سياسة
اكتب تعليقُا

الوقائع الغريبة للوزير الشيوعي. قدري جميل على سما وروسيا اليوم والميادين والجزيرة وفرنسا ٢٤ والعربية

الوقائع الغريبة للوزير الشيوعي

الأسبوع الفائت كان أسبوع الرفيق قدري جميل بامتياز، القيادي الشيوعي السوري جامع التناقضات، كالانتماء للماركسية نظرياً وللرأسمالية عملياً، كالانتماء للحكومة السورية في منصب نائب رئيس الوزراء وللمعارضة الوطنية كما يسميها، كونه وحزب الإرادة الشعبية الذي يشغل منصب الأمين فيه، معارضة للحكومة السورية التي يشغل رفيقنا ذاته منصب نائب الرئيس فيها.

لم يعد يشغل قدري جميل هذا المنصب بعد أن أتته الإقالة شخصياً من بشار الأسد، وهو السبب في ظهوره المكّوكي على القنوات الإخبارية، كون الإقالة أتت من قبل الأسد أولاً، وأتته عبر الإعلام ثانياً كأي مشاهد (من احترام الأسد له)، وأتته وهو خارج البلد ثالثاً، وأتته بعد أيام قليلة من انتقاده لقناة سما رابعاً، وكونه اجتمع بأمريكيين وروس دون علم الحكومة كما فهمنا خامساً، والأهم من كل ذلك، وهو ما برّر هذا الاهتمام الإعلامي به، أن سفره خارج البلد وكل ما ذُكر أعلاه وضعه في سياق المنشق، وهو ما سئل عنه في هذه المقابلات وهو ما أهدر معظم الوقت في نفيه من منطق أنه ليس ضمن بنية النظام وإن كان نائب رئيس الوزراء (ولو!)، فكيف ينشق وهو أصلاً معارضة؟! فكان الأصعب أن يقنعنا بأنه معارضة من أن يحدّثنا عن عدم أهليته للانشقاق.

جميل إلى «سما»

لنبدأ الموضوع من مؤتمره الصحافي في روسيا، مزاره الدائم. في معرض إجابته على سؤال مراسل قناة سما (لسان حال النظام السوري) قال بأن على القناة أن تنزل إلى الأرض قليلاً في تلميح إلى الفانتازيا التي تخلقها للمشاهد فيما يخص الثورة السورية، ثم يضيف بأن تبسيط الموضوع (رداً على سؤال المراسل عن المسلحين) هكذا من قبل القناة بشكل دائم هو تشويه وتضليل للرأي العام السوري، وهي تدأب على ذلك على فكرة، يضيف، أحكي هذا الكلام كي يصل.. حارتنا ضيقة ونعرف بعضنا جميعاً.

الأهم في كل المسألة هنا أن جميل هذا نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير التجارة الداخلية في الحكومة (أي من أهل البيت)، أن انتقاده القناة بهذا الشكل يصب في صالح النص الخبري والتحليل السياسي الذي نشاهده على باقي القنوات الإخبارية التي تطرح خبراً وتحليلاً نقيضين لما تطرحه «سما» التي دأبت على تشويه وتضليل الرأي العام كما قال الوزير (الزميل لوزير الإعلام). من هنا بدأ قدري جميل رحلته في التهيئة لكرسي ضمن وفد المعارضة (لا النظام) في مؤتمر جنيف ٢.

جميل على «روسيا اليوم» 

المقابلة التي استهلّت سلسة مقابلاته المكوكية كانت على «روسيا اليوم» المستضيف الدائم وشبه الحصري لجميل. خلال المقابلة يحكي رفيقنا ما سنسمع مضمونه في جميع مقابلاته كأن يقول: حين دخلنا الحكومة كمعارضة دخلنا على أساس برنامج سياسي محدّد.. نشاطنا كمعارضة لا يتعارض نهائياً مع وجودنا في الحكومة.

أي أن جميل يمارس نشاطه كمعارض من داخل الحكومة، وهو دهاء سياسي قد لا يقدر عليه غير الانتهازيين من اليساريين بالمناسبة، بل واستطاع جميل وجبهته الالتفاف على الأسد وأجهزته الأمنية والتغلغل في جسم الحكومة لتغيير النظام من الداخل، لا يهم إن كنّا في حالة حرب أو ثورة ليس هذا موضوعنا الآن، استطاع رفيقنا أن يصل إلى منصب نائب رئيس الحكومة، ولو مُنح بعض الوقت لاستطاع ممارسة نشاطه المعارض من خلال منصب رئيس الحكومة نفسه، ولا تعارض في ذلك على فكرة. وإن لم يُعزَ ذلك للمثال الديمقراطي الذي يطرحه الأسد عبر رفيقنا الشيوعي، فذلك حتماً لقمة الدهاء السياسي لرفيقنا، وبذلك لن تكون هنالك حاجة لثورة كي يسقط الأسد، قدري جميل أقدر بذلك.

موضوع رفيقنا طويل لما فيه من تشويق أولاً، ولعدد المقابلات وقيمة كل منها ثانياً. المهم، يأتيه الخبر هكذا، تسأله المذيعة عن إعفائه فيجيب بأنه لم يسمع شيئاً ويسألها: معلوماتك قديش عمرها؟ تكرّر عليه الخبر (لا السؤال) عن إعفائه فيجيب: والله ما عندي علم. تسأله عن رده مفترضاً أن الخبر صحيح ليجيب: أنا من زمان كنت أقول أن خروجنا من الحكومة أسهل بكثير من دخولنا إليها. ولمن لم يسمع بفذلكات بعض اليساريين إثر خسارة ما، هذه كانت إحداها.

جميل على «الميادين» 

تسأله مذيعة القناة الأشبه بـ«سما» عن الإعفاء عن منصبه ليجيب: نحن كنا معارضة في الحكومة وسنبقى معارضة من خارج الحكومة. يحكي كأن «المعارضة» آلام في المعدة أو تشنّج في بطة الساق يمكن أن يُصاب به المرء من داخل الحكومة أو من خارجها لا يهم. يحكي كأن الحكومة ليست جهازاً تابعاً بالمطلق لنظام دكتاتوري وشمولي كنظام الأسد، خدم جميل فيه (متل الشاطر) بما يتوافق ومصالح هذا النظام.

يضيف رفيقنا مستنكراً القرار بكل تهذيب مغصوب عليه: الموظف في الحكومة السورية يحق له غياب ١٥ يوماً إذا لم يبرر غيابه، ليعتبر مفصولاً، وأنا لم أصل هذه الفترة. هنا يعتبر حاله مستخدَماً وموظفاً حكومياً عادياً، ثم وبجملة لصيقة تماماً يضيف: نحن لسنا موظفين، نحن مناضلون سياسيون، لا أحد يحولنا لموظفين. يستغرب جميل من القرار لأنه أولاً اعتبر نفسه موظفاً حكومياً يحق له التغيّب لـ ١٥ يوماً دون تبرير، ثم، وهنا استغرابه الأكبر، لأنه توقع من الأسد أن يحترم الـ ١٥ يوماً هذه.

وحياة شوارب لينين يا رفيق نحن الأولى بالاستغراب.

جميل على «الجزيرة» 

بدأ جميل المقابلة بعتب «الجزيرة» كونها المرة الأولى التي تُظهره فيها على شاشتها، وهذا يفيد بأن رفيقنا لم يكن مقاطعاً القناة، ولا أظن أن الأخيرة كانت مقاطعة إياه، إلا أنها، والحال هذه، لم تعرف بأي صفة تظهره على مُشاهدها، المعارض أم الوزير، وهذا التباس لم يقتصر على القناة وحدها، فهو كذلك ما صرّح به رفيقنا من حيث لا يدري حين قال في أكثر من مقابلة أن منظمي مؤتمر جنيف ٢ قد وضعوه في وفد النظام إلا أنه أصرّ على أنه ضمن المعارضة (ويمكن يحرد)، والجميع يصرّ على أنه ضمن النظام، بل وفي وفد حكومي كونه نائب الرئيس.

يكمل في عتبه: أنتم أول مرة تستقبلوننا منذ سنتين ونصف، نحن الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير لنا باع طويل في النضال السلمي الاحتجاجي على الأرض مع ذلك تم تجاهلنا إعلامياً، اليوم العالم ينفتح علينا ويعترف بدورنا وبالتالي يهم الأمريكان أن يتعرفوا علينا، وهذا أمر جيد. إذن من الجيد لرفيقنا أن ينفتح الأمريكان على حزب يساري مناضل الخ، كل هذا الانفتاح، وليس لإقالة جميل واحتمال انشقاقه أو ابتعاده عن النظام أي دور في هذا الانفتاح، بل هو الإدراك المفاجئ لتاريخه النضالي والثوري وقد طرأ فجأة على أمريكا والجزيرة والعربية..

يؤكد بعد ذلك: وجودنا في الحكومة مؤقت واستثنائي، وهو خارج القواعد والعادات والأعراف والتقاليد أصلاً أن تكون المعارضة موجودة في حكومة أكثرية (حكومة أكثرية؟) لكن الظرف الاستثنائي استدعى ذلك والظاهر أن الأمور رجعت لتأخذ مجراها الطبيعي. أيّ أمور رجعت لمجرى طبيعي وما هذا المجرى الذي رجع طبيعياً خلال الأيام القليلة الماضية وما الذي تغيّر في سوريا إلا الزيادة في القتل والقصف الحكومي (ورفيقنا أحد الوزراء)؟ يحكي جميل وكأنه من قدّم استقالته ورماها في وجه الأسد (والعياذ بالله)، لا أُقيل وسُلّم الخبر في مقابلة محرجة على الهواء ومن قناة روسية.

تسأله المذيعة عن موقفه من قرار إقالته، ليقاطعها محوّلاً الموضوع وقد بان التوتّر عليه: أرجوكِ أرجوكِ.. تحكين عن اتفاق وهذا ابتذال وتسطيح للأمور، ولكن إن كنتم تعرفوننا جيداً لو أنكم اتصلتم بنا سابقاً واحتككتم بنا لكنتم تعرفون أننا مناضلون ثوريون حقيقيون (..الخ الخ) المناصب لا تهمنا والوزارات لا تهمنا ومكاسب الوزارات لا تهمنا وهو آخر ما نفكر به.

هذا العتاب المبالغ فيه للقناة التي أخرجت شريف شحادة من بلعنا من كثر ما استضافته، لا يدلّ أبداً على مقاطعة هذا المناضل الشيوعي الثوري لهذه القناة المغرضة، بل على صَلاته للّحظة التي تعيره القناة فيها اعتباراً يسمح له على الأقل بالظهور على شاشتها.

جميل على «فرنسا ٢٤» 

هو الكلام ذاته على فكرة، إلا أن صاحبنا بدأ هنا وبعد اللقاءات السابقة، يعتقد أنه فعلاً وحقاً معارضة، فبدأ يحكي عن: التغيير الجذري الديمقراطي الشامل في البلاد، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، تغيير سلمي تدريجي وهذا يقرره الشعب. تغيير رفيقنا هذا لن يمسّ بمكانة الأسد كرئيس أبدي للبلاد طبعاً. إلا أن جميل صدّق حاله وبدأ فعلاً يلعب دور المعارض ليقنع العالم في يومين أنه معارضة، بل ووطنية، لتمييزه عن المعارضات الأخرى التي لم تكتسب صفة الوطنية، من مانحها بشار طبعاً.

روسيا هي الداعم الدولي الأول والأكبر للنظام السوري، وهي (وقناة روسيا اليوم) المستضيف الدائم لهذا المعارض الشيوعي القائل هنا: روسيا بعد الصحوة الروسية الصينية، الفيتو الأول والثاني والثالث، صار لها وزن دولي هام جداً، بدأت تأخذ مكانها الطبيعي في العالم وهو أمر مفرح لكل الشعوب المظلومة والمقهورة والمغلوب على أمرها. هكذا إذن تكون المعارضة الوطنية أو لا تكون. لكن سؤالي هو هل فرَح الشعوب المقهورة بالدور الروسي يشمل كذلك السوريين؟

ينهي رفيقنا حديثه كالعادة، ولعلّنا نصدّقه من كثر ما كرّره: بعدين اسمح لي أن أقول لك نحن مناضلون ثوريون والمناصب الحكومية آخر ما نفكر به.. الذكي الذي يلحق حاله ويعيد النظر بمواقفه وينسجم مع الاتجاه العام لحركة التاريخ.

لكن يا رفيقنا المناضل متى كانت حركة التاريخ في صف الدكتاتور لا الثورة والشعب؟

جميل على «العربية» 

بعد التأكيد على أنه ليس: مستخدَماً عادياً ولا موظفاً عادياً حتى أوقع دفتر الدخول والخروج من العمل، في التعليق على إقالته بخلاف ما قاله أعلاه، وبعد سؤالين يعلّق: أعتقد أنك تركزين أكثر من اللازم على موضوع الاستقالة وهو موضوع ثانوي لأن ما يشغل بالي اليوم ليس الحكومة بل الوضع الإنساني لملايين السوريين، الجملة التي قالها على جميع القنوات بالمناسبة، وما يزال رفيقنا يحارب من أجل كرسي ضمن وفد المعارضة في مؤتمر جنيف ٢.

ونكتشف هنا أنه حمل عتبه ذاته إلى هذه القناة: العربية ظلت تتجاهلنا مدة سنتين ونصف.. أعتقد الاعتراف الشامل بالجبهة الشعبية للتحرير والتغيير اليوم سببه تراكم عملنا النضالي لذلك كل الدنيا تتعامل معنا اليوم.

وكما كرّر عتبه لـ«لجزيرة» في مقابلة واحدة ها هو يكرّر عتبه لـ«لعربية» هنا: آخر شيء أفكر فيه الحكومة، عندنا شغلات أهم، نحن لا تعرفوننا لأنكم كنتم مقطوعين عنا لسنتين ونصف، نحن مناضلون ثوريون آخر ما يهمنا الحكومة، يهمنا هموم شعبنا.. (الخ الخ).

أخيراً، وقبل تسليم هذه الزاوية بدقائق، باغتني جميل على قناة سكاي نيوز عربية مشدّداً على تاريخه النضالي وحاضره المعارض. وبصراحة لم يعد لدينا مساحة أكبر للتعليق، ليسامحنا رفيقنا.

رشرش حبّك يا جميل 

قدري جميل ظاهرة لا بد من دراستها سايكولوجياً وسوسيولوجياً، في تجربته كل الأمثلة الجليّة للانتهازية اليسارية، يصلح عليه ما يُقال عمّن يلبس فردة حذائه اليسرى بقدمه اليمنى. هذا القيادي الشيوعي المعارض الثوري المحب للنظام، الذي هرب قبل أشهر في مقابلة على قناة دبي مع زينة اليازجي حين سألته إن كان الأسد مؤهلاً لقيادة سوريا في عملية إصلاح، هرب في إجابته إلى ما يلخّص معنى معارضته «الوطنية» للنظام قائلاً بأن: الأسد لديه مواصفات شخصية ليكون رئيس الجمهورية العربية السورية.

يا هيك المعارضة يا بلا.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-qadri

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s