سينما
Comment 1

بُسي رَيوت، صلوات روسية بالألوان. عن الفرقة والفيلم والحريات والنظام الروسي

ظهرت عالمياً منذ أوائل العام الماضي حالة فنيّة سياسية جديدة لم تلقَ اهتماماً إعلامياً جديراً بها عربياً (لسؤال أطرحه آخر المقالة) كما لقيت غربياً، وبريطانياً تحديداً. الحالة الفردية التي اندلعت بمبادرة أربع شابات روسيّات صارت اليوم ظاهرة عالمية تخطّتهن لتشكّل ما يمكن أن نطلق عليه، وما سمّونه هنّ، «معارضة فنّية»، بما لا يشبه ما عُرف من فنون ثورية وملتزمة عبر العالم، هنا نحكي عن حالة فنّية ظهرت بغاية المعارضة السياسية لنظام محدّد هو نظام فلاديمير بوتين، الرئيس الروسي والدكتاتور كما سمّونه. الشابات اللاتي شكّلن فرقة «بُسي رَيوت» لمعارضة حكم بوتين من خلال الفن، أثبتن أن الفنون المعاصرة، بعيداً عن لباقة ورصانة الفنون الملتزمة، يمكن كذلك أن تحمل رسالة سياسية، بل وأن تشكّل ظاهرة أممية تتخطى موضوعاً أو شعباً بعينه.

وثّق هذه الظاهرة المخرجان مايك ليرنر وماكسيم بوزدوروفكين في فيلم بعنوان «Pussy Riot: A Punk Prayer» والذي أُنتج هذه السنة. قبل أيام عُرض الفيلم البريطاني المشارك في عدّة مهرجانات عالمية كان من بينها مهرجان «سندانس» هذا العام، عُرض استثنائياً في إحدى صالات «سينما أوتوبيا» في مدينة تولوز الفرنسية حيث تتوزّع أفلام عدّة لكل منها رسالتها السياسية والثقافية، وذلك ضمن مهرجان «غرولاند» الذي تجول عروض أفلامه على صالات المدينة.

شكّلت الفرقة (ناديا وماشا وكاتيا وغيرهن) بتحدّيها الصارخ للأنظمة الدينية والاجتماعية والسياسية في روسيا، ومن خلال ما أحدثته الأربعين ثانية من إشكاليات أخلاقية عند الكثيرين، وما ألقته من أسئلة في أوجه الجميع، شكّلت بأيقونة اللثم الملوّنة إحدى التوصيفات الجديدة لمفردات كالنسوية والعلمانية والحرية، حرية الرأي كما حريّة الفنون التي يمكن بها يُطرح بها هذا الرأي.

يحكي الفيلم قصّة الشابات اللواتي اقتحمن الصلوات في كاتدرائية موسكو وأقمن عرضاً فنياً سياسياً على المذبح لم يجتز الأربعين ثانية، وكانت مُعكّرة بتدخّلات رجال الأمن في الكاتدرائية، الذين أوقفوهن وحملوهن خارجاً، وذلك في فبراير ٢٠١٢. حتى الآن قد لا نجد في ذلك ما يستحق أن تتحوّل هذه الثواني الأربعين إلى أساس لظاهرة عالمية تغطيها الألوان، إلا أن في العرض وتفاصيله نجد غير ذلك.

الفيلم الذي يبدأ بعبارة المسرحي الشيوعي الألماني برتولد بريخت: «ليست وظيفة الفن أن يكون مرآة للمجتمع بل مطرقة يتشكّل به هذا المجتمع» يقول بأن الفرقة تأسست في اليوم الذي تم فيه التمديد المريب لولاية ثالثة لحكم فلاديمير بوتين، تأسست كفرقة موسيقية لمعارضة حكم بوتين وما يمثّله من ربط بين الكنسية والدولة، وهي الرسالة الأساس التي حاولت الشابات إيصالها عبر فنّهن: فصل الكنيسة عن الدولة،.

الفرقة التي تميّزت عضواتها باللّثم الملوّنة مغطية رؤوسهن، كما بألبستهن الملوّنة الفاقعة المنتاقضة فيما بينها تناقضَ الفرقة مع الكنيسة ومنافعها واستنفاعاتها، صارت ظاهرة عالمية بهذه اللثم التي جابت الكثير من الشوارع في العالم مطالبةً بحرية عضوات الفرقة المعتقلات في السجون الروسية، بجانب مطالب أخرى محلّية. صارت اللثم الملوّنة رمزاً نضالياً يشير أولاً إلى حريّة الشابات، وثانياً وعبر قضيتهن مع النظام الشمولي في روسيا، إلى قضايا الحريات في العالم ورفضاً لجميع الأنظمة الشمولية.

نبقى في عرض الأربعين ثانية في الكاتدرائية كونها حدثاً تتطوّر عنده ظاهرة «بُسي رَيوت» لتصل إلى العالمية. مسألة اقتحام «سلام» المصلّين والصعود إلى المذبح والرقص والغناء والسخرية من طقوس العبادة لم تكن المحرّض الأساسي على محاكمتهن بقدر ما كانت الكلمات التي غنينها أولاً، وفيها من الجرأة ما يمكن اعتباره تجديفاً بالكنيسة ورموزها وذمّاً مباشراً واستهزاءاً بالرئيس الروسي، ثم الموسيقى الصاخبة وما تصحبها من ضجّة تقلق فعلاً «سلامَ المؤمنين» في الكاتدرائية، إحدى رموز السلطة الروسية محلياً وعالمياً، إضافة إلى الألوان الفاقعة والمتباينة في لبسهن غير المناسب لأجواء الكنيسة، واللثم على رؤوسهن مخفياً وجوههن، ثم وفوق ذلك كلّه رقصهن وحركاتهن وإيحاءاتها المنسجمة مع كل ما ذكرت، أتى ذلك كله ليشكّل تظاهرة فنّية بصرية لا يمكن للنظام الروسي أن يتجاهلها، المشهد البصري مصحوباً بهذه الموسيقى وتلك الكلمات كان تحدياً علنياً ثورياً فنياً-معاصراً لعلاقة المنفعة المتبادلة بين الكنيسة والدولة، وكان رفضاً حاسماً لهذه العلاقة.

شكّلت الفرقة (ناديا وماشا وكاتيا وغيرهن) بتحدّيها الصارخ للأنظمة الدينية والاجتماعية والسياسية في روسيا، ومن خلال ما أحدثته الأربعين ثانية من إشكاليات أخلاقية عند الكثيرين، وما ألقته من أسئلة في أوجه الجميع، شكّلت بأيقونة اللثم الملوّنة إحدى التوصيفات الجديدة لمفردات كالنسوية والعلمانية والحرية، حرية الرأي كما حريّة الفنون التي يمكن أن يُطرح بها هذا الرأي.

السؤال الذي قد يتوارد هنا كوننا نعيش في العالم ذاته: في روسيا تمّ الحكم على المشاركين في عرض الكاتدرائية بسنتين اعتقال، ما الذي يمكن أن تلقاه شابات عربيّات يقمن بعرض صاخب كهذا (ولنقل دون تجديف ولا موسيقى صاخبة) في مسجد رئيسي في بلد يكون الدين فيه جزءاً من بنية النظام والدولة، ويكون أداة تسلّط هذه الدولة واستبدادها؟ في مجرّد طرح الفكرة عبثيّة لن يتقبّلها الكثيرون، هل تبيّن بعد كم نحن متواضعون وبسيطون وساذجون في ما نسمّيه «حرياتنا» في «بلادنا»؟

في القدس العربي

alquds-pussyriot

pussy5467

pussy565656

pussy596840

pussy9567822

pussy5678

pussy7690850

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

1 Comment

  1. أرى أن هذه الظاهرة لا تستحق منك أن تكتب عنها كل تلك السطور ولا منا أن نقرأ عن مثل تلك “الخبايص” التي تظهر هذه الفرقة وكأنها لمرضى نفسيين يحاولون جاهداً لفت النظر.

    ثم هل مقياسك للحرية ومنتهى حلمك أن تقوم فتيات باقتحام مسجد أمام المصلين بعرض صاخب باسم الحرية؟
    أين حرية المصلين إذن؟

    فعلاً كم هناك من متواضعين وبسيطين وساذجين في ما يسمّيه البعض «حرية» في «العالم».. فعلاً

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s