سينما
اكتب تعليقُا

هاني أبو أسعد: ما يهمني هو الاستثناء. مقابلة مع مخرج فيلم «عمر» عشية العروض الفرنسية للفيلم

أجرى الحوار سليم البيك

 عُرض قبل أيام في مدينة تولوز الفرنسية في إحدى صالات «سينما أوتوبيا» فيلم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، «عمر»، في عرض ما قبل الأول، استباقاً لعروض الفيلم التي ابتدأت في الصالات الفرنسية والمستمرّة حتى يومنا هذا، لحق العرض حوار بين المخرج والحضور حول الفيلم وموضوعه والقضايا التي يتناولها، وهي من بين ما تحويه هذه المقالة.

التقينا أبو أسعد في المقهى المقابل لـ «أوتوبيا»، بدأنا بالحديث عن البلد، عن الناصرة التي جاءنا منها، وعن العديد من الأمور، ما خص منها فيلمه دوّناها في هذه الأسطر.

بدأنا اللقاء بالحديث عن السيناريو، عن فكرة الفيلم التي يقول أبو أسعد أنها أتته من خلال قصص سمعها في فترات مختلفة، أما أهم ما رآه فيها فكانت حقيقة أن رجال المخابرات في أي دولة يستغلون نقطة ضعف أو معلومة سرية يخاف الخاضع للتحقيق أن تنتشر، وهي ما قد تؤثر على حياته، وبالتالي يجبرونه على التعامل معهم. هي فكرة مثيرة جداً درامياً، وهو تفصيل يومي في حياة بعض الفلسطينيين، من يخضع منهم لضغوطات مخابراتية تحديداً. وفي ذلك تستغل المخابرات عزلة المُحقَّق معه وخوفه، المأزق الأساسي في الفيلم كان بأن على عمر أن يختار، بعد أن وقع في أيدي المخابرات الإسرائيلية وبعد أن ضغطوا عليه جسدياً ونفسياً، إما أن يبقى في السجن طوال حياته وإما أن يخون رفاقه، هذا هو المأزق الأساسي في قصة عمر.

في مسألة تصنيف الفيلم ما قد يثير بعض الحيرة لدى مشاهديه كوننا لا نتكلّم هنا عن فيلم سياسي بالمعنى المباشر. يقول أبو أسعد بأنه خلط بين قصة الحب التراجيدية (Tragic love story) والقصة البوليسية (Thriler)، عادة لا نرى هذه التركيبة. أصبحت حياتنا اليومية مزيجاً من عدة حالات، والفيلم لا يُعتبر خارجاً عن القاعدة العامة في ذلك، وخصوصاً في التفاصيل الحياتية للناس.

أما تفاصيل الشخصيات في فيلم «عمر» يقول أبو أسعد بأنه اشتغل هنا على ما يُعرف درامياً بالعيب المأساوي (Tragic Flaw) وهو ما جعل من عمر، الشخصية القوية، لا يظهر نقاط ضعفه في معظم سير الفيلم، مشكلة عمر أنه لو اعترف برهافته منذ البداية لتجنّب جميع المآزق، ولأنه لم يقم بذلك فقد علق في المأزق الكبير في نهاية الفيلم، بخلاف إحدى الشخصيات التي اضطرت للعمالة مع المخابرات، وهنا يطرح أبو أسعد فكرة الخيانة كفعل مُدان بشدّة من ناحية، وكنتيجة لاضطهاد الاحتلال لأفراد في هذا المجتمع مستغلين نقاط ضعفهم من ناحية أخرى.

لكبرياء الفلسطيني حضوره في الفيلم، وهو ما يعزّ ظهوره في العديد من الأعمال السينمائية التي تصوّر فلسطينيين، فكرتي هي أن نعطي عنفواناً لشخصياتنا التي حتى لو كانت ضحايا، تبقى لديها عقلية الإنسان المقاوم الذي يسطيع أن يقول لا في أقسى ظروفه، ويفعلها. قصدتُ ذلك ليشعر الفلسطيني بكبريائه حين يشاهد الفيلم. يظهر هذا الكبرياء بشكله الواضح أثناء التحقيق مع عمر. ويقول أبو أسعد رداً على اتهام فيلمه بالشوفينية والمغالاة، وخصوصاً فيما يخص مشهد التحقيق كونه بعيداً نسبياً عن الواقع، هذا صحيح لأن معظم الناس التي تخضع للتحقيق العنيف تنهار وينكسر عنفوانها بالتعذيب، لكن هنالك شخصيات وأعرفها، يقول، لم يكن ممكناً كسر عنفوانها بالتعذيب، وهي شخصيات استثنائية، ثم أسأل: لماذا نضطر في الأفلام أن نصوّر دائماً الشخصية العادية في المجتمع؟ لا يهمّني العادي، بل الاستثناء، الشخصية الاستثنائية هي البطل عندي، يقول، وهي الجديرة بنقلها سينمائياً، لا يصوّر الفيلم جميع الفلسطينيين أو العالم كشبيهين بشخصية عمر، معظم الناس غير قادرة على تحمّل ممارسات التعذيب، لكن هنالك في هذا العالم شخصيات تدهشنا في شجاعتها. وبالنهاية، فقد اكتفينا من دور الضحية ولا بدّ أن نقول أننا كذلك نقاوم.

يضيف أبو أسعد بأنه كتب الفيلم وأخرجه للفلسطينيين بالدرجة الأولى، كنتُ دائماً أقول بأن أفلامنا تُصنع لتُعرض خارج الوطن، لكن في الفيلم كان مركز اهتمامي الإنسان الفلسطيني قبل كل شيء.

وعن فكرة الاستقرار في الفيلم، وخاصة لحظة انقضاض رجال المخابرات المستعربين على عمر بعد لحظات من حديثه عن نيّة الزواج من شقيقة رفيقه، ناديا، يقول أبو أسعد بأن ذلك عنصر أساسي في البناء الدرامي، ففي اللحظة التي تشرع فيها الشخصية بمواجهة المشكلة الخارجية، وهو على وشك النجاح في ذلك، تبدأ الدراما الحقيقية في حياته. وهو ما يتّضح في محاولات عمر التسلّق على الجدار والفرق بينها في بداية الفيلم وبينها مع تقدّم الفيلم بتعقيداته في حياة عمر الذي فقد قوته، وذلك بفقدانه الحب والأمان. في البداية كان عمر يحب، فلم يكترث للمخاطر، وحين خسر حبه خسر معه قوّته.

أما الإعلانات التجارية التي تظهر في عدّة مشاهد للشوارع والحارات هناك، وفي تناقض تام بين مضمونها وبين حياة الفلسطيني، عنها يقول بأننا لا بدّ أن نحكي القصة بأسلوب بصري كذلك، لا بالحوارات فحسب. الإعلانات تعبّر عن المتمنّى والطموح، لكن واقع عمر بعيد عن ذلك، وهنا أنقل ذلك بصرياً عن طريق الصورة بدل الحوار.

فكرة المقاومة كذلك مطروحة في الفيلم، وبمقارنتها مع الفكرة ذاتها كما طرحها فيلمه السابق «الجنة الآن»، يقول أبو أسعد أنه في فيلمه السابق كان هنالك نقاش حول مسألة العمليات الاستشهادية إن كانت تجدي أم لا، في «عمر» تم تخطي ذلك، لا نقاش هنا في مسألة المقاومة. الفيلم يطرح مسائل الحب والصداقة والثقة وارتباطها ببعضها، إضافة إلى أهمية الثقة في مجتمعاتنا، حاولت إيصال كل هذه النظريات ليس من خلال النقاش الفلسطيني بل من خلال الحالة الدرامية، لكن لا نقاش في مسألة المقاومة فهي مشروعة بكل أشكالها لأي شعب مضطهد، والشعب هو الذي يقرر أي أسلوب يتبع لمقاومة مضطهديه.

أما عن تأثير ذلك على توزيع الفيلم، وتحديداً عالمياً، يقول بأن المعيق الوحيد لتوزيع الفيلم الفلسطيني هو في كونه فلسطيني، ففي مجرد كونه فيلم فلسطيني هنالك دائماً من يحاربه، لأنه بمجرد تشبّثك بهويتك فأنت تقاوم المشروع الذي يقوم على تهويدك وإجبارك على قبول الدونية، وبما أنه لدينا هذا العائق بكل الأحوال، إن صنعتَ فيلماً مسايراً للاعتبارات الغربية أم لم تفعل، هنالك عائق. لذلك لا يجب أن يعتمد الترويج للفيلم على الموضوع السياسي، وهذه فكرة أساسية، بل لا بدّ من الترويج للفيلم الفلسطيني على أنه جيد كعمل فنّي. هويتي فلسطينية، أما مهمّتي فهي عمل فيلم جيّد، فيلم مبني على أسس درامية وتصوير مطابق للقصة إضافة إلى التصميم الفني الذي يقدّم إضافة لعمق موضوع الفيلم، هذا كله لا بدّ أن يكون بجودة عالية حتى يرقى الفيلم فوق العائق.

الفيلم القوي هو الذي يفهم اللغة التي يستخدمها، أن يعرف إن كانت وسيلته ترفيهية أو تجريبية أو كلاهما، وفي هذه الحالة لن يكون الفيلم متسلّقاً على القضية السياسية التي يقدّمها، ولنقل قضيتنا الفلسطينية، بل رافعاً لها. ما أريده هو أن يخرج مشاهد فيلمي في أي مكان من العالم مع الشعور بأن الفلسطيني يصنع أفلاماً جيدة، هو ما يهمني بالنهاية.

مقالة سابقة لي عن الفيلم

في القدس العربي

alquds-omarinterview

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s