سياسة
تعليقان 2

لملمة الموضوع بشعارات فتحاوية. تفضّلوا حاكموا إسرائيل إذن. رأي صريح لحسن نصرالله بعرفات

لتتفضل السلطة بمحاكمة إسرائيل

لم تبق قناة تلفزيونة إلا واحتفت بالإنجاز الاستقصائي لقناة الجزيرة من خلال التحقيق الذي بثّته في شهر يوليو من العام الماضي والذي قدّم الإشارة الأولى لجدّية احتمال موت ياسر عرفات اغتيالاً (بعيداً عن الفذلكات الرسمية الفلسطينية: كنّا نعرف أنه اغتيل)، والذي طرحت فيه اسم «البولونيوم» لمشاهدين (أنا منهم) سمعوا به للمرّة الأولى وباتوا الآن أشبه بخبراء كيميائيين بها.

شكّل التقرير حينئذن إحراجاً كبيراً لحركة فتح والسلطة الفلسطينية كأطراف تعتبر ذاتها المعني الشرعي والوحيد في كل ما يخص عرفات ولهذا الاعتبار استخدام سياسي وحزبي هو آخر ما تبقّى للحركة والسلطة أمام نادي معجبيهما من الفتحاويين.

عادت لنا «الجزيرة» بتقرير حصري كذلك، يقدّم نتائج الخبراء السويسريين في المسألة عينها، ولحقتها باقي القنوات في تقارير تنسخ فيها ما طرحته «الجزيرة» مضيفين عليها حديثاً هنا أو هناك مع قيادات من حركة فتح والسلطة الفلسطينية (أمّا إضافة!) التي أُحرجت، مجدّداً، مع التقرير الجديد للقناة. أما أوّل أسباب هذا الإحراج فهو الرغبة الدائمة للسلطة في لملمة الموضوع من الأساس لأسباب أنا شخصياً لا أعرفها إلا أن تعامل السلطة مع المسألة لا يشير إلا لذلك، أما السبب الآخر فهو أن «الجزيرة» ولا شيء غيرها، هي التي طرحت الموضوع في إنجاز «وطني فلسطيني» قبل أن يكون صحافياً، وعداء كل من السلطة والحركة للقناة عائد لعدّة اعتبارات منها انحياز القناة لحركة حماس من ضمن انحيازاتها لتنظيم الإخوان، ذلك أنّ «فتح» تعادي «حماس» دون إسرائيل وفي امتناعها عن لقاء الأولى وهرولتها للقاء الأخيرة مثال على ذلك. نضيف اعتبارات أخرى تخصّ أي سلطة حكم فاسدة وقمعية وانتهازية وطبيعة علاقاتها مع وسائل الإعلام التي لا توفّر فرصة لانتقادها أو فضحها.

لملمة الموضوع بشعارات فتحاوية 

مات عرفات بطريقة غامضة، لم تسع السلطة الفلسطينية ولا حركة فتح للتحقيق في الموضوع حينها ولم تفعلا ما يُنتظر منهما كأنهما، أو قياداتهما تحديداً (هي قيادة واحدة بكل الأحوال لتماهي السلطة بالحركة) أرادت لفلفة الموضوع متستّرين عاطفياً بالفاجعة التي لا تسمح بفتح ملفات لمَ تمّ غلقها أصلاً (!)، فتخطّى الجميع الموضوع وأولهم الفلسطينيون تحت ستار الفاجعة هذه ومن خلال الخطابات الفارغة التغييبية لتلك القيادات.

لاحقاً، أتت «الجزيرة» بخبطة للحركة والسلطة لم تكن لا ع البال ولا ع الخاطر في تحقيقها الذي بثّته قبل أكثر من سنة، فتخبّطتا الحركة والسلطة ببعضهما (وبإسرائيل) وعادت لما فعلته يوم قُتل عرفات، أي لملمة الموضوع بشعارات فتحاوية فارغة، وأننا سنفعل ونفعل، وأننا للتذكير فقط نكره إسرائيل كرهاً جماً و «أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها».. وجمهورهما الحنون من الفتحاويين يطرب وينتشي بشعارات هذه القيادة المستفيدة من (والمتسبّبة لـ ) حالة الهيجان العاطفي التي ترافق هذا الجمهور كلّما طُرحت مسألة عرفات، أقول جمهور الحركة والسلطة لأن باقي الفلسطينيين من التنظيمات المعارضة والمستقلين لا يشترون هذا التهييج العاطفي المفتعل والفشنك، لا يتشرونه ولو بلَيرة سورية.

لاحقاً، قبل أيام، نشرت «الجزيرة» تقريراً يؤكد فيه الخبراء السويسريون فرضية الاغتيال، وهو ما يشكّل قمّة مسنّنة من الإحراج أقعدت «الجزيرةُ» عليها كلاً من الحركة والسلطة، وكل ما فعلتاه كان مؤتمرات صحافية ولقاءات تلفزيونية لقيادات تؤكد فيها ما ورد في التقرير كأنها عيّنة من المجتمع الإيطالي. ليست الحركة ولا السلطة اليوم في حال تُحسدا عليه، لم يعد بالإمكان المماطلة أكثر في الموضوع أمام الفلسطينيين والعرب، فنحن الآن ببساطة أمام مشهد كالتالي: السلطة والحركة تسعيان لاسترضاء الطرف الإسرائيلي في سلام ينال رضاه، وذلك في رسائل مباشرة من رئيسهما محمود عباس الذي لا يترك مناسبة إعلامية وجماهيرية إلا ويطرحها فيها، كما في لقاءات مباشرة لوفد تفاوضي فلسطيني مع إسرائيليين يخضع فيه الوفد لرغبات عباس نفسه. سيجتمع الوفدان وسيستمر عباس بتنازله الأزلي (الذي افتتحه واستمرّ به إلى يوم موته عرفات نفسه) وباسترحام الحكومة الإسرائيلية كي تقبل بتفاوضه إلى ما يرضيها، وستنغّص هذه التقارير الصحافية عليهم مشاريعهم المشتركة، فالسلطة وفتح وإسرائيل أكبر المتضررين من هذه التحقيقات، وأكبر المتمنّين لظهور مستجدات تفنّدها، ليخرج لنا أبو مازن قائلاً: أرأيتم، ليست إسرائيل التي فعلتها. ليس شريكنا من يفعل ذلك.

تفضّلوا حاكموا إسرائيل إذن 

كلّنا تابع الكرنفال التهريجي الذي أحدثته السلطة الفلسطينية وحركة فتح حين تمّ قبول «فلسطين» كعضو مراقب في الأمم المتحدة، ولم يتركوا تفصيلاً يخترعوا منه أسباباً يقنعون بها الرأي العام الفلسطيني بأهمية الأمر إلا ولجؤوا إليه، ونقطة القوة الأكبر التي لعبوا عليها والتفّوا ولفّوا حولها كانت إمكانية جر إسرائيل على جرائم ترتكبها إلى المحاكم الدولية. لم أقتنع بكل ما تحكيه السلطة التي لم أجد فيها منذ تأسيسها مع عرفات غير بلاوي جديدة تُضاف إلى مآسي هذا الشعب.

لكني سأغض النظر عن كلّ ذلك الآن، سأفكّر في أمر واحد. اليوم، ها هي الفرصة الأكثر إلحاحاً للسلطة الفلسطينية كي ترفع على الحكومة الإسرائيلية دعوى بقتل رئيسها في محكمة لاهاي الدولية، والدلائل حاضرة. ليعضّ أبو مازن على جرحه أو يعصر على رأسه ليمونة ويطلب من قناة الجزيرة المساعدة في توفير ما يمكن توفيره من أدلة لم ترد في تحقيقاتها وتقاريرها، لأن «الجزيرة» لا يمكنها يا أبو مازن أن تذهب وترفع الدعوى بنفسها ثم يخرج القبضاي توفيق الطيراوي رئيس لجنة التحقيق في مقتل عرفات (وأحد أسوأ شبّيحة السلطة الفلسطينية ومسلّم القيادي الوطني أحمد سعدات إلى ياسر عرفات مسلّمه بدوره إلى إسرائيل) يخرج على التلفزيونات ويفحمنا باستنتاجاته: «أولاً، أبو عمار لم يمت بسبب تقدم السن. ثانياً، أبو عمار لم يمت بسبب المرض. ثالثاً، أبو عمار لم يمت موتاً طبيعياً». ثم ليرجع إلى بيته هو وباقي القبضايات ليتابعوا مسألة الاغتيال والتحقيقات على «الجزيرة» التي يكرهون. لا يستغربنّ أحدكم من هذه الاستنتاجات الخلاّبية التي توصّلت إليها السلطة لأنها أفضل ما يمكن أن تصل إليه وهي في حالة التخبّط والإحراج هذه، ألا يخجل الطيراوي أن يخرج بعد عرض تقرير بأهمية ما عرضته الجزيرة (صحافياً ووطنياً) ليقول أن عرفات بالمناسبة لم يمت بسبب تقدّم السن؟ هل فعل به الإرباك ما فعل أم أنه مستوى الآي-كيو الطبيعي لقيادات السلطة، ولا إرباك ولا من يحزنون.

صرعت السلطة سماءَ ربّنا في مسألة العضو المراقب وإمكانية جر إسرائيل إلى المحاكم الدولية إلى أن وصل أحدنا إلى الاقتناع ببعض الإيجابيات لمسألة «العضو» هذه. تأكيد فرضية الاغتيال نغّص على هذه السلطة أولاً حفلات التفاوص الجماعية وثانياً حجّة العضو المراقب، وهي العضوية الشكلية التي اعترفت بـ «أحقية» إسرائيل في المثلث والجليل والنقب ومحت، دولياً، حقّ اللاجئين في العودة بعد أن كان اللاجئون يحتمون بقرارات دولية تحكي عن هذا الحق.

السلطة وإسرائيل شركاء في الكثير من الأمور (وذلك منذ أيام عرفات فالموت ليس كفّارة)، من بين ما يتشاركان به هو أولاً تقرّب كل منهما للآخر في مقابل استعدائهما لحركة حماس، وثانياً امتعاضهما الواضح وإرباكهما وإحراجهما كما توضّح إعلامياً مما طرحته تحقيقات «الجزيرة». لأن لا مصلحة لكليهما في تحويل مسألة الاغتيال إلى لاهاي.

رأي صريح لحسن نصرالله بعرفات 

تناول برنامج «دي إن إي» على قناة المستقبل مسألة اغتيال عرفات من ناحية أخرى. نبش البرنامج تسجيلاً صوتياً لحسن نصرالله (زعيم ميليشيا حزب الله، وهي التسمية الأنسب له) يعود للعام ١٩٩٨ يسأل فيه «ألا يوجد في الشرطة الفلسطينية (..) شريف يخرج على عرفات كما خرج خالد الإسلامبولي ليقول أن وجود ياسر عرفات على وجه هذه الأرض عار بحق فلسطين وعار بحق العروبة وعار بحق الإسلام»؟

الإسلامبولي هو من اغتال السادات في مصر، وفي ذلك دعوة صريحة من نصرالله لاغتيال عرفات، وفي ما قاله تطاول على الشعب الفلسطيني لأننا قد نختلف سياسياً مع عرفات، وأنا أختلف معه في معظم الأمور وإن كنت أفتقده بعد تيتّم الفلسطينيين في سوريا وإنكار قيادات الفصائل الجبانة لمعاناتهم بل ووقوفهم في صفّ قاتلهم الأسد، لكن التصريح بأن وجوده على وجه هذه الأرض عار بحق كذا وكذا، فهذا تحريض لا يليق بغير قائد ميليشيا طائفية يشكّل حزب الله اليوم أبشع تجلّياتها.

ليس لذلك علاقة باغتيال عرفات باعتقادي، لكن المسألة تكمن في «العرفاتية الجديدة» التي طرأت على إعلام الممانعة الذي أصبح اليوم فجأة فتحاوياً، يا لبؤس كليهما إذن. جميعنا يعرف ما يرونه بعرفات الذي حال «وجوده على وجه هذه الأرض» دون مصادرة آل الأسد بحافظه وبشاره للقرار الوطني الفلسطيني، وهذ من الأمور التي تُحفظ لعرفات رغم الخلاف معه.

ليس هنالك تحولاً في موقف الممانعة وإعلامها من عرفات، خاصة وأن الرجل لم يغيّر موقفاً ولم يتغيّر قبل اغتياله، وكلّنا يعرف العداوة التي «جمعت» بين عرفات من جهة وبين نظام الأسد وزبانيته من جهة بما فيها التنظيمات الفلسطينية التابعة، لكن المسألة بكل بساطة تكمن في الموقف المعيب للسلطة الفلسطينية وحركة فتح وأبو مازن شخصياً من الثورة السورية وتأييدهم العلني والمخجل لنظام بشار، فكل منهما، النظام السوري والسلطة الفلسطينية، يلحّن للآخر ويتودّد له كونهما الآن في محور واحد ومنسجم، يجمع بين خطاب الممانعة ويشمل ذلك التصريحات العاطفية المثيرة للسخرية لقيادات من السلطة والحركة، وبين سلوك يصبّ جملة وتفصيلاً في المصلحة الإسرائيلية، إن كان من قبل السلطة الفلسطينية أو النظام السوري، وذلك في حفظ أمن إسرائيل محلياً من خلال التنسيق الأمني معها وملاحقة المقاومين، ودولياً من خلال تجنّب أي محاكمة دوليّة أو حتّى إدانة، إضافة لتأمين كل الوقت اللازم (وهداة البال) للتوسع بالاستيطان والتهويد والتهجير والاعتقال والقصف (عملياً، ما الذي تفعله السلطة غير ذلك؟)، أو كان في حفظ أمن إسرائيل حدودياً وإقليمياً وربط أمنها بمصير النظام السوري، الشرطي الأكثر نجاعة وإخلاصاً لدولة إسرائيل والمتلقّي الأرحب صدراً لضرباتها الجوّية (عملياً، ما الذي يفعله النظام غير ذلك؟).

إسرائيل تضرب شركاءها، هي هكذا، عادي، والسلطة الفلسطينية والنظام السوري راضين بذلك، قليل من الإرباك يجتاحهما وبعض التهويش الإعلامي الفارغ لإرضاء جمهورها الممانع المتفهّم دائماً، ويتم لفلفة الموضوع كما عوّدتهما إسرائيل. الشراكة هنا لا تكمن بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية فحسب، فالنظام السوري بالصورة، إلا أن الغبشة زالت عنه وتوضّحت الصورة به وتوسّعت.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-tadadalo

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

2 Comments

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s