سياسة
اكتب تعليقُا

أبو مازن يا حبّة عيني. عباس زكي مبهوراً بالأسد. أبو النوف «جاوب على أمّ السؤال». أنوَر رجا والمؤامرة

صدفة تاريخية

صدفة تاريخية جعلت من الأسبوع الفائت أسبوعاً تاريخياً نشهد فيه الطلّات البهيّة لقيادات فلسطينية تاريخية هي الأخرى. صدفة أتت بكل هذا الكم (والنوع) من القيادات الفلسطينية على التلفزيونات وفي مقابلات منفردة تسمح لكل من هذه القيادات بأن تسرح وتمرح «وتاخدنا وتجيبنا» في تحليلاتها الخلّابية ومواقفها الفولاذية. لن أستطيع في هذه الزاوية تغطية جميع من استطعت أن ألتقط لها مقابلة خلال الأسبوع من قياداتنا التاريخية (أو: التاريخانية، هم يموتون في مفردات كهذه).

أبو مازن يا حبّة عيني 

على رأس هذه القيادات (من غيره؟) محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية (وحتى لا «ياخد ع خاطره»: رئيس دولة فلسطين)، ورئيس اللجنة المركزية لحركة فتح ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والقائد العام للقوات المسلحة، وقبل أشهر كان أيضاً رئيس مجلس الوزراء.

ظهر من حيث لا ندري هذا القيادي الاستثنائي الشمولي على قناة «الفلسطينية» في برنامج «حكي عالمكشوف»، المستضيفُ فيه محاورٌ من الدرجة «السبعطعش»، كان مرتبِكاً مجامِلاً بكل ابتذال كأنه يحاور كيم يونغ أون، رغم أن سيادته كان في غاية اللطافة. هذه اللطافة حكت عن العديد من القضايا، إلا أني انتظرت متربّصاً كالأشرار الحقودين على قياداتنا التاريخية، منتظراً أن يأتي على ذكر عباس زكي وانبعاثه إلى سوريا، وهذا ما حصل.

قبل ذلك نعرف من القائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية أننا اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، أننا «بلوى جديدة من سنتين اجتنا هي اللاجئين». لم أكن أعرف أننا نقلق راحة سيادته إلى هذه الدرجة، ولا أطلب من سيادته إلا أن يطوّل باله علينا شوي، كلها كم شهر ونتوزّع بين الموت والحياة، أما الأموات فقد أراحه عزرائيل بمعيّة بشار منهم، وأما الأحياء فإما مهجّرين إلى تركيا والسويد وإيطاليا وغيرها وإما على حدود البلاد العربية الشقيقة الممانعة تماماً لاستقبالهم حفاظاً على حقوقهم بالعودة (إلى فلسطين طبعاً) وإما محتجزين لدى الأمن المصري بأبشع الظروف، وإما صامدين في مخيماتهم المحاصَرة منذ زمن، أو أنهم التحقوا بالأموات لكن غرقاً أثناء هروبهم من كل ذلك.

فقط الفئة الباقية في المخيمات هي التي (إن نفدت من الموت جوعاً أو قنصاً أو قصفاً أو ذبحاً أو تعذيباً) قد تشكّل نوعاً من البلوى لسيادته، وإن فعلاً يشكّلون كل هذا الأرق له وللقوات المسلحة الفلسطينية (عملياً: الضّفاوية)، فلمَ لا يتناقش الأمر مع زميله قائد القوات المسلحة السورية (عملياً: الساحلية)؟ أو أنه فعل من خلال زيارة عباس زكي التاريخية؟ أمّا هذا العباس زكي فقصته قصة، الفقرة التالية أستضيفه عندي.

من يشاهد سيادته كيف يحكي عن هذه البلوى، عن هؤلاء اللاجئين في سوريا، من يعانون مثل السوريين آلة القتل والإرهاب (التاريخية هي الأخرى) التي يمارسها نظام الأسد عليهم كما على السوريين، سينهار بكاء وندباً على هذه الروح الطيبة والطّرية، ويدعو الله أن يأخدنا جميعاً لأن قلوبنا الصغيرة لا تحتمل رئيساً حنوناً عطوفاً يفطر القلوب بتفوّهاته في المقابلة: «أنا بعرف في عندي (عندي؟!) ٦٠٠٠٠٠ فلسطيني بدي أحميهم بدي أحميهم، بدي أحميهم من الموت بدي أحميهم من التدمير بدي أحميهم من الجوع بدي أحميهم».

ثم بعد أن يهدأ: «لذلك أرسلت عباس زكي ليتكلم معهم (لم أفهم مع من تحديداً)، منشان الله (الكلام للقائد العام) احمولنا المخيمات، لإنو مخيم اليرموك اللي بيحصل إنو هاد برمي قنبلة ع هاد وهاد برمي قنبلة ع التاني، بس التنتين وين بنزلوا؟ (يا حزرك!) عالمخيم».

إذن، هاد بيرمي ع هاد وهاد بيرمي ع هاد، وهدول التنين بيرمو ع هدوليك (باليرموك)، فهداك (عباس) بعت هاد (زكي) ليزور هداك (الأسد) ويحكيلو أنو هاد بيرمي ع هاد قنبلة وهاد بيرمي ع هاد قنبلة، ووين بنزلوا؟ ليردّ هداك الأسد: ع اليرمووووك. يا عيني ع ربّك.

ليست لدي مشكلة مع كل ما يقوله محمود عباس في شأن الفلسطينيين في سوريا، ولا أتوقّع أفضل. مشكلتي أنه لم يفعل شيئاً حتى اللحظة رغم كل ما مرّوا به من مجازر مفردة وجماعية خلال السنتين الماضيتين، غير الاجتماع بالنظام السوري الذي (للصدفة) تزداد وحشيته على المخيمات. الأنكى أنه وبعد كل ذلك، يرسل الفتحاوي الشرس عباس زكي في رسالة تأييد لمرتكب هذه المجازر.

عباس زكي مبهوراً بالأسد 

أما عبّاس زكي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، والمبعوث الرسمي للقائد العام للقوات الخ الخ، فقد تمّ رصده على قناة «الإخبارية السورية»، أثناء زيارته التضامنية مع آخر قلاع المقاومة والعلمانية (مع لواء أبي الفضل العبّاس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني)، في مقابلة يحكي فيها زكي ما جادت به قريحته كفتحاوي شرس متمرّس: «ندرك تماماً أهمية سورية وموقعها وقوة جيشها وتألق رئيسها». أهمية سوريا وقوة جيشها فاهمينها، يومياً نشاهد هذه القوة وما يمكن أن تلحقه بالعدو الإسرائيلي إن جرّب المساس بها، يومياً نشاهد، ويشاهد الإسرائيلي، ما يمكن أن تفعله قوة الجيش العربي السوري إن قرّر تحرير فلسطين من الصهاينة (أو الجولان على الأقل)، فلينتبهوا على أنفسهم الصهاينة وليأخذوا في الشعب السوري عبرة، ألا هل بلّغت.

أفهم كل ذلك، إلا أن ما لم أفهمه هو تألق بشار، من أين أتت قريحته بهذه الكلمة والآن وفي ما ليس له علاقة؟ هل كانوا يلعبون البلياردو في اللقاء وتألّق بشار فظلّ ذلك عالقاً في ذهن زكي إلى أن زلّ به لسانه في المقابلة؟ أم أن بشار أظهر لزكي بعض تفنّنه في قتل السوريين والفلسطينيين وانبهر الأخير ليصل إلى المقابلة كالخارج من سيرك روسي متألّق؟

يكمل زكي وقد تنفّس الصعداء: «الحمد لله خرجت بقناعة أن الإرادة والوعي والرؤية لدى الرئيس بشار الأسد قادرة على جمع السوريين ..(…).. إن سوريا هي آخر قلاع الصمود العربي». لا لا اسمح لي، ليست آخر القلاع، أين ذهبت السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس! هو آخر القلاع يا حبيبي. وليس ابتعاثك إلا لتمكين أواصر هذه القلاع في مواجهة المخططات الصهيو-إمبريالو-شعبيّة.

وبخصوص هذه المخططات، يخرج لنا زكي بتحليل ذكي لكل ما تمر به سوريا، الحقوق محفوظة له لكني أعيد طرحها هنا لأنها تعرّي كل ما حيك لهذه القلعة المقاومة، يحلّل زكي أفندي: «أعداء القضية الفلسطينينة الذين يخططون لنفي حق العودة والنيل من سوريا هذه البلد الحريص على حق العودة وكرامة الفلسطيني». كانت هذه المقدمّة المنطقية لنتيجة سيصل إليها زكي في تحليله، ألا وهي: «هذا البلد الذي أعطى الفلسطيني كل شيء وأعطى المخيم كل شيء أرادوا تدميره عقوبة لسوريا كي يلغوا المخيم ثم يريحوا الأمم المتحدة ليقولوا انقضى على حق العودة من سوريا».

لنبدأ من الآخر، أسهل، أرادوا (القوى الصهيو-إمبريالو-شعبيّة) أن يريحوا الأمم المتحدة من الفلسطينيين (على أساس مشغولة فينا) ولا بد لذلك من أن يقضوا على حق العودة، ولا بدّ لذلك من أن يلغوا المخيم، ولا بدّ لذلك من تدمير سوريا، أي النظام، الذي أعطى الفلسطيني كل شيء، وذلك لا يتم إلا عن طريق ثورة السوريين على هذا النظام. أنا صراحة انشدهت (هذه أقوى من اندهشت)، ولا كلمة يمكن أن تُقال بعد هذا التحليل التاريخي، التاريخاني، التاريخانياني. صار كارل ماركس وكل «ماديته التاريخية» في جيب زكي الصغير.

«محمود عباس زكي»، هذه قيادات حركة فتح والسلطة الفلسطينية، إشي برفع الراس، هذه قيادات «فتح» التي ينادي زكيّها: «أقول لشعبنا العربي، أميركا ليست قدراً، ها هي ترتعد فرئصها وتتراجع (قشعر بدني يا زلمة)، لن تستطيع تدمير سوريا بحكم اختيارها لحلفاء استراتيجيين لديهم الحمية والإرادة والرؤية ومعرفة حقيقية لأطماع أميركا والمحور المعادي للأمة. أنادى على كل الشعب العربي أن يصمد في وجه أي مؤامرة ويحطمها. وإن سوريا ستكون نقطة لقاء كل الأحرار والشرفاء».

ليحكي ويحكي كما يريد، أما أنّ سوريا هي نقطة التقاء كل الأحرار والشرفاء، وعباس زكي من بينهم؟ اختلف الموضوع الآن.

أبو النوف «جاوب على أمّ السؤال» 

المقابلتان مع «محمود عباس زكي» احتلت كل المساحة في هذه الزاوية ولم تعط (كعادة «فتح» مع اليسار الفلسطيني) لنايف حواتمة إلا هذا التعليق الصغير على مقابلة أجرتها قناة anb مع هذا القائد التاريخي هو الآخر (بالمناسبة شعبنا نصفه قادة وتاريخيون)، الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وأحد خمسة أو ستة أعضاء في هذا التنظيم.

بصراحة ومن الآخر، لم أستطع أن أخرج من المقابلة بموقف محدّد أو عبارة واضحة تخص شأناً محدّداً. وهذا عهدنا بأبو النوف، أجوبته جميعها تصلح لكل الأسئلة، مهما تسأل المذيعة، هي الإجابة نفسها مع تغيير بسيط في ترتيب الأولويات ضمن سياق الإجابة. في النهاية، مجموعة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل فائقة الملل هي ذاتها حاضرة في جميع أجوبته، ترتيبها فقط ما يتغيّر، وأبو النوف هو هو لم يتغيّر.

النتيجة، لم أفهم موقفاً لحواتمة لا في الشأن الفلسطيني ولا في الشأن السوري (على الأقل لم يبد تأييداً واضحاً وتاماً للنظام وهذه تُحسب له في سوق النخاسة الفصائلية وتحديداً نخاسة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والآن حركة فتح)، يلفّ ويدور ويدوّخ سمانا دون أن «يجيب على أمّ السؤال». واسم الله عليه يحكي بنفس واحد، خلال المقابلة الممتدة لأكثر من ساعة لم تسأل محاورتُه غير ٣ أسئلة ونصف، السرد التاريخي والتحليل المابعدماركسي لأبو النوف لم يسمح لها بأكثر من ذلك.

حواتمة من الشخصيات الإشكالية في التاريخ الفلسطيني. بخلاف معظم القيادات التاريخية، هو من أولئك من لن نجد من يحبهم لكن لا نجد كذلك من يكرههم، أما أنا فلا أحبه ولا أكرهه، لدي برود عاطفي تجاهه.

أنوَر رجا وأصل المؤامرة 

مقابلات مع قادة آخرين شهدها هذا الأسبوع، منها أنور رجا الحاضر الدائم على «الإخبارية السورية» والمسؤول الإعلامي لجبهة أحمد جبريل، الشريك الأساسي في جرائم النظام السوري بحق الفلسطينيين، في «اليرموك» تحديداً.

من الآخر، أفهم من كل المقابلة التي أضعتُ أكثر من ساعة على مشاهدتها أن أنوَر هذا توصّل لنتيجة مفادها أن المؤامرة (الصهيو-إمبريالو-شعبيّة) على سوريا لم تبدأ بإشعال البوعزيزي نفسه، فهذه كانت مرحلة من مراحل المؤامرة التي دُبّرت «بليل بعيد وليس أمس».

بكلمات أخرى، أن الثورات التونسية والمصرية وكل الحراكات في البلاد العربية كانت ضمن مخطّطات دُبّرت في عتمة ومنذ زمن سابق للثورة التونسية لهدف واحد، هو إسقاط النظام السوري. وبالعودة إلى عباس زكي، كل هذه الثورات كانت أساساً للخلاص من اللاجئين الفلسطينيين وإراحة الأمم المتحدة والأنروا تحديداً، من خلال إسقاط النظام السوري.

عملياً، الأسد يقوم بكل ذلك، لشو اللف والدوران، ولا حاجة لإسقاطه كي ترتاحوا جميعاً من المخيمات وأهلها. الأسد يهجّر من لم يستطع قتله من هؤلاء اللاجئين، لإراحة الرئيس الفلسطيني أولاً من همّهم غير الموجود أصلاً، ثمّ لإراحة الأمم المتحدة، بسيطة.

اليوم

وأثناء كتابة هذه الأسطر عرفت من مخيم اليرموك أن أحد أئمة المساجد هناك قد أفتى بجواز أكل لحوم القطط والكلاب والحمير بعد الحصار الطويل والقاسي الذي يفرضه نظام بشار المتألّق. وهذا في الأسبوع ذاته الذي شهدنا فيه هذه المقابلات مع هذه القيادات التاريخية، ولم يأت أي منهم على ذكر المخيم وحصاره. هنالك حسابات (تاريخية كذلك) لا بدّ سيجريها الشعب مع قيادات كهذه.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-mahmoudabbas

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s