سياسة
اكتب تعليقُا

باسم يوسف والإساءة للذات السيسيّة. سكاي نيوز، تقارير قديمة. الميادين: أنت تنتقدني، إذن أنت إسرائيلي

باسم يوسف والإساءة للذات السيسيّة: اللي ع راسه بطحة بحسّس عليها

كالكثيرين انتظرتُ عرض الحلقة الأولى من الموسم الجديد لـ «البرنامج» الذي يقدمه باسم يوسف، لسبب أساسي هو مقارنة ما يمكن أن ينتقد به الحكمَ الجديد في مصر بما استطاعه من نقد لـ/وسخرية من حكم الإخوان ومحمد مرسي لهذه البلد.

كانت الحلقة ذكية وجيدة بالمجمل، مع كثير من الضحك بالنسبة لي، إلا أني لا زلت أحتفظ بتساؤلاتي التي لم تجد إجابات حاسمة لها في الحلقة الأولى وإن ظهرت بوادر لذلك.

كتبت مرة في هذه الزاوية أن باسم يوسف وبرنامجه هو أحد الأصوات القليلة الحكيمة في مصر، وهو من بين الأقرب لثورة يناير والأشبه بها في رفضها للنظام البوليسي القمعي في زمن مبارك ولاحقاً الحكم الظلامي والمهرْوِل للشمولية في زمن الإخوان. لكن ما يثير التساؤل هنا يخص الحكم العسكري المهرْوِل (كَرْفتة) للشمولية بتسارع يفوق ما حاوله الإخوان، وبعنف مفرط.

ما لا آمله أبداً لهذا البرنامج الأكثر متابعة وتأثيراً عربياً هو أن يبدأ حلقاته الأولى بانتقاد خفيف للنظام الجديد في مصر، للسيسي وإن بشكل غير مباشر (وهو ما حصل)، يزيل بها أي تساؤلات كالتي في ذهني ويبني بها مصداقية جديدة كالتي نالها في موسمه الأخير، فتكون «تسكيتة جوع» ليس أكثر، ثم ينتقل في سلسلة طويلة من انتقادات ساخرة لظواهر وممارسات اجتماعية وسياسية وإعلامية دون المساس بالنظام الحالي ولو «بتلطيشة» صغيرة (وهو ما لا آمل حصوله).

ما شاهدته في الحلقة الأولى كان، نوعاً ما، مبشّراً بالخير (لي لا للبرنامج)، حوت انتقاداً للمجتمع في مغالاته بفرعنته للسيسي والهوس به، والبرنامج أصاب في ذلك تماماً، هنالك حالة هوس وسعار غير طبيعي وفيها كل الأسباب للسخرية، وهي مادة ممتازة لباسم وممتعة لنا. كما حوت الحلقة «تلطيشات» ذكية لحالة كتم الصوت التي يحاول النظام الجديد فرضها، كرّرها باسم أكثر من مرة في الحلقة الأولى وبأسلوبه الذكي و«اللذيذ»، وهو ما قد يكون (وما أتمناه) تهييئاً لما سيأتي به من نقد أوضح للسيسي ولنظام حكمه، وهو ما يمكن اعتباره اقتراحاً على الملأ بتحدي هذا النظام، وهو بالمقابل ما يصعّب على المؤسسة العسكرية الحاكمة في مصر مسألة التضييق المباشر على «البرنامج» أو حظره، وبالتالي قد يلجأ السيسي وحكمه إلى تجمّعات واحتجاجات شعبية للوصول لغايته، فتكون هذه التجمعات «الأذرع» التي حكى عنها باسم في برنامجه، الأذرع المعتدية على حرية الإعلام، وفعلاً بدأت بعض الجماعات المحسوبة على السيسي والمؤيدة لحكم العسكر بالتحرك للضغط على البرنامج بُعيد بث حلقته الأولى، ببساطة لأنهم جميعاً يعرفون مدى التأثير الذي يحدثه باسم وبرنامجه مصرياً وعربياً وحتى عالمياً، ولأن السيسي وجماعته يعرفون أنهم مادة دسمة للنقد والسخرية.

من ناحية أخرى، إن استطاع «البرنامج» مواصلة نقده الذكي وسخريته اللاذعة بوتيرة ما شاهدناه في الحلقة الأولى، وإن نفد من تضييقات حكم العسكر والمحسوبين عليه، تمام، ممتاز، لكنه يبقى في النهاية نقداً وسخرية لطيفين وحذرين ومهذبين خلافاً لما استطاعه البرنامج في حكم الإخوان. ما ننتظره من باسم و«البرنامج» هو إعادة دفع سقف الحرية إلى الأعلى ليصل على الأقل ما كان قد وصله في حكم الإخوان بعد الانحدار الرهيب (كَرْفتة) الذي وصله هذا السقف مع الحكم الجديد، وكما كتبتُ سابقاً هنا ليس ذلك لسعة صدر الإخوان بل لأن «البرنامج» صنع استحقاقه لذلك، كما أنه لن يكون الآن (إن استطاع باسم رفع السقف) لسعة صدر العسكر بل لأن «البرنامج» يصنع استحقاقه لذلك.

أما الجهة الحامية لباسم وبرنامجه فهو الإعلام والرأي العام المصري والعربي والعالمي، هو ما حماه في وجه مرسي وهو ما سيحميه في وجه السيسي على الأغلب. وليس العسكر، كما الإخوان، بوارد المواجه مع الرأي العام، إلا بالقمع والعنف، أو بـ «رأي عام» آخر يحرّكه العسكر لتغطية قمعيته وعدائيته لحرية الإعلام والرأي، وهذا تخوّف جدي يواجهه البرنامج. نضيف على ذلك «رأي عام» إخواني قد ينضم بقدرة قادر إلى العسكر في جردة حساب طويلة مع باسم يوسف.

أجاب باسم في إحدى حلقات الموسم الأخير من يسألونه عن سبب تركيزه على الإخوان في انتقاداته أنه وبكل بساطة الإخوان هم من في الحكم وهم بالتالي الأولى بالنقد، وهو ما يصحّ تطبيقه على الحالة المصرية في حكم العسكر، وهو ما يجعلنا نتوقّع من باسم انتقاداً لـ/وسخرية من الجهة الحاكمة الآن، أي العسكر، المؤسسة العسكرية، الجيش، مهما يكن، كلّها تسميات لقيادة واحدة لها اسم واحد هو عبد الفتاح السيسي.

وكما انتقد باسم بحقٍ رأس الحكم آنذاك وهو محمد مرسي قبل أن ينتقد حاشيته، ننتظر منه الآن أن ينتقد، قبل الحاشية، عبد الفتاح السيسي بشكل مباشر (من غيره رأس الحكم الآن؟)، لا أن يكتفي بالسخرية من فرعنته من قبل المجتمع ولا أن ينتقد الحكومة وجميع المؤسسات الرسمية (بما فيها الرئاسية!) في مصر دون أن يهتدي للمؤسسة العسكرية ورأسها السيسي.

الحلقة الأولى كانت مبشّرة لي، أولاً بجلسات ضحك أسبوعية عزّت هذه الأيام وافتقدتها منذ انتهى الموسم الأخير من البرنامج، ثانياً بموقف «البرنامج» الحكيم والإنساني والوطني في ما حصل ويحصل في مصر، وثالثاً والأهم أن «البرنامج» سائر في انتقاد الجهة الحاكمة في مصر كما آمل، أي المؤسسة العسكرية والسيسي تحديداً، وإن ابتدأ بشكل لطيف ومهذّب وغير مباشر، هذا تساؤلي الأساس.

شكّل «البرنامج» ظاهرة يُقاس بها سقف الحريات، هو بذلك يتحمّل مسؤولية وطنية في مصر تتعدى حدود البرنامج التلفزيوني بأشواط. مسؤولية كبيرة يحملها باسم يوسف وبرنامجه وتحدّ كبير طرحه في حلقته الأولى على العسكر الحاكم في مصر. مهما فعل العسكر، الصمت أم القمع، هم الخاسرون بكل الأحوال. لذلك، وبعد انتهاء الحلقة الأولى بساعات بدأنا نقرأ في الصحافة عن الاحتجاجات والبلاغات التي بدأت تُرفع ضد باسم يوسف بتهمة الإساءة للسيسي (أي للذات السيسية)، وبدأ العسكر بذلك مواجهتهم الخاسرة بكل الأحوال.

نقول بالفلسطيني «اللي ع راسه بطحة بحسّس عليها» وها هو السيسي بدأ يحسّس على بطحته.

سكاي نيوز، تقارير قديمة

أثناء متابعتي لما تبثّه القنوات العربية، الإخبارية منها تحديداً، مررت بتقرير لقناة سكاي نيوز يحكي عن التصنيف العالمي لحرية الإعلام وهو تقرير مفصّل أصدرته منظمة «صحافيون بلا حدود». لكني وحسبما أعرف فإن المنظمة أصدرت تصنيفاً كالذي يحكي عنه التقرير قبل أشهر، وأني كتبت مقالة عنه لهذه الصحيفة قبل أكثر من ٧ أشهر. المعلومات والأرقام الواردة في تقرير القناة هي ذاتها كما في التقرير القديم للمنظمة، عدت لموقع المنظّمة فلم أجد تقارير جديدة..

ما الذي إذن يجعل قناة تلفزيونية، لا موقعاً الكترونياً متواضعاً، وبإمكانيات سكاي نيوز أن تعدّ تقريراً كان يمكن أن تعدّه وتبثّه قبل ٧ أشهر؟ التقرير يحكي عن الحريات الصحافية ويحكي كم هي بلادنا العربية متقوقعة في ذيل اللائحة، وتحديداً سوريا، الدولة/النظام الأشد عداوة لحرية الصحافة عالميا، يسبقها في ذلك إيريتريا وكوريا الشمالية وتركمانستان فقط. ولأن التقرير قديم، إذ صدر قبل انقلاب السيسي بأشهر، لم تكن لمصر مواقع متقدمة (أي متأخرة) في العداء لحرية الإعلام، وعلى كل حال ما كانت سكاي نيوز لتشير إلى عداء العسكر المصري لحرية الإعلام لأنهم ميّتون في دباديب بعض.

لكن فعلاً، ألا يؤخذ موضوع الجدّة في التقارير الصحافية بجديّة في هذه القناة؟ طبعاً لن يحكم تقرير واحد على ما تبثّه القناة إجمالاً، التنوع والحيوية في تناول موضوع معين في نشراتها الإخبارية مثلاً يحوي شيئاً من الجاذبية للمشاهد، وهذه تُحسب للقناة، لكني أسأل عن التقرير عينه.

على كل حال ليست مشكلة كبيرة، لكن تكرار «الخطأ» قد يأثّر في ثقة المشاهد بجدّة التقارير المعروضة. في النهاية من الجيد التذكير بمدى القمعية والعدائية لحرية الإعلام والرأي التي تتفوق بها وعلى مستوى عالمي الأنظمة العربية المخضرمة في هذا العداء.

الميادين: أنت تنتقدني، إذن أنت إسرائيلي

في مقالة لي على هذه الصفحات قبل أكثر من شهرين، انتقدت حلقة من برنامج الزميل سامي كليب على قناة الميادين استضاف (أو استدعى) فيها ممثلَين عن «اليسار الفلسطيني» ليسبّح ممثّل «الجبهة الشعبية» بحمد النظام السوري و«حزب الله» مثل الشاطر. وكما أفعل دائماً أعيد نشر المقالات على مدوّنتي الشخصية بعد نشرها هنا، ووجدت قبل أيام تعليقاً من الزميل نفسه على هذه المقالة في مدوّنتي، يعبّر فيها عن استغرابه لما كتبت لدرجه جعلته يضحك كثيراً، ويضحك أكثر حين يقرأ أن الكاتب فلسطيني وليس إسرائيلياً، ثم يقول أن ما كتبته معيب وينصحني باتقاء الله فيهم.

السيد سامي كليب (زوج السيدة لونا الشبل المستشارة الإعلامية لبشار الأسد) هو الرجل الثاني في قناة الميادين ومدير الأخبار فيها، أي بالمفهوم الفلسطيني: الأمين العام المساعد لقناة الميادين-القيادة العامة. ويعبّر تماماً عن نهج القناة وعقليتها التي نشأت عليها وتبثّ مخلصة لها، وهي أن انتقد القناة لتكون إسرائيلياً ما لم يثبت خلاف ذلك، وخلاف ذلك يكون حتماً بالثناء على القناة، ويا ليت لو كان بالتماهي مع القناة المتماهية مع النظامين السوري والإيراني.

تَخلص القناة إلى أن أي ناقد لأي من النظامين (وهما أساس نقدي لها) إن لم يكن إسرائيلياً فهو يوحي بأنه إسرائيلي، والقاعدة تُعمّم لتشمل صاحب هذه الأسطر الذي لا يرى أي تناقض بين فلسطين حرة ديمقراطية (بل وعلمانية) وبين سوريا حرة ديمقراطية ولبنان حراً ديمقراطياً، بل أرى تكاملاً حتمياً بينها. هذا تماماً ما أسمّيه الإفلاس الأخلاقي والسياسي في الحجّة. خلص يكفيهم هالكلمتين.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-bassemm

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s