر. المشكلة التي لم أفهمها هي كيف أنهما اتفقا على رواية المآسي والمشاكل التي مرّا بها، ففي حالة كهذه يكون لكل من الطرفين رواية قد تختلف حد التناقض مع رواية الحبيب. المشكلة الأخرى هي أنها تقول ذلك وهي فرحة بهذا الإنجاز وزوجها السابق إلى جانبها يهزّ رأسه موافقاً ومبتسماً كأنهما يحكيان عن ابن خالته.

مأساة أي علاقة عاطفية تنتهي، هي في تحويلها لمشروع ربحي انتهازي لا يتردد في تعميم تفاصيلها الحميمية وقصصها المأساوية بفرحها وحزنها وبعرضها على العامة بمقابل مادي.

في الحقيقة، مأساة أي علاقة حب تنتهي هي في كونها انتهت، وحسب.

حبٌ من المهد.. 

في فقرة «أخبار بلا سياسة» في برنامج «صباح العربية» على «العربية»، عُرض الفيديو الذي انتشر واسعاً في الأيام الأخيرة على موقع «يوتيوب» والذي يصوّر توأمين يتعانقان تحت الماء، الفيديو الذي حقّق ما يزيد على أربعة ملايين مشاهدة في أسبوع يصوّر التوأم (الصبي والفتاة) وهما متعانقين في حوض تحميمهما إثر الولادة. الفيديو الممتد لثوان فقط مؤثر وفيه من الحب ما يكفي للمشاهدة وإعادة المشاهدة.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-alhib fi

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s