سياسة
اكتب تعليقُا

إعلامُ النظام مُزاحماً جيشَ النظام في الولاء لرأسِ النظام. مزحة جهاد نكاحية. مستشارو المعارضة عالفاضي

 إعلامُ النظام مُزاحماً جيشَ النظام في الولاء لرأسِ النظام

كما يمكن أن يكون للإعلام في الحروب والثورات التأثير ذاته الذي يمكن أن يكون للسلاح، وكما يمكن أن يكون له مستوى الأخلاقيات ذاته (إن تواجدت) الذي يمكن أن يكون لجيشٍ هو هنا جيش النظام السوري (بالتالي غير متواجدة)، يمكن بالتالي استيعاب الارتكابات المنسجمة لقناة «الإخبارية السورية» مع ارتكابات جيش النظام السوري وماكنة القتل المستمر المطبِقة على السوريين، كما يمكن استيعاب مدى الوضاعة الأخلاقية في سلوكيات هذا الإعلام، آخذين بعين الاعتبار سلوكيات هذا الجيش.

قبل أيام بثّت «الإخبارية السورية» مقابلةً/تحقيقاً مع الطفلة روان قداح، ابنة حوران وكل سوريا، تروي ما لا يمكن لطفلة بعمرها (١٦ سنة) استيعابه، مما ابتدعته عقلية الإعلام السوري بأقصى ما يمكن أن يصله من وضاعة مَرَضيّة في قصصٍ سمعناها، أول ما سمعناها، عبر قنوات لبنانية مؤيدة للنظام «كالميادين» و«الجديد»، قصص فانتازيا جهاد النكاح.

لن أفوت في تفاصيل المقابلة/التحقيق/الجريمة السادية التي بثّتها القناة كعرض مستمر لجرائم حرب إعلامية، فقد بثّت العديد من القنوات تقارير عنها محلّلة إياها مع بعض المنطق والكثير من الحقائق وهو ما يكفي لتكذيب رواية القناة البغيضة، بل مجرّد التشكيك بارتكاب النظام لهذا التحقيق/الجريمة لا يقلّ وضاعة عن التشكيك بمرتكب جريمة الحرب الأخيرة التي نُفذت بالسلاح الكيماوي في الغوطة، (أذكر هنا هزلية إعلامية صدرت عن «الميادين» في محاولة إشاعة أن أطفال الغوطة القتلى بالكيماوي كانوا نياماً لغاية التصوير، ثم استيقظوا). نظامٌ أمكن لجيشه أن يفعل ما فعله بالناس في كل سوريا، يمكن لإعلامه أن يغالي في وضاعته منافساً ومزاحماً الجيش ولاءه لآل الأسد وكل من طاف حوله، فنشاهد الطاهرة روان قداح ضحية جريمة حربٍ مكتملة.

يمكن للجيش أن يرتكب جرائم حرب، مادية يمكن تلمّس الخراب وتصوير الجثث، تماماً كما يمكن للإعلام أن يرتكب جرائم معنوية ونفسيّة لا تقلّ وحشية (بالمناسبة كثيراً ما يعجز المعجم عن إيجاد مفردات تقارب سلوكيات هذا النظام، جيشاً وإعلاماً). لن أستغرب من نظام ارتكب جيشه كل تلك الفظاعات التي خرجت إلينا (ماذا عن تلك التي لم تُصوّر ولم تُنقل ولم نعرف شيئاً عنها؟) أن يرتكب إعلامه وبتطابق تام مع ممارسات الجيش وحيونته (كنقيض للآدمية) ما شاهدناه مؤخراً من إجبار لفتيات بعمر الياسمين أن يروين أمام الكاميرا قصصاً لا يسمح إدراكهنّ الطفولي حتى بتخيّلها.

الرد أتى من مطلق هذه الثورة وحاميها، الشعب السوري الذي خرج بمظاهرات يوم الجمعة اللاحق باسم «أسيرات بطهر الياسمين»، ومن آخرين ردّدوا ما سمعناه في فيديو تمّ نشره قبل أقل من سنة، يسحل فيه جنود النظام رجلاً كهلاً وجسده يترك نتفاً لحميّة على طرقات مدينة حلب، يسألونه ساخرين عن بيته وزوجته التي سيفعلون بها ما سيفعلونه، وإلا سيقتلوه، فما كان جوابه إلا ما صار إحدى العبارات الأثيرة في الثورة: مرتي روحي، بنت عمي وتاج راسي. واحد من المشاهد الموثّقة للثورة والممهدة للحرية. من المشاهد الموثِّقة والممهِّدة كذلك هو ما ظهرت فيه الطفلة الأسيرة روان قداح، روان التي ناداها الكثيرون: ابنتي وأختي وتاج راسي.

كما يُساق قادة الجيوش إلى محاكم دولية لجرائم حرب اتركبوها، لا بدّ أن يُساق المسؤولون عن الإعلام السوري والعاملين فيه إلى محاكم دوليّة بتهمة جرائم حرب كذلك.

مزحة جهاد-نكاحية

لستُ في مزاج يسمح بالسخرية أو التهكّم لبشاعة ما كتبت عنه في الفقرة السابقة، إلا أن لدى سوريين، نشطاء كانوا أم مقاتلين لا أعرف، حس سخرية ذكي ولاذع يخرج من بين الدمار والركام النفسي قبل المادي، وأكاد أجزم أن ما سأعرضه هنا آت من حماصنة، أهالي حمص المزوحين الطيبين ومن عشت بينهم لأعوام، بل أكاد أجزم أن الفكرة أتتهم ذات أربعاء، حيث عيد الحماصنة الأسبوعي المحبّب.

تسرّبت إلى وسائل الإعلام جدول «جهاد النكاح»، وقد عرضته إحدى أشد القنوات المصرية هبلاً وهي «التحرير» إضافة لمجلة الفضائح الملفّقة «الجرس» اللبنانية. الجدول يحوي أسماء ثلاثة رجال وثلاث نساء، ببرنامج مع عدد الساعات المخصّصة لكل منهم ومنهنّ لممارسة هذا الجهاد المُحتفى به إلى أقصاه من قبل الإعلام اللبناني الممانع، أما أسماء الرجال المجاهدين فهي أبو عمر وأبو خالد وأبو علي، وفيها جميعها دلالات تراثية ودينية، وأما أسماء النساء المجاهدات فهي أنيسة وأسماء وبشرى، وهي بالتتالي أسماء أم بشار الأسد وزوجته وأخته.

مستشارون إعلاميون للمعارضة، ع الفاضي

تلك هي مستويات اللاأخلاقية التي يصلها ويتجاوزها الإعلام الموالي للنظام، سورياً ولبنانياً، لا نقاش في ذلك، لكن ماذا لدينا على الطرف الآخر من هذا الصراع؟ ماذا عن الحراك الإعلامي للمعارضة السورية بجميع تشكيلاتها (دون جماعات تنظيم القاعدة لأنها محسوبة على النظام وتسري في فلكه)؟

قد يصعب أن نجد الآن من يناقش في مسألة الدور الإعلامي والسياسي للمعارضة السورية في مقابل الحراك الثوري على الأرض والمستمر ليل نهار. هنالك رأي عام يقول بأن المعارضة السياسية متأخرة بأشواط عمّا يقدّمه الشعب في سوريا لهذه الثورة، وهو رأي بدأ بالتشكّل في مرحلة مبكّرة من عمر الثورة، وكلّما مرّت الأيام زادت فرصة هذا الرأي ليكون حقيقة لن نجد فعلاً من يناقش فيها.

لنسأل: عملياً، أين هو الدور الإعلامي لهذه المعارضة؟ أين الحراك الإعلامي الذي لا بدّ أن تقوم به في موازاة الحراك الثوري على الأرض هناك؟ أم أنه كذلك تُرك لأهالي المدن والقرى السورية، كفرنبّل مثلاً؟ هو كذلك كما يبدو، الدور الإعلامي الفاعل في هذه الثورة أتانا من داخل سوريا، بين مادة توثيقية بالصوت والصورة ومشاركات النشطاء-المراسلين، أما الدور الإعلامي المتكئ فكان لسياسيين طارئين ومحللين استراتيجيين وأخصائيي علم اجتماع سياسي وباحثين في الأنثروبولوجيا وجميع ما يمكن إلصاقه من مجالات في أي ثورة يمكن أن تحصل في هذا العالم، وهؤلاء تعميماً يأتونا عبر الشاشات من خارج سوريا، وتخصيصاً يأتونا منفعلين صارخين بما يمكن أن يشوّش على ما يقولونه على افتراض أنه فعلاً تحليل «بيولوجي» للثورة.

في مقابلة أجرتها قبل أيام إحدى الصحف اللبنانية مع الفنان السوري الذي اعتقله النظام ثم أفرج عنه قبل حوالي الشهر، يوسف عبدلكي، تكلّم عن الفن والسياسة والثقافة في هذه الثورة، وأنهى الحوار بكلام عن السياسيين والمثقفين والظهور الإعلامي لهم، قال بأن الأوضاع الإستثنائية في سوريا أبرزت قوافل هؤلاء المحللين، وبأنهم لم يكن لديهم طوال حياتهم كفاءة أو دور سياسي ولم نسمع بهم وفجأة حصلوا على مناصب كبيرة، وأن ذلك لأسباب تتعلّق بتلك الإسفنجة الهائلة التي تُدعى الإعلام، التي تحتاج إلى كل هؤلاء.

هنالك في هذا الكلام ما يمكن أن يُتّفق عليه شكلاً ومضموناً، سوريا الثورة والشعب الثائر هناك، يستحقون ممثلين إعلاميين ومثقفين وسياسيين أفضل مما نشاهده على الشاشات من صراخ، هذا عدا عن افتقار المعارضات بجميع كتلها لحراك إعلامي منهجي ومنسَّق ونشط يمكن أن يعوّل عليه الحراك الثوري في سوريا، السلمي منه والمسلّح.

قبل أيام عرضت قناة «الآن» حلقة من برنامج «سوريا الآن» بعنوان «إعلام الائتلاف، أين أصاب ونجح وأين فشل وأخفق؟»، استضاف البرنامج ممثلاً عن «الائتلاف» عرّف عن نفسه كمستشار إعلامي في «المجلس الوطني السوري» من باريس، كما استضاف ناشطاً إعلامياً من حمص، وكانت ردود المستشار بمعظمها (بغض النظر عن الأسئلة) دفاعية عن أخطاء وتقصيرات إعلامية لم يعترف بأي منها ولم تخل بعض دفاعاته من إلقاء اللوم على آخرين مجهولين (لتضيع الطاسة). وكان يردّد في معظم أجوبته بأن ليس لدى «الائتلاف» المال الكافي لهذه المتطلبات وتلك، أما الناشط من حمص فكان يشكو من عدم توفير أجهزة إنترنت فضائي أو كاميرات رغم مطالباتهم بها مراراً، وكان يتكلّم بحرقة بعيدة عن لامبالاة المستشار وفوقيّته غير المبرّرة وتركيزه على الدفاع عن «الائتلاف» في مقابل الناشط الحمصي.

تماماً أمام النشطاء الإعلاميين الشباب من داخل سوريا، يتحجّم الكثير من الخبراء والمستشارين والبروفيسورية العاملين في المعارضات السورية في الخارج، مهما حوى الـ C.V لديهم من أسماء مؤسسات ومن سنوات خبرة، وهو ما حاول المستشار في البرنامج إلقاء الضوء عليه في «تدليل» على شخصه وتذكيرنا بأنه كان مراسل قناة الجزيرة في أوروبا (وإذا!). كان ذلك ربما ليدفع عنه التحجيم الذي اجتاجه في المقابلة/المواجهة مع الناشط الإعلامي الحمصي، رغم أننا من المفترض أن نكون أمام ممثلين لطرفين متكاملين لا متنافسين.

أهم ما يمكن أن يفعله الآن السياسيون والإعلاميون المعارضون الذين حفظنا وجوههم وأصواتهم وحتى كلامهم المكرّر، هو أن يكونوا سنداً للنشطاء الإعلاميين داخل سوريا، أن يتركوا «سيفياتهم: سيرهم الذاتية» على جنب قليلاً وأن يدركوا أن المعيار الآن هو ما تقدّمه للثورة، في وجه النظام أولاً وفي وجه جماعات تنظيم القاعدة ثانياً، أن يجعلوا من تأمين طلبات الناشطين التقنية والمهنية أولوية، بدل التنقل بين الفضائيات للصراخ والحديث عن الثورة كأنها حنّة آرندت تتكلّم. لا يكون العمل الإعلامي للثورة بكثرة الطلات على الشاشات، بل بصناعة إعلام واعٍ وجدي ونشط ومركزي يمثّل الثورة، وقبل كل شيء، بتأمين كل احتياجات الثوار الإعلامية، دون هذه الأخيرة لا جدوى من شهادات وخبرات جميع مستشاري المعارضات هذه.

تسلية بداعش

من الضروري جداً إدراك أن المواجهة الإعلامية، كما أصبحت عسكرية مؤخراً، باتت مفتوحة للثوار على جبهتين، النظام السوري من جهة وجماعات القاعدة (النصرة وداعش وكل من حمل علماً أسود) من جهة أخرى، لهؤلاء أساليبهم في تشويه الثورة إعلامياً بقدرٍ يفوق ما يمكن أن تفعله «الإخبارية السورية» مثلاً. ولولا هؤلاء وكل ما يصدر عنهم لما وجدت «الميادين» ما تسلّي به جمهورها (للصدفة الإيرانية مرّة أخرى)، فبات حضور «إنجازات» هذه الجماعات ينافس حضور «إنجازات» جيش النظام على هذه القناة، لا بأس طالما الغاية واحدة، عند الجيش وعند الجماعات وطبعاً عند القناة.

وحدهم الثوار والشعب يحفظون ثورتهم ويصنعون إعلامه.

الزاوية الأسبوعية في القدس العربي

alquds-mazha

Advertisements
This entry was posted in: سياسة

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s